الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤] يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ: اللَّهُ الْمَعْبُودُ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَالْمَالِكُ كُلَّ شَيْءٍ، الَّذِي لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ أَرَادَهُ، وَلَا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ طَلَبَهُ، الْمُقْتَدِرُ عَلَى هَلَاكِ الْمَسِيحِ وَأُمِّهِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا، لَا الْعَاجِزُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى مَنْعِ نَفْسِهِ مِنْ ضَرٍّ نَزَلَ بِهِ مِنَ اللَّهِ وَلَا مَنْعِ أُمِّهِ مِنَ الْهَلَاكِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ عَنْ قَوْمٍ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى أَنَّهُمْ قَالُوا هَذَا الْقَوْلَ وَقَدْ ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ تَسْمِيَةُ الَّذِينَ قَالُوا ذَلِكَ مِنَ الْيَهُودِ
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثني مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: ثني سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، أَوْ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُعْمَانُ بْنُ أَضَاءَ وَبَحْرِيُّ بْنُ عَمْرٍو، وَشَأْسُ بْنُ عَدِيٍّ، فَكَلَّمُوهُ، فَكَلَّمَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ وَحَذَّرَهُمْ نِقْمَتَهُ، فَقَالُوا: مَا تَخَوِّفُنَا يَا مُحَمَّدُ، نَحْنُ وَاللَّهِ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، كَقَوْلِ النَّصَارَى، فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ فِيهِمْ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.
وَكَانَ السُّدِّيُّ يَقُولُ فِي ذَلِكَ بِمَا: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ -[٢٧٠]- وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] أَمَّا أَبْنَاءُ اللَّهِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى إِسْرَائِيلَ أَنَّ وَلَدًا مِنْ وَلَدِكِ أُدْخِلُهُمُ النَّارَ فَيَكُونُونَ فِيهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا حَتَّى تُطَهِّرَهُمْ وَتَأْكُلَ خَطَايَاهُمْ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ: أَنِ أَخْرِجُوا كُلَّ مَخْتُونٍ مِنْ وَلَدِ إِسْرَائِيلَ، فَأُخْرِجُهُمْ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران: ٢٤] وَأَمَّا النَّصَارَى، فَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ قَالَ لِلْمَسِيحِ: ابْنُ اللَّهِ " وَالْعَرَبُ قَدْ تُخْرِجُ الْخَبَرَ إِذَا افْتَخَرَتْ مُخْرَجَ الْخَبَرِ عَنِ الْجَمَاعَةِ، وَإِنْ كَانَ مَا افْتَخَرَتْ بِهِ مِنْ فِعْلِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَتَقُولُ: نَحْنُ الْأَجْوَادُ الْكِرَامُ، وَإِنَّمَا الْجَوَادُ فِيهِمْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَغَيْرُ الْمُتَكَلِّمُ الْفَاعِلُ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ جَرِيرٌ:
[البحر الطويل]

نَدَسْنَا أَبَا مَنْدُوسَةَ الْقَيْنَ بِالْقَنَا وَمَا رَدَمٌ مِنْ جَارِ بَيْبَةَ نَاقِعُ
فَقَالَ: نَدَسْنَا، وَإِنَّمَا النَّادِسُ: رَجُلٌ مِنْ قَوْمِ جَرِيرٍ غَيْرُهُ، فَأَخْرَجَ الْخَبَرَ مُخْرَجَ الْخَبَرِ عَنْ جَمَاعَةٍ هُوَ أَحَدُهُمْ. فكَذَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ عَنِ النَّصَارَى أَنَّهَا قَالَتْ ذَلِكَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وَهُوَ جَمْعُ حَبِيبٍ ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة: ١٨] يَقُولُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ -[٢٧١]- مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ لِهَؤُلَاءِ الْكَذِبَةِ الْمُفْتَرِينَ عَلَى رَبِّهِمْ: فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ رَبُّكُمْ، يَقُولُ: فَلِأَيِّ شَيْءٍ يُعَذِّبُكُمْ رَبُّكُمْ بِذُنُوبِكُمْ إِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَبْنَاؤُهُ وَأَحِبَّاؤُهُ، فَإِنَّ الْحَبِيبَ لَا يُعَذِّبُ حَبِيبَهُ، وَأَنْتُمْ مُقِرُّونَ أَنَّهُ مُعَذِّبُكُمْ. وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ قَالَتْ: إِنَّ اللَّهَ مُعَذِّبُنَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا عَدَدَ الْأَيَّامِ الَّتِي عَبَدْنَا فِيهَا الْعِجْلَ، ثُمَّ يُخْرِجُنَا جَمِيعًا مِنْهَا؛ فَقَالَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ لَهُمْ: إِنْ كُنْتُمْ كَمَا تَقُولُونَ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ؟ يُعَلِّمُهُمْ عَزَّ ذِكْرُهُ أَنَّهُمْ أَهْلُ فِرْيَةٍ وَكَذِبٍ عَلَى اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ


الصفحة التالية
Icon