ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝ

إذن : فبعد أن ذكر لنا الحق الجنة وما فيها، وما يجعل النفس مشتاقة إلى الجنة، فهو يذكرنا بما يجب علينا أن نفعله لخدمة منهج الله -ولله المثل الأعلى- مثلما تقول لأبنك : عندما تتخرج طبيبا ستكون لك عيادة كبيرة ثم المستشفى، وترتقي معه فيما ينتظره من مستقبل كبير، وتذكره بضرورة أن يجتهد في المذاكرة حتى يصل إلى ما يتمناه. وبذلك تكون قد حببته في الغاية التي سيصل إليها، ثم انتقلت لتحببه في الوسيلة التي ستوصله إلى هذه الغاية.
وهنا يقول الحق سبحانه :
يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم والحق جل وعلا يخص رسوله صلى الله عليه وسلم بالتكريم والتعظيم، فلم يناده باسمه. بل قال(١) : يا أيها النبي وفي مواقع أخرى يناديه : يا أيها الرسول .
ولكن النداء من الحق لباقي الأنبياء، يكون مثل قوله تعالى :
وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة... ( ٣٥ ) ( البقرة )
وقوله تعالى :
قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات... ( ٤٨ ) ( هود )
ونادى الحق إبراهيم :
{ يا إبراهيم( ١٠٤ ) قد صدقت الرؤيا.. (. ١٠٥ ) ( الصافات )
ونادى الحق موسى :
يا موسى( ١١ ) إني أنا ربك... ( ١٢ ) ( طه )
وخاطب الحق سيدنا عيسى :
يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله... ( ١١٦ ) ( المائدة )
فكل رسول ناداه الحق سبحانه وتعالى باسمه، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد ناداه بقوله : يا أيها النبي ، و يا أيها الرسول تكريما للرسول عليه الصلاة والسلام، ورفعا لمقامه عند ربه.
وهنا يطلب الحق من رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجاهد الكفار والمنافقين(٢).
ونحن نعلم أن السماء لا تتدخل لإرسال رسول إلا إذا فسد المجتمع فسادا عاما. ونعلم أن النفس الإنسانية فيها قد فطرت على محبة الخير، فإن لم يحكمها هواها فهي تفعل الخير وتحبه، فن حكمها هواها ستر عنها الخير وفتح الهوى للنفس أبواب الشر وقد يطيع الإنسان هواه في أمر من الأمور، ثم يفيق، فتلومه نفسه على ما فعل، هذه هي النفس اللوامة، التي تلوم صاحبها على الشر، وتدفعه إلى الخير. ولكن هناك نفس تتوقف فيها ملكات الخير فتفعل الشر، ولا تندم عليه، ثم ترتقي النفس في الشر فتصبح أمارة بالسوء، وتأبى ألا تكتفي بفعل الشر، بل تأمر به الناس وتحببه لهم. إذن : فمراحل النفس البشرية كثيرة، فهناك النفس التي تطمئن لمنهج الله وتطيعه. وهذه هي النفس المطمئنة، التي يقول فيها الحق :
{ يا أيتها النفس المطمئنة ( ٢٨ ) ارجعي إلى ربك راضية مرضية( ٢٨ ) فادخلي في عبادي( ٢٩ ) وادخلي جنتي( ٣٠ ) ( الفجر ).
وإذا وجدت النفس المطمئنة والنفس اللوامة، فاعلم أن المجتمع بخير، لأن النفس المطمئنة تطيع، وتأمر بالطاعة، والنفس اللوامة تلوم صاحبها على الشر، لكل مؤمن نقطة ضعف، فإذا ضعف مؤمن، يسرع له أخوه المؤمن ليلومه على ضعفه، ويصحح له مساره، لأن نقط الضعف مختلفة، نجد أن المجتمع يستقيم كلما وجد من يلفت النظر إلى المنكر وينهى عنه، وهؤلاء هم الذين يقول الحق عنهم :
إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر( ٣ ) ( العصر )
ولكن عندما تصدأ النفوس جميعا، ولا يصبح هناك من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، بل تجد من ينهى عن المعروف ويأمر بالمنكر، حينئذ لا بد أن يتدخل الحق سبحانه ليعيد للحق مكانه في الدنيا.
