قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: إِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: أَوْ لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّهُ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ حَتَّى قِيلَ لَهُ ذَلِكَ؟ قِيلَ: بَلَى، فَقَدْ كَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: إِنَّمَا ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ خَبَرٌ عَنْ أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ؛ وَلَكِنَّهُ قَدْ أَخْرَجَ الْكَلَامَ مَخْرَجَ التَّقْرِيرِ كَمَا تَفْعَلُ مِثْلَهُ الْعَرَبُ فِي خِطَابِ بَعْضِهَا بَعْضًا، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَلَمْ أُكْرِمْكَ؟ أَلَمْ أَتَفَضَّلْ عَلَيْكَ؟ بِمَعْنَى إِخْبَارِهِ أَنَّهُ قَدْ أَكْرَمَهُ وَتَفَضَّلَ عَلَيْهِ، يُرِيدُ أَلَيْسَ قَدْ أَكْرَمْتُكَ؟ أَلَيْسَ قَدْ تَفَضَّلْتُ عَلَيْكَ؟ بِمَعْنَى قَدْ عَلِمْتَ ذَلِكَ. قَالَ: وَهَذَا لَا وَجْهَ لَهُ عِنْدَنَا؛ وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ [البقرة: ١٠٦] إِنَّمَا مَعْنَاهُ: أَمَا عَلِمْتَ. وَهُوَ حَرْفُ جَحْدٍ أُدْخِلَ عَلَيْهِ حَرْفُ اسْتِفْهَامٍ، وَحُرُوفُ الِاسْتِفْهَامِ إِنَّمَا تَدْخُلُ فِي الْكَلَامِ إِمَّا بِمَعْنَى الِاسْتِثْبَاتِ، وَإِمَّا بِمَعْنَى النَّفْي. فَأَمَّا بِمَعْنَى الْإِثْبَاتِ فَذَلِكَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا دَخَلَتْ عَلَى حُرُوفِ الْجَحْدِ؛ وَلَكِنْ ذَلِكَ عِنْدِي وَإِنْ كَانَ ظَهَرَ ظُهُورَ الْخِطَابِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّمَا هُوَ مَعْنَى بِهِ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة: ١٠٤]. وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٠٧] فَعَادَ بِالْخِطَابِ فِي آخِرِ الْآيَةِ إِلَى جَمِيعِهِمْ، وَقَدْ ابْتَدَأَ أَوَّلَهَا بِخِطَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الَّذِينَ وَصَفْتُ أَمَرَهُمْ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَذَلِكَ مِنْ كَلَامِ


الصفحة التالية
Icon