دَاوُدُ جَالُوتَ. وَفِي هَذَا الْكَلَامِ مَتْرُوكٌ تُرِكَ ذِكْرُهُ اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ مَا ظَهَرَ مِنْهُ عَلَيْهِ. وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ، قَالُوا: رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا، وَثَبِّتِ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ، فَأَفْرَغَ عَلَيْهِمْ صَبْرَهُ، وَثَبَّتَ أَقْدَامَهُمْ وَنَصَرَهُمْ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ، فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ. وَلَكِنَّهُ تَرَكَ ذِكْرَ ذَلِكَ اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٥١] عَلَى أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَجَابَ دُعَاءَهُمُ الَّذِي دَعَوْهُ بِهِ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٥١] قَتَلُوهُمْ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، يُقَالُ مِنْهُ: هَزَمَ الْقَوْمُ الْجَيْشَ هَزِيمَةً وَهِزِّيمَى ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ﴾ وَدَاودُ هَذَا هُوَ دَاوُدُ بْنُ إِيشَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ إِيَّاهُ
كَمَا: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا بَكَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ، يُحَدِّثُ، قَالَ: " لَمَّا خَرَجَ، أَوْ قَالَ: لَمَّا بَرَزَ طَالُوتُ لِجَالُوتَ، قَالَ جَالُوتُ: أَبْرِزُوا لِي مَنْ يُقَاتِلُنِي، فَإِنْ قَتَلَنِي، فَلَكُمْ مُلْكِي، وَإِنْ قَتَلْتُهُ فَلِي مُلْكُكُمْ فَأُتِيَ بِدَاودَ إِلَى طَالُوتَ، فَقَاضَاهُ إِنْ قَتَلَهُ أَنْ يُنْكِحَهُ ابْنَتَهُ وَأَنْ يُحَكِّمَهُ فِي مَالِهِ. فَأَلْبَسَهُ طَالُوتُ سِلَاحًا، فَكَرِهَ دَاوُدُ أَنْ يُقَاتِلَهُ، وَقَالَ: إِنِ اللَّهَ لَمْ يَنْصُرْنِي عَلَيْهِ لَمْ يُغْنِ السِّلَاحُ. فَخَرَجَ إِلَيْهِ بِالْمِقْلَاعِ، وَبِمِخْلَاةٍ فِيهَا أَحْجَارٌ، ثُمَّ بَرَزَ لَهُ، قَالَ لَهُ جَالُوتُ: أَنْتَ تُقَاتِلُنِي؟ قَالَ دَاوُدُ: نَعَمْ. -[٤٩٩]- قَالَ: وَيْلَكَ أَمَا تَخْرُجُ إِلَيَّ إِلَّا كَمَا يُخْرَجُ إِلَى الْكَلْبِ بِالْمِقْلَاعِ وَالْحِجَارَةِ؟ لَأْبَدِّدَنَّ لَحْمَكَ، وَلَأُطْعِمَنَّهُ الْيَوْمَ الطَّيْرَ، وَالسِّبَاعَ فَقَالَ لَهُ دَاوُدُ: بَلْ أَنْتَ عَدُوُّ اللَّهِ شَرٌّ مِنَ الْكَلْبِ. فَأَخَذَ دَاوُدُ حَجَرًا وَرَمَاهُ بِالْمِقْلَاعِ، فَأَصَابَتْ بَيْنَ عَيْنَيْهِ حَتَّى نَفَذَتْ فِي دِمَاغِهِ، فَصُرِعَ جَالُوتُ، وَانْهَزَمَ مَنْ مَعَهُ، وَاحْتَزَّ دَاوُدُ رَأْسَهُ. فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى طَالُوتَ ادَّعَى النَّاسُ قَتْلَ جَالُوتَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَأْتِي بِالسَّيْفِ وَبِالشَّيْءِ مِنْ سِلَاحِهِ أَوْ جَسَدِهِ، وَخَبَّأَ دَاوُدُ رَأْسَهُ، فَقَالَ طَالُوتُ: مَنْ جَاءَ بِرَأْسِهِ فَهُوَ الَّذِي قَتَلَهُ. فَجَاءَ بِهِ دَاوُدُ. ثُمَّ قَالَ لِطَالُوتَ: أَعْطِنِي مَا وَعَدْتَنِي فَنَدِمَ طَالُوتُ عَلَى مَا كَانَ شَرْطٌ لَهُ، وَقَالَ: إِنَّ بَنَاتِ الْمُلُوكِ لَا بُدَّ لَهُنَّ مِنْ صَدَاقٍ، وَأَنْتَ رَجُلٌ جَرِيءٌ شُجَاعٌ، فَاحْتَمِلْ صَدَاقَهَا ثَلَثَمِائَةِ غَلْفَةٍ مِنْ أَعْدَائِنَا وَكَانَ يَرْجُو بِذَلِكَ أَنْ يُقْتَلَ دَاوُدُ. فَغَزَا دَاوُدُ وَأَسَرَ مِنْهُمْ ثَلَثَمِائَةٍ، وَقَطَعَ غُلَفَهُمْ وَجَاءَ بِهَا، فَلَمْ يَجِدْ طَالُوتُ بُدًّا مِنْ أَنْ يُزَوِّجَهُ. ثُمَّ أَدْرَكَتْهُ النَّدَامَةُ، فَأَرَادَ قَتْلَ دَاوُدَ حَتَّى هَرَبَ مِنْهُ إِلَى الْجَبَلِ، فَنَهَضَ إِلَيْهِ طَالُوتُ فَحَاصَرَهُ. فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ سُلِّطَ النَّوْمُ عَلَى طَالُوتَ وَحَرَسِهِ، فَهَبَطَ إِلَيْهِمْ دَاوُدُ، فَأَخَذَ إِبرِيقَ طَالُوتَ الَّذِي كَانَ يَشْرَبُ مِنْهُ وَيَتَوَضَّأُ، وَقَطَعَ شَعْرَاتٍ مِنْ لِحْيَتِهِ وَشَيْئًا مِنْ هُدْبِ ثِيَابِهِ، ثُمَّ رَجَعَ دَاوُدُ إِلَى مَكَانِهِ، فَنَادَاهُ أَنَّى حَرَسُكَ، فَإِنِّي لَوْ شِئْتُ أَقْتُلُكَ الْبَارِحَةَ فَعَلْتُ، فَإِنَّهُ هَذَا إِبْرِيقُكَ وَشَيْءٌ مِنْ شَعْرِ لِحْيَتِكَ -[٥٠٠]- وَهُدْبِ ثِيَابِكَ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ. فَعَلِمَ طَالُوتُ أَنَّهُ لَوْ شَاءَ قَتَلَهُ، فَعَطَفَهُ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَأَمَّنَهُ، وَعَاهَدَهُ بِاللَّهِ لَا يَرَى مِنْهُ بَأْسًا. ثُمَّ انْصَرَفَ. ثُمَّ كَانَ فِي آخِرِ أَمْرِ طَالُوتَ أَنَّهُ كَانَ يَدُسُّ لِقَتْلِهِ، وَكَانَ طَالُوتُ لَا يُقَاتِلُ عَدُوًّا إِلَّا هُزِمَ، حَتَّى مَاتَ " قَالَ بَكَّارٌ: وَسُئِلَ وَهْبٌ وَأَنَا أَسْمَعُ: أَنَبِيًّا كَانَ طَالُوتُ يُوحَى إِلَيْهِ؟ فَقَالَ: لَمْ يَأْتِهِ وَحْي، وَلَكِنْ كَانَ مَعَهُ نَبِيُّ يُقَالُ لَهُ أشمويل يُوحَى إِلَيْهِ، وَهُوَ الَّذِي مَلَّكَ طَالُوتَ "


الصفحة التالية
Icon