إذن : فرب العزة لا يتدخل في حالة وجود نفوس مطمئنة تطبق منهج الله وتأمر بطاعته، أو وجود نفوس لوامة، سواء في ذات النفس البشرية أو في المجتمع تراجع من يرتكب الإثم لوامة، ولكن إذا عم الفساد في المجتمع، ولم يصبح هناك من ينهى عن المنكر ويأمر بالمعروف، وأصبح أهل الخير فيه عاجزين عن أن يفعلوا شيئا، جاءت الرسل لتعيد منهج الحق لينظم حياة المجتمع.
وحين يأتي الرسول فهو يعلم أنه ما أرسل إلا بعد أن عم الشر في الكون، وأن أهل الفساد هم الأغلبية، وهم أصحاب النفوذ والسلطان، وينتفعون بالفساد والإنحراف المستشري في المجتمع. وهؤلاء إذا سمعوا بصيحة الحق ؛ فلن يقفوا متفرجين، بل سيحاربون كل من يحمل منهج الحق إليهم. ولا بد للرسول أن يصمد أمامهم، وأن يجاهدهم.
و " جاهد " من " فاعل "، مثل :" شارك " فأنت تشارك فلانا، ومثل :" قاتل " فأنت تقاتل فلانا، إذن : فلا بد أن تحدث مفاعلة بين الرسول ومن اتبعوه، وبين الكفر والفساد في المجتمع.
ولا بد أن يستعد الرسول والمؤمنون بمنهجه لتحمل الإيذاء من غير المؤمنين بالمنهج، لأن الكفار منتفعون بالفساد، لكي يستمر هذا الانتفاع، لابد أن يقف الكفار ضد حملة منهج الحق، وأن يقاوموهم ليضمنوا لأنفسهم استمرار الميزات التي يعطيها الباطل لهم. وينبه الله سبحانه وتعالى رسوله إلى حقيقة هؤلاء الكفار المنتفعين بالفساد وأنهم سيحاربونه. ولذلك لم يقل سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم : اتحد معهم، ولكنه قال : جاهد الكفار والمنافقين أي : اصمد أمامهم في المعركة، وجاءت الكثير من الآيات التي يأمر فيها الله رسوله والمؤمنين بالصبر على الجهاد، والجهاد يقتضي المواجهة، لذلك قال سبحانه : اصبروا .
ولكن لنفرض أن عدوي صبر أيضا في الحرب، إن أنا صبرت وعدوي صبر تساوت الكتفان، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى :
اصبروا وصابروا... ( ٢٠٠ ) ( آل عمران )أي : إن واجهكم عدوكم بالصبر، فليكن صبركم أقوى منه، فتغلبوه بالصبر والتحمل، فقف صابرا في مواجهتهم ومعك المؤمنون برسالتك، فمعسكر الإيمان لابد أن يواجه معسكر الكفر والنفاق، والكافر هو الذي جحد الإيمان بقلبه وأعلن الكفر بلسانه، أما المنافق فهو من كفر في باطنه ويعلن الإيمان في ظاهره. وهذا هو الذي يجب أن نحذر منه أشد الحذر، لأننا لا نعرفه فنتقي شره مثل الكافر، فقد يطعنا المنافق من الخلف ونحن آمنون له مطمئنون إليه، فتكون طعنته مؤثرة وأليمة.
