آذَنَتْ بِأَنَّ الْكَلَامَ مُتَّصِلٌ بِمَا قَبْلَهَا، وَأَنَّ بَعْدَهَا خَبَرًا مَطْلُوبًا لِلَّامِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: «وَلِيَعْلَمَ»، مُتَعَلِّقَةً بِهِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ١٤٠] مَعْرِفَةً، وَأَنْتَ لَا تَسْتَجِيزُ فِي الْكَلَامِ: قَدْ سَأَلْتُ فَعَلِمْتُ عَبْدَ اللَّهِ، وَأَنْتَ تُرِيدُ: عَلِمْتُ شَخْصَهُ، إِلَّا أَنْ تُرِيدَ: عَلِمْتُ صِفَتَهُ وَمَا هُوَ؟ قِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا جَازَ مَعَ الَّذِينَ؛ لِأَنَّ فِي «الَّذِينَ» تَأْوِيلَ «مَنْ» وَ «أَيٍّ»، وَكَذَلِكَ جَائِزٌ مِثْلُهُ فِي الْأَلْفِ وَاللَّامِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣] ؛ لِأَنَّ فِي الْأَلْفِ وَاللَّامِ مِنْ تَأْوِيلِ «أَيٍّ»، وَ «مَنْ» مِثْلَ الَّذِي فِي «الَّذِي»، وَلَوْ جُعِلَ مَعَ الِاسْمِ الْمَعْرِفَةِ اسْمٌ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى «أَيِّ» جَازَ، كَمَا يُقَالُ: سَأَلْتُ لِأَعْلَمَ عَبْدَ اللَّهِ مِنْ عَمْرٍو، وَيُرَادُ بِذَلِكَ: لِأَعْرِفَ هَذَا مِنْ هَذَا. فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ أَيُّهَا الْقَوْمُ مِنَ الَّذِينَ نَافَقُوا مِنْكُمْ، نُدَاوِلُ بَيْنَ النَّاسِ، فَاسْتَغْنَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ١٤٠] مِنْكُمْ، عَنْ ذِكْرِ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [آل عمران: ١٦٧] لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، إِذْ كَانَ فِي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٤] تَأْوِيلُ «أَيٍّ» عَلَى مَا وَصَفْنَا فَكَأَنَّهُ قِيلَ: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ أَيُّكُمُ الْمُؤْمِنُ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثناؤُهُ: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ [الكهف: ١٢] غَيْرَ أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ وَالَّذِي وَمَنْ، إِذَا وُضِعَتْ مَعَ الْعِلْمِ مَوْضِعَ أَيٍّ نُصِبَتْ بِوُقُوعِ الْعِلْمِ