بِعَرْشِهَا} [النمل: ٣٨] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَالَ ذَلِكَ حِينَ أَتَاهُ الْهُدْهُدُ بِنَبَأِ صَاحِبَةِ سَبَأَ، وَقَالَ لَهُ: ﴿جِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ﴾ وَأَخْبَرَهُ أَنَّ لَهَا عَرْشًا عَظِيمًا، فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل: ٢٧] فَكَانَ اخْتِبَارُهُ صِدْقَهُ مِنْ كَذِبِهِ بِأَنْ قَالَ لِهَؤُلَاءِ: أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِيَ مُسْلِمِينَ. وَقَالُوا إِنَّمَا كَتَبَ سُلَيْمَانُ الْكِتَابَ مَعَ الْهُدْهُدِ إِلَى الْمَرْأَةِ بَعْدَ مَا صَحَّ عِنْدَهُ صِدْقَ الْهُدْهُدِ بِمَجِيءِ الْعَالِمِ بِعَرْشِهَا إِلَيْهِ عَلَى مَا وَصَفَهُ بِهِ الْهُدْهُدُ، قَالُوا: وَلَوْلَا ذَلِكَ كَانَ مُحَالًا أَنْ يَكْتُبَ مَعَهُ كِتَابًا إِلَى مَنْ لَا يَدْرِي، هَلْ هُوَ فِي الدُّنْيَا أَمْ لَا؟ قَالُوا: وَأُخْرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَتَبَ مَعَ الْهُدْهُدِ كِتَابًا إِلَى الْمَرْأَةِ قَبْلَ مَجِيءِ عَرْشِهَا إِلَيْهِ، وَقَبْلَ عِلْمِهِ صِدْقَ الْهُدْهُدِ بِذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ لَهُ ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل: ٢٧] مَعْنًى، لِأَنَّهُ لَا يُلِمُّ بِخَبَرِهِ الثَّانِي مِنْ إِبْلَاغِهِ إِيَّاهَا الْكِتَابَ، أَوْ تَرْكِ إِبْلَاغِهِ إِيَّاهَا ذَلِكَ، إِلَّا نَحْوَ الَّذِي عَلِمَ بِخَبَرِهِ الْأَوَّلِ حِينَ قَالَ لَهُ: ﴿جِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢] قَالُوا: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْكِتَابِ مَعَهُمُ امْتِحَانُ صِدْقِهِ مِنْ كَذِبِهِ، وَكَانَ مُحَالًا أَنْ يَقُولَ نَبِيُّ اللَّهِ قَوْلًا لَا مَعْنَى لَهُ، وَقَدْ قَالَ: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل: ٢٧] عَلِمَ أَنَّ الَّذِي امْتَحَنَ بِهِ صِدْقَ الْهُدْهُدِ مِنْ كَذِبِهِ هُوَ مَصِيرُ عَرْشِ الْمَرْأَةِ إِلَيْهِ، عَلَى مَا أَخْبَرَهُ بِهِ الْهُدْهُدُ الشَّاهِدُ عَلَى صِدْقِهِ، ثُمَّ كَانَ الْكِتَابُ مَعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَيْهَا.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ -[٦١]- أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ سُلَيْمَانَ أُوتِيَ مُلْكًا، وَكَانَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا أُوتِيَ مُلْكًا غَيْرُهُ؛ فَلَمَّا فَقَدَ الْهُدْهُدَ سَأَلَهُ: مِنْ أَيْنَ جِئْتَ؟ وَوَعَّدَهُ وَعِيدًا شَدِيدًا بِالْقَتْلِ وَالْعَذَابِ، قَالَ: ﴿جِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ﴾ قَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: مَا هَذَا النَّبَأُ؟ قَالَ الْهُدْهُدُ: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً﴾ [النمل: ٢٣] بِسَبَأٍ ﴿تَمْلِكُهُمْ، وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣] فَلَمَّا أَخْبَرَ الْهُدْهُدُ سُلَيْمَانَ أَنَّهُ وَجَدَ سُلْطَانًا، أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدٍ فِي الْأَرْضِ سُلْطَانٌ غَيْرُهُ، فَقَالَ لِمَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِيَ مُسْلِمِينَ. قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ، وَإِنِّي عَلَيْهِ لِقَوِيُّ أَمِينٌ﴾ [النمل: ٣٩] قَالَ سُلَيْمَانُ: أُرِيدُ أَعْجَلَ مِنْ ذَلِكَ ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [النمل: ٤٠] وَهُوَ رَجُلٌ مِنَ الْإِنْسِ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ الْأَكْبَرُ، الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠] فَدَعَا بِالِاسْمِ وَهُوَ عِنْدَهُ قَائِمٌ، فَاحْتُمِلَ الْعَرْشُ احْتِمَالًا حَتَّى وُضِعَ بَيْنَ يَدَيْ سُلَيْمَانَ، وَاللَّهُ صَنَعَ ذَلِكَ؛ فَلَمَّا أَتَى سُلَيْمَانَ بِالْعَرْشِ وَهُمْ مُشْرِكُونَ، يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، أَخْبَرَهُ الْهُدْهُدُ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ مَعَهُ كِتَابًا ثُمَّ بَعَثَهُ إِلَيْهِمْ، حَتَّى إِذَا جَاءَ الْهُدْهُدُ الْمَلِكَةَ أَلْقَى إِلَيْهَا الْكِتَابَ ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩].. إِلَى ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣١] فَقَالَتْ لِقَوْمِهَا مَا قَالَتْ ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥] قَالَ: وَبَعَثَتْ إِلَيْهِ بِوَصَائِفَ وَوُصَفَاءَ، وَأَلْبَسَتْهُمْ لِبَاسًا وَاحِدًا، حَتَّى لَا يُعْرَفُ ذَكَرٌ مِنْ أُنْثَى، فَقَالَتْ: إِنْ زَيَّلَ بَيْنَهُمْ حَتَّى يَعْرِفَ الذِّكْرَ مِنَ الْأُنْثَى ثُمَّ رَدَّ الْهَدِيَّةَ فَإِنَّهُ نَبِيُّ، وَيَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتْرُكَ مُلْكَنَا وَنَتَّبِعَ دِينَهُ وَنَلْحَقَ بِهِ، فَرَدَّ سُلَيْمَانُ الْهَدِيَّةَ وَزَيَّلَ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: هَؤُلَاءِ غِلْمَانٌ، وَهَؤُلَاءِ جِوَارٍ، وَقَالَ: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ [النمل: ٣٦].. -[٦٢]- إِلَى آخِرِ الْآيَةِ "


الصفحة التالية
Icon