ويوضح الحق لرسوله صلى الله عليه وسلم : إن العداوة التي سيواجهها وهو يبشر بمنهج الله ستأتيه من اثنين، من كافر أو منافق، أي من مجاهر بعدم الإيمان، أو ممن كفر بقلبه وتظاهر بالإيمان بلسانه. أما المنافق فإنه عدو صعب، لأنه يغشنا فلا نأمنه، رغم أن النفاق في حد ذاته بالنسبة لمنهج الله هو دليل قوة هذا المنهج، لأنه لا ينافق إلا القوي، أما الضعيف فلا ينافقه أحد.
ولذلك لم يكن هناك منافقون أثناء وجوده صلى الله عليه وسلم من مكة قبل الهجرة، لأن المسلمين كانوا قلة ضعافا، وكانوا معذبين مضطهدين. ولم يكن هناك ما يغري أحدا بنفاقهم، لأنه لا توجد استفادة من هذا النفاق، بل سيتعرض من يتعاطف معهم للتعذيب والاضطهاد. والمنافق في إظهاره غير ما يبطن إنما يحقق لنفسه مصلحة ذاتية.
واختلف الحال بعد أن هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وظهر المنافقون بعد أن أصبح للإسلام دولة وقوة. والمنافق في هذه الحالة إنما يعلن إيمانه زيفا، ليستفيد من قوة المسلمين لصالحه. إذن : فالنفاق ظاهرة مرضية في المنافق، ولكنها دليل قوة المؤمن الذي ينافقه.
ونلحظ أنه سبحانه وتعالى قد قدم في هذه الآية ذكر الكفار على المنافقين. وقدم في آيات أخرى المنافقين. وقدم في آيات أخرى المنافقين على الكفار(٣). والصدام-كما نعلم- قد حدث أولا مع الكفار، ففي أول الدعوة لم يوجد هذا الصنف المنافق، بل كان هناك مؤمنون وكفار، وجهاد الكفار جاء على مراحل، وليس على مرحلة واحدة، وكانت أولى مراحل الجهاد هي الجهاد بالحجة، لأن المؤمنين في أول الأمر كانوا قلة ضعيفة لا يملكون قوة يواجهون بها هذا المد الكبير من الكفار. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض قضايا الإيمان بالحجة لإقناع العقل، لعل عقولهم تفيق فيؤمنون بمنهج الحق. فيسألهم مثلا عمن خلق السماوات والأرض ؟.
وحين يديرها الكافر في عقله لا يجد أحدا ادعى-أو يستطيع أن يدعي- أنه خلق السماوات والأرض، فلا يكون جوابهم إلا أن الخالق هو الله سبحانه وتعالى(٤)، لماذا ؟ لأن الإنسان في تكوينه قد يدعي أشياء ليست له، ولكنه لا ينفي أمرا هو صاحبه. فمخترع أي شيء أو صانعه لا يمكن أن ينكر أنه صنع أو اخترع، بل يحب أن تعرف الدنيا كلها أنه اخترع أو صنع، ولهذا فأنت لا تجد شيئا ينتفع به الكون مهما كان تافها إلا وعرفنا تاريخه، ومن أين جاء، ومن الذي اكتشفه أو صنعه، والمثال هو ما درسناه في المدارس عن الذي اخترعه أو اكتشفه أو صنعه، والمثال هو ما درسناه في المدارس عن الذي اكتشف الكهرباء، والذي صنع المصباح الكهربائي، ومن الذي طوره. وكذلك اختراع الطائرة، ومعروف لنا كيف نشأت فكرة الطيران بعباس بن فرناس، الذي حاول الطيران بذاته بواسطة أجنحة كبيرة وهكذا كانت البداية.
إذن : فكل شيء نافع في الكون معروف من الذي اكتشفه أو صنعه أو اخترعه. فإذا كان هذا هو الحال بالنسبة للصناعات البشرية المحدودة، فما بالك بالنسبة للكون ؟ وحين نسأل : من الذي أوجد الشمس ؟ ألا يستحق خالقها أن نعرف من هو، خصوصا ونحن نعرف من الذي اخترع مصباح الكهرباء وأوجده في حياتنا ؟.
