وَالْمَشَارِبِ كَسَائِرِ الْبَشَرِ مِنْ بَنِي آدَمَ. فإِنَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَغَيْرُ كَائِنٍ إِلَهًا؛ لِأَنَّ الْمُحْتَاجَ إِلَى الْغِذَاءِ قَوَامُهُ بِغَيْرِهِ، وَفِي قَوَامِهِ بِغَيْرِهِ وَحَاجَتِهِ إِلَى مَا يُقِيمُهُ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى عَجْزِهِ، وَالْعَاجِزُ لَا يَكُونُ إِلَّا مَرْبُوبًا لَا رَبًّا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: ٧٥] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ: صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْظُرْ يَا مُحَمَّدُ كَيْفَ نُبَيِّنُ لِهَؤُلَاءِ الْكَفَرَةِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الْآيَاتِ، وَهِيَ الْأَدِلَّةُ وَالْإِعْلَامُ وَالْحُجَجُ عَلَى بُطُولِ مَا يَقُولُونَ فِي أَنْبِيَاءِ اللَّهِ، وَفِي فِرْيَتِهِمْ عَلَى اللَّهِ، وَادِّعَائِهِمْ لَهُ وَلَدًا، وَشَهَادَتِهِمْ لِبَعْضِ خَلْقِهِ بِأَنَّهُ لَهُمْ رَبٌّ وَإِلَهٌ، ثُمَّ لَا يَرْتَدِعُونَ عَنْ كَذِبِهِمْ وَبَاطِلِ قِيلِهِمْ، وَلَا يَنْزَجِرُونَ عَنْ فِرْيَتِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ وَعَظِيمِ جَهْلِهِمْ، مَعَ وُرُودِ الْحُجَجِ الْقَاطِعَةِ عُذْرَهُمْ عَلَيْهِمْ. يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ثُمَّ انْظُرْ يَا مُحَمَّدُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ؟ يَقُولُ: ثُمَّ انْظُرْ مَعَ تَبْيِينِنَا لَهُمْ آيَاتِنَا عَلَى بُطُولِ قَوْلِهِمْ: أَيَّ وَجْهٍ يُصْرَفُونَ عَنْ بَيَانِنَا الَّذِي بَيَّنْتُهُ لَهُمْ، وَكَيْفَ عَنِ الْهُدَى الَّذِي نَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ يَضِلُّونَ؟ وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِكُلِّ مَصْرُوفٍ عَنْ شَيْءٍ: هُوَ مَأْفُوكٌ عَنْهُ، يُقَالَ: قَدْ أَفَكْتُ فُلَانًا عَنْ كَذَا: أَيْ صَرَفْتُهُ عَنْهُ، فَأَنَا آفِكُهُ إِفْكًا، وَهُوَ مَأْفُوكٌ، وَقَدْ أَفِكَتِ الْأَرْضُ: إِذَا صُرِفَ عَنْهَا الْمَطَرُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة: ٧٦]