وَأَصْلُ الْغُلُوِّ فِي كُلِّ شَيْءٍ: مُجَاوَزَةُ حَدِّهِ الَّذِي هُوَ حَدُّهُ، يُقَالَ مِنْهُ فِي الدِّينِ قَدْ غَلَا فَهُوَ يَغْلُو غُلُوًّا، وَغَلَا بِالْجَارِيَةِ عَظْمُهَا وَلَحْمُهَا: إِذَا أَسْرَعَتِ الشَّبَابَ، فَجَاوَزَتْ لِدَاتِهَا، يَغْلُو بِهَا غُلُوًّا وَغَلَاءً؛ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الْحَارِثِ بْنِ خَالِدٍ الْمَخْزُومِيِّ:
[البحر الكامل]
خُمْصَانَةٌ قَلِقٌ مُوَشَّحُهَا | رُؤْدُ الشَّبَابِ غَلَا بِهَا عَظْمُ |
وَقَدْ حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، قَالَ: صَارُوا فَرِيقَيْنِ: " فَرِيقٌ غَلَوْا فِي الدِّينِ، فَكَانَ غُلُوُّهُمْ فِيهِ: الشَّكَّ فِيهِ وَالرَّغْبَةَ عَنْهُ، وَفَرِيقٌ مِنْهُمْ قَصَرُوا عَنْهُ فَفَسَقُوا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٧١] مَا الْمَسِيحُ أَيُّهَا الْغَالُونَ فِي دِينِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ بِابْنِ اللَّهِ كَمَا تَزْعُمُونَ، وَلَكِنَّهُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْخَلْقِ، لَا نَسَبَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ. ثُمَّ نَعَتَهُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِنَعْتِهِ وَوَصَفَهُ بِصِفَتِهِ، فَقَالَ: هُوَ رَسُولُ اللَّهِ، أَرْسَلَهُ اللَّهُ بِالْحَقِّ إِلَى مَنْ أَرْسَلَهُ إِلَيْهِ مِنْ خَلْقِهِ " وَأَصْلُ الْمَسِيحِ: الْمَمْسُوحُ، صُرِفَ مِنْ مَفْعُولٍ إِلَى فَعِيلٍ، وَسَمَّاهُ اللَّهُ
الصفحة التالية