يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هَكَذَا أَرْسَلْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ، يَعْنِي إِلَى جَمَاعَةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا جَمَاعَاتٌ عَلَى مِثْلِ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ، فَمَضَتْ؛ ﴿لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الرعد: ٣٠] يَقُولُ: لِتُبَلِّغُهُمْ مَا أَرْسَلْتُكَ بِهِ إِلَيْهِمْ مِنْ وَحْيِي الَّذِي أَوْحَيْتُهُ إِلَيْكَ ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد: ٣٠] يَقُولُ: وَهُمْ يَجْحَدُونَ وَحْدَانِيَّةَ اللَّهِ، وَيُكَذِّبُونَ بِهَا ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي﴾ [الرعد: ٣٠] يَقُولُ: إِنْ كَفَرَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَرْسَلْتُكَ إِلَيْهِمْ يَا مُحَمَّدُ بِالرَّحْمَنِ فَقُلْ: أَنْتَ اللَّهُ رَبِّي ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد: ٣٠] يَقُولُ: وَإِلَيْهِ مَرْجِعِي وَأَوْبَتِي، وَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: تُبْتُ مَتَابًا وَتَوْبَةً. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد: ٣٠] : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ حِينَ صَالَحَ قُرَيْشًا كَتَبَ: «هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ» فَقَالَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ: لَئِنْ كُنْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَاتَلْنَاكَ لَقَدْ ظَلَمْنَاكَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ: هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ نُقَاتِلْهُمْ فَقَالَ: «لَا، وَلَكِنِ اكْتُبُوا كَمَا يُرِيدُونَ، إِنِّي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ» فَلَمَّا كَتَبَ الْكَاتِبُ: «بِسْمِ اللَّهِ -[٥٣١]- الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» قَالَتْ قُرَيْشٌ: أَمَّا الرَّحْمَنُ فَلَا نَعْرِفُهُ، وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَكْتُبُونَ: «بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ»، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنَا نُقَاتِلْهُمْ، قَالَ: «لَا، وَلَكِنِ اكْتُبُوا كَمَا يُرِيدُونَ»


الصفحة التالية
Icon