الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: ١] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ، أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ. فَذَلِكَ عَلَى قَوْلِهِمْ مِنَ الْمُؤَخَّرِ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّقْدِيمُ، فَ غَيْرَ مَنْصُوبٌ عَلَى قَوْلِ قَائِلِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ عَلَى الْحَالِ مِمَّا فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْفُوا﴾ [المائدة: ١]، مِنْ ذِكْرِ الَّذِينَ آمَنُوا. وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ عَلَى مَذْهَبِهِمْ: أَوْفُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِعُقُودِ اللَّهِ الَّتِي عَقَدَهَا عَلَيْكُمْ فِي كِتَابِهِ، لَا مُحِلِّينَ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ " وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ الْوَحْشِيَّةِ مِنَ الظِّبَاءِ وَالْبَقَرِ وَالْحُمُرِ، غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ: غَيْرَ مُسْتَحِلِّي اصْطِيَادِهَا، وَأَنْتُمْ حُرُمٌ، إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ. فَ غَيْرَ عَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ مِنَ الْكَافِ وَالْمِيمِ اللَّتَيْنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢] بِتَأْوِيلِ: أُحِلَّتْ لَكُمْ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ، لَا مُسْتَحِلِّي اصْطِيَادِهَا فِي حَالِ إِحْرَامِكُمْ. وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ كُلُّهَا، إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْهَا وَحْشِيًّا، فَإِنَّهُ صَيْدٌ فَلَا يَحِلُّ لَكُمْ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ. فَكَأَنَّ مَنْ قَالَ ذَلِكَ، وَجَّهَ الْكَلَامَ إِلَى مَعْنَى: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ كُلُّهَا، إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ، إِلَّا مَا يُبَيَّنُ لَكُمْ مِنْ وَحْشِيِّهَا، غَيْرَ مُسْتَحِلِّي اصْطِيَادِهَا فِي حَالِ إِحْرَامِكُمْ، فَتَكُونُ ﴿غَيْرَ﴾ [الفاتحة: ٧] مَنْصُوبَةً عَلَى قَوْلِهِمْ عَلَى الْحَالِ مِنَ الْكَافِ وَالْمِيمِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١]