مِمَّا يَجُوزُ فِي حِكْمَتِهِ عَطَاؤُكُمُوهُ فَأَعْطَاكُمُوهُ ثُمَّ كَفَرْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ، كَمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ الَّتِي سَأَلَتْ أَنْبِيَاءَهَا مَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مَسْأَلَتُهَا إِيَّاهُمْ، فَلَمَّا أُعْطِيَتْ كَفَرَتْ، فَعُوجِلَتْ بِالْعُقُوبَاتِ لِكُفْرِهَا بَعْدَ إِعْطَاءِ اللَّهِ إِيَّاهَا سُؤْلَهَا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾ [البقرة: ١٠٨] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ﴾ [البقرة: ١٠٨] وَمَنْ يَسْتَبْدِلِ الْكُفْرَ؛ وَيَعْنِي بِالْكُفْرِ: الْجُحُودَ بِاللَّهِ وَبِآيَاتِهِ ﴿بِالْإِيمَانِ﴾ [البقرة: ١٠٨]، يَعْنِي بِالتَّصْدِيقِ بِاللَّهِ وَبِآيَاتِهِ وَالْإِقْرَارِ بِهِ. وَقَدْ قِيلَ عُنِيَ بِالْكُفْرِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الشِّدَّةُ وَبِالْإِيمَانِ الرَّخَاءُ. وَلَا أَعْرِفُ الشِّدَّةَ فِي مَعَانِي الْكُفْرِ، وَلَا الرَّخَاءَ فِي مَعْنَى الْإِيمَانِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَائِلُ ذَلِكَ أَرَادَ بِتَأْوِيلِهِ الْكُفْرَ بِمَعْنَى الشِّدَّةِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَبِتَأْوِيلِهِ الْإِيمَانَ فِي مَعْنَى الرَّخَاءِ مَا أَعَدَّ اللَّهُ لِلْكُفَّارِ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الشَّدَائِدِ، وَمَا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ فِيهَا مِنَ النَّعِيمِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ وَجْهًا وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا مِنَ الْمَفْهُومِ بِظَاهِرِ الْخِطَابِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: " ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾ [البقرة: ١٠٨] يَقُولُ: يَتَبَدَّلِ -[٤١٥]- الشِّدَّةَ بِالرَّخَاءِ " حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ بِمِثْلِهِ وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ١٠٨] دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] خِطَابٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِتَابٌ مِنْهُ لَهُمْ عَلَى أَمْرٍ سَلَفَ مِنْهُمْ مِمَّا سُرَّ بِهِ الْيَهُودُ وَكَرِهَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ، فَكَرِهَهُ اللَّهُ لَهُمْ. فَعَاتَبَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ الْيَهُودَ أَهْلُ غِشٍّ لَهُمْ وَحَسَدٍ وَبَغْيٍ، وَأَنَّهُمْ يَتَمَنَّوْنَ لَهُمُ الْمَكَارِهَ وَيَبْغُونَهُمُ الْغَوَائِلَ، وَنَهَاهُمْ أَنْ يَنْتَصِحُوهُمْ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ مَنِ ارْتَدَّ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ فَاسْتَبْدَلَ بِإِيمَانِهِ كُفْرًا فَقَدْ أَخْطَأَ قَصْدَ السَّبِيلِ


الصفحة التالية
Icon