جما كثيرا، فاحشا.
فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن ( ١٥ ) وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن ( ١٦ ) كلا بل لا تكرمون اليتيم ( ١٧ ) ولا تحاضون على طعام المسكين ( ١٨ ) وتأكلون التراث أكلا لما ( ١٩ ) وتحبون المال حبا جما( ٢٠ ) .
ثم تبين الآيات أن جنس الإنسان ظلوم كفار، كنود ختار، كما تبين أن المال مع كونه قيام الحياة، فإن الرزاق الوهاب سبحانه يعامل عباده بالمال معاملة المختبر، كما قال المولى سبحانه :.. ونبلوكم بالشر والخير فتنة.. ١ وكذلك حكى القرآن قيل سليمان عليه السلام :.. قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم ٢ ؛ فإذا امتحن الله الإنسان بالثروة والغنى، وأكرمه بالسعة والنعمة فرح بما أوتي وبطر، وتفاخر واستكبر، بل قد تتمادى به الفتنة فيظن أنه أكرم ممن ضيق عليهم، وأن نعمته لن تزول، ولن يزول هو عنها : الذي جمع مالا وعدده. يحسب أن ماله أخلده ٣ وسرعان ما فتن الضالون المكذبون. وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين ٤ فرد الله تعالى عليهم بقوله الحكيم : أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين. نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون ٥ قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن أكثر الناس لا يعلمون. وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنوا ٦ ؛ وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن وجنس الإنسان يقول ربي أهانن إذا هو ابتلى واختبر بالرزق الكفاف، والعطاء الذي يكون بقدر قليل، وينسى أن الله تعالى أعطاه نعما أخرى كثيرة سابغة، ظاهرة وباطنة، نعمة الحياة، نعمة العقل، نعمة القوة، نعمة العافية، نعمة الكفاية، نعمة الإيواء ؛ وتمام النعمة الهداية إلى الحق ؛ هذا شأن أكثر الناس : وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان يؤوسا ٧ لكن أهل العقول السليمة، والفطرة السوية المستقيمة، إذا أعطوا آثروا وشكروا، وإذا منعوا قنعوا وصبروا، وهكذا هدى ربنا إلى المنهاج الحكيم : لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا ٨، وجلت حكمة ربي، فلم تأمرنا الآية الكريمة بإنفاق كل ما أعطانا، ولكن مما آتاه الله و [ من ] كما هو معلوم للتبعيض، ولهذا مدح أهل التوسط في الإنفاق : والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ٩ وجاء الأمر بذلك صريحا : ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ١٠ كما جاء النهي والتنفير عن الإسراف في أبلغ قول :.. ولا تبذر تبذيرا. إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا ١١..
كلا بل لا تكرمون اليتيم. ولا تحاضون على طعام المسكين كلا : ليس الأمر كما زعمتم، فكم من مكثر طغى وآثر الحياة، وبخل واستغنى وكذب بالحسنى، فهو عند الله مهين، وفي الآخرة من الخاسرين، وينادي يوم الدين، مع الهلكى المعذبين :.. أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق.. ١٢ ؛ ورب أشعث أغبر ذي طمرين لا يأبه له الناس لو أقسم على الله لأبره ؛ وقديما ضاق الذين استكبروا من قوم نوح بالضعفاء والفقراء من المؤمنين، فأوحى الله إلى عبده ونبيه نوح عليه السلام ما يزهق باطل اللئام، وبين ربنا في القرآن مقام أهل الإيمان وإن قل مالهم- كما جاء في الآية الكريمة :.. ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم.. ١٣ ؛ وفي الحديث الصحيح أن هرقل عظيم الروم لما سأل أبا سفيان عن أحوال أتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم قال : أفقراء الناس اتبعوه أم أغنياؤهم ؟ قال : بل فقراؤهم.. وكان رد هرقل : إنهم أتباع الأنبياء ؛ إنما يذل ويخزى من أوتي مالا فضن به وشح على من جعل الله لهم فيه حقا ؛ فمنع البر عن اليتيم لؤم، والعدوان على حقه أشأم الظلم : إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا... ١٤ ؛ وقسوة القلوب على المحتاج، وقبض اليد عن سد خلته وتفريج كربته غل في أعناق من كز : ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السموات والأرض.. ١٥، وإن أصحاب اليمين، إذ يتساءلون عن المجرمين، يقرون بأن شقوتهم صدتهم عن إعطاء المحرومين : ما سلككم في سقر. قالوا لم نك من المصلين. ولم نك نطعم المسكين ١٦ ؛ وعهد الله إلينا هنا ليس أن نطعم وكفى ولكن أن نبذل لهم ونحض ونحث ونأمر الآخرين بالوفاء بحق المحرومين، وهذا هو التحاض.
وحين يزين للناس حب الشهوات من القناطير المقنطرة من الذهب والفضة لا يبالي أحدهم إلا بالجمع من حلال أو من حرام ؛ وإلى هؤلاء جاء النذير في القرآن : وتأكلون التراث أكلا لما وتجمعون ما يتوارث، وتلمونه لما واسعا، نصيبكم كان أو نصيب غيركم، لضعيف كان كالمرأة واليتيم، أو لقوي.
وتحبون المال حبا جما يشتد حبكم له- وحبك الشيء يعمي ويصم- فيجر ذلك إلى شدة الحرص والشره- وقال الليث : اللم : الجمع الشديد... فالآكل يلم الثريد، فيجمعه لقما ثم يأكله ؛ وقال مجاهد : يسفه سفا... وكان أهل الشرك لا يورثون النساء ولا الصبيان، بل يأكلون ميراثهم مع ميراثهم.. ويجوز أن يذم الوارث الذي ظفر بالمال.. من غير أن يعرق فيه جبينه فيسرف في إنفاقه، ويأكله أكلا واسعا-١٧.
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب