سورة المائدة | الآية ٦٠

عرض السورة
التَّفسير

ﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐ

صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
معاني القرآن
الفراء
معاني القرآن للفراء
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
مجاز القرآن
أبو عبيدة
معاني القرآن
الأخفش
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
تفسير التستري
سهل التستري
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
النكت والعيون
الماوردي
تفسير القشيري
القشيري
لطائف الإشارات
القشيري
التفسير البسيط
الواحدي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير الراغب الأصفهاني
الراغب الأصفهاني
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
معالم التنزيل
البغوي
معالم التنزيل
البغوي
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
روح البيان
إسماعيل حقي
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
روح المعاني
الألوسي
تفسير المنار
محمد رشيد رضا
تفسير المنار
رشيد رضا
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
زهرة التفاسير
أبو زهرة
بيان المعاني
ملا حويش
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
أيسر التفاسير
أسعد حومد
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