لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآَتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ اجزب
﴿ قال ادخلوا في أمم ﴾ أي قال الله للكفار: "ادخلوا في أمم" في محل الحال، أي: كائنين في جملة أمم أو مع أمم (١)، ﴿ قد خلت ﴾ أي: سبقتكم وتقدمتكم في الزمان، ﴿ من الجن والإنس في النار كلما دخلت أمة لعنت أختها ﴾ التي اقتدت بها في الضلال. والمعنى: لعنت أختها في الدين لا في النسب، ﴿ حتى إذا اداركوا فيها جميعاً ﴾ أصله: "تَدَاركُوا" فأدغمت التاء في الدال، ثم اجتلب لها ألف الوصل توصلاً إلى النطق بالساكن، والمعنى: حتى إذا تلاحقوا واجتمعوا في النار، ﴿ قالت أخراهم ﴾ آخرهم دخولاً النار وهم الأتباع ﴿ لأولاهم ﴾ الرؤساء القادة الذين دخلوا النار قبلهم، والمعنى: لأجل أولاهم؛ لأن قولهم لله لا لأولاهم، ﴿ ربنا هؤلاء أضلونا ﴾.
قال ابن عباس: لأنهم شرعوا لنا أن نتخذ من دونك إلهاً (٢).
﴿ فآتهم عذاباً ضعفاً ﴾ أي: مضاعفاً ﴿ من النار ﴾ ؛ لأنهم ضلوا وأضلوا، ﴿ قال لكل ضعف ﴾ أي: عذاب مضاعف (٣)، ﴿ ولكن لا تعلمون ﴾.

(١)... انظر: الدر المصون (٣/٢٦٦).
(٢)... ذكره الواحدي في الوسيط (٢/٣٦٦)، وزاد المسير (٣/١٩٥).
(٣)... الضعف على ما قال أبو عبيد، ونص عليه الشافعي في الوصايا: مِثْل الشيء مرة واحدة. وعن الأزهري: أن هذا المعنى عرفي، والضعف في كلام العرب وإليه يرد كلام الله تعالى: المثل إلى ما زاد، ولا يقتصر على مثلين، بل هو غير محصور، واختاره هنا غير واحد. وقال الراغب: الضعف بالفتح مصدر، وبالكسر اسم كالثني، والثني هو الذي يثنيه، ومتى أضيف إلى عدد اقتضى ذلك العدد مثله، نحو أن يقال: ضعف عشرة، وضعف مائة، فذلك عشرون ومائتان بلا خلاف، وعلى ذلك قول الشاعر:
...... جزيتك ضعف الود لما اشتكيته...... وما أن جزاك الضعف من أحد قبلي
... وإنما قيل: اعطه ضعفي واحد، اقتضى ذلك الواحد ومثليه، وذلك ثلاثة، لأن معناه الواحد واللذان يزاوجانه. هذا إذا كان الضعف مضافاً، فإذا لم يكن مضافاً فقلت: الضعفين، فقد قيل: يجري مجرى الزوجين في أن كل واحد منهما يزاوج الآخر، فيقتضي ذلك اثنين، لأن كل واحد منهما يضاعف الآخر، فلا يخرجان منهما. (انظر: روح المعاني ٨/١١٦)، ولسان العرب (مادة: ضعف)، وترتيب القاموس (٣/٢٦-٢٧)، والصحاح (٤/١٣٩٠-١٣٩١)، ومفردات الراغب (ص: ٤٣٨) وما بعدها، ومجاز القرآن (١/٢١٤).
(١/١١٦)


الصفحة التالية
Icon