وإذا كنا نملأ الدنيا بالحديث عن مخترع مصباح الكهرباء الذي ينير حجرة محدودة لوقت، وقامت مصانع كبيرة لتنتج هذا الاختراع، أفلا نستحق أن نعرف من الذي أوجد الشمس التي تنير الكرة الأرضية في نفس اللحظة ؟ هذه الشمس التي تشرق منذ ملايين السنين، ولم تنطفئ مرة واحدة، ولا احتاجت قطعة فغيار طوال هذا العمر الطويل، ولا بد أن يكون لها صانع، تتناسب قوته مع ذلك الإعجاز الذي نراه سواء في الضوء، أو خصائص هذا الضوء، أو في دقة الصنع، فهي لا تتأخر ثانية ولا تتقدم ثانية عن الظهور، ولا بد أن يكون صانعها له من القوة ما يتناسب مع عظمة هذا الخلق.
فإذا جاء الرسول وأبلغنا أن الله هو الذي خلق الشمس، فإما أن يكون صادقا، فنسلم جميعا بأن الله هو الخالق والموجد. وإما أنه غير صادق، فنقول : لماذا لم يخرج إذن أحد يدعي أنه هو الذي خلقها.
ولكن دقة وإعجاز الخلق الذي لا يمكن أن تصل إليه قوة بشرية مفردة، أو قوى بشرية متعددة متعاونة، جعل القضية محسومة له سبحانه وتعالى(٥). وإلى أن يأتي من يدعي أنه خلق الشمس، ولن يأتي، فقضية الخلق محسومة لله سبحانه وتعالى، ولا يوجد هناك منازع.
ويأتي رسول ليقول : إن خالق الأرض والشمس والسماوات والكون هو الحق سبحانه وتعالى، فلم يأت أحد ويدعي أنه قد خلق شيئا من هذا، مما يؤكد صحة دعوى الرسول، مما يؤكد أن من أوجد هذا الكون هو قوة بلا حدود، وقدرة بلا قيود، وهو الأحق بالعبادة من هذه الأصنام والآلهة التي يدعونها.
وتمضي الدعوة بالمنطق ليسألهم من الذي خلقهم. مصداقا لقول الحق سبحانه وتعالى :
أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون( ٣٥ ) ( الطور ).
فإذا كان الجواب : لا هذا ولا هذه، إذن " فلا بد أم هناك خالقا وموجدا لنا، فإذا جاء لنا الرسول وأبلغنا : إن خالق هذا الكون وخالقنا هو الله، فلا بد أن نصدقه، لأنه لم يدع أحد ولا يستطيع أن يدعي أنه خلق هذا الكون أو خلق نفسه، تماما كما نكون قد جلسنا في مكان. وبد أن انصرفنا، وجدت حافظة نقود، فجاء صاحب المكان وسأل

١ ورد نداء رسول الله صلى الله عليه وسلم نيا أيها النبي ١٣ مرة في القرآن، أما نداءيا أيها الرسول فقد ورد مرتين فقط..
٢ قال بن عباس في تفسير هذه الآية"أمر بالجهاد مع الكفار بالسيف، ومع المنافقين باللسان وشدة الزجر والتغليظ" وانظر تفسير القرطبي(٤/٣١٢٩).
٣ وذلك من نحو قوله تعالىإن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا (النساء: ١٤٠) وكذلك قولهوعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم (التوبة: ٦٨)..
٤ ومصداقا لقوله عز وجل:ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله (لقمان: ٢٥).
٥ حتى أن مجادلة ومحاجة إبراهيم عليه السلام للنمروذ لم تكن في خلق الشمس، إنما كانت الإتيان بها من مكان غير الذي تأتي منه، فقال:قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر (البقرة: ٢٥٨).

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير