قال قتادة: هؤلاء أهل مكة خرجوا ولهم بغي وفخر، فقال رسول الله - ﷺ -: "اللهم إن قريشاً أقبلت بفخرها وخيلائها لتحادك ورسولك". فنهى الله المؤمنين أن يكونوا مثلهم، وأمرهم بإخلاص النية والحسبة في نصرة الدين (١).
وقد ذكرنا فيما مضى: أن أبا سفيان أرسل إليهم يُؤذنهم بسلامة العير، فقال أبو جهل: لا نرجع حتى نقدم بدراً فنشرب الخمور، وننحر الجزور، ونطعم الطعام، ونُقيم القِيان (٢) والمعازف، فتسمع بنا العرب فتهابنا (٣)، فانعكس عليهم الأمر، فنَحروا أنفسهم بدل الجزور، وشَربوا المنايا عوضاً عن الخمور، وناحت عليهم النوائح مكان القيان والمعازف.
قوله تعالى: ﴿وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم﴾ أي: واذكر إذ زين لهم الشيطان أعمالهم التي عملوها في معاداتك وإبطال ما جئت به، ﴿وقال لا غالب لكم اليوم من الناس﴾ وذلك أنهم لما أجمعوا المسير خافوا بني كنانة، فتبدّا لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك -وكان من أشراف بني كنانة- فقال: لا غالب لكم اليوم من الناس، ﴿وإني جار لكم﴾ أي: حافظ ومجير من أن تأتيكم كنانة بشيء تكرهونه، فخرجوا سراعاً، ﴿فلما تراءت الفئتان﴾ التقى الجمعان؛ المسلمون والمشركون ﴿نكص على عقبيه﴾ أي: رجع القَهْقَهرى وذلك أن إبليس رأى جبريل عليه
(٢)... وهنّ الإماء المغنيات (انظر: اللسان، مادة: قين).
(٣)... أخرجه الطبري (١٠/١٧)، وابن أبي حاتم (٥/١٧١٤). وانظر: الماوردي (٢/٣٢٤)، وزاد المسير (٣/٣٦٦).
(١/٤٤٥)