ووعدهم مساكن طيبة يتمتعون بها مشتملة على جميع المرافق من أثاث ورياش وزينة ورزق ومتاع هذه المساكن في جنات عدن ومكانها الطيب.
هذا هو المتاع الجسماني في الآخرة، وأما متاع الروح فالرضا والرضوان، ورضوان من الله أكبر من ذلك كله لا يقدر قدره، وقيل: إن الرضوان رؤية الله يوم القيامة لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [سورة يونس آية ٢٦].
هذا جزاء الإيمان في مقابلة جزاء النفاق السابق، ألا بئس ما يصنعون، ذلك الذي ذكر من الوعد للمؤمنين والمؤمنات بالنعيم الجسماني والروحاني هو الفوز العظيم، أما المتاع في الدنيا فعرض زائل مشوب بالألم والتعب والهم والنصب.
أيها المؤمنون: هذه هي الموازين الحقيقية للإيمان وجزائه فانظروا إلى أنفسكم في أى مكان هي!! وحاسبوها قبل أن تحاسبوا.
معاملة النبي للكفار والمنافقين [سورة التوبة (٩) : الآيات ٧٣ الى ٧٤]
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٧٤)
المفردات:
وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ الغلظ: الخشونة وعدم الرحمة. وَما نَقَمُوا:
وما كرهوا، وما عابوا.
هذا تهديد للمنافقين وإنذار لهم بالجهاد كالكفار المجاهرين أعداء النبي صلّى الله عليه وسلّم والمسلمين والكفار على أنواع، منهم المجاهرون المقاتلون وهؤلاء أمر النبي بقتالهم بالسيف، ومنهم غير المحاربين وهم المعاهدون، والمنافقون الذين قال الله فيهم: هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ وكان يعاملهم باللطف واللين ولا غرابة في ذلك فقد كان النبي صلّى الله عليه وسلّم رحيما كريما ذا خلق عال، ليس فيه غلظة ولا جفوة
يقول في كلامه: «شر الناس من يخاف شره»
والأحاديث الواردة عنه في هذا الباب كثيرة، وقد كان يعامل المنافقين كما يعامل المسلمين تماما مما جرأهم على لمزه وعيبه، والنيل منه بل ورد السلام عليه بقولهم: (السام) حتى كان منهم ما كان وعرفناه في هذه السورة والتي قبلها- ولذلك أمره الله- تعالى- في هذه الآية بالغلظة على الفريقين.
المعنى:
يا أيها النبي جاهد الكفار غير المحاربين والمنافقين واغلظ عليهم لا تعاملهم باللين والبشاشة، ولا تقبل عليهم بوجهك الباسم بل اعبس في وجوههم، وسيأتى قريبا أنهم يمنعون من القتال مع المسلمين، ولا تصل على أحد مات منهم أبدا كما سيأتى، وهذا جهاد لأنه يخالف لين النبي وأدبه ورحمته بالناس، وهذا علاج رباني، فإن المذنب إذا عومل معاملة لينة ربما أطغته وجعلته يتمادى، وبالعكس لو عومل بالشدة نوعا ما كما يقول عمر- رضى الله عنه-: «أذلوهم ولا تظلموهم» كان ذلك أدعى إلى أن يرجع إلى نفسه ويحاسبها حسابا قد ينتج عنه رجوعه إلى الجادة، ولست أرى أشد على المذنب من إنكار الناس عليه، وهذا دواء من حكيم عليم.
وفي التفسير المأثور: جاهد الكفار بالسيف والمنافقين باللسان، وهذا عذابهم في الدنيا، أما في الآخرة فمأواهم جهنم، وبئس المصير مصيرهم.
ولقد استأنف القرآن بيان سبب هذا حيث أثبت لهم الكذب الصريح واليمين الفاجرة، وهمهم بالفعل الشنيع، وأنهم جعلوا سبب الرضا والشكر سبب النقمة والكفر، ألا ساء ما كانوا يعملون.
يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوه
ولم يدركوه، وما كرهوا الدين إلا لأن الله أغناهم به، هؤلاء المنافقون قد كفروا بعد إسلامهم، وخاضوا في النبي والقرآن، وهموا بالفتك برسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقد أطلعه الله على ذلك وأنبأه بأنهم سينكرون ذلك، وسيحلفون بالله كذبا ليرضوكم اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً «١» والله تعالى يكذبهم ويثبت بتأكيد القسم أنهم قالوا كلمة الكفر التي رويت عنهم، ولم تذكر في القرآن لئلا يتعبد المسلمون بتلاوتها، ولذلك اختلف الرواة في إثباتها، فبعضهم يقول: إن شخصا اسمه جلاس بن سويد قال: لئن كان محمد صادقا على إخواننا الذين هم سادتنا وخيارنا لنحن شر من الحمير (يقصد الآيات التي نزلت فيمن تخلف من المنافقين)، وقيل: إنها نزلت في مقالة قالها عبد الله بن أبىّ ثم أنكرها، وعلى العموم فالآية صريحة في إثبات ذلك وأمثاله لهم.
وقد كفر المنافقون بعد إسلامهم الظاهر،
وروى أن بعضهم هم بقتل النبي صلّى الله عليه وسلّم حين منصرفه من غزوة تبوك ثم ردهم الله خاسرين وذلك قوله تعالى وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا.
وما أنكر هؤلاء المنافقون من أمر الإسلام وبعثة الرسول- عليه الصلاة والسلام- شيئا يقتضى الكراهة والكفر والهم بالانتقام إلا إغناء الله إياهم ورسوله بما يقسمه لهم من الغنائم ويعاملهم كالمسلمين، وهذا تعبير بديع، كقول الشاعر:
| ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم | بهن فلول من قراع الكتائب |
وما لهم في الأرض من ولى ولا نصير، إذ ولاية المؤمنين بعضهم لبعض، والمنافقون لا ولاية لهم، إذ لا ضمير لهم حتى مع أنفسهم.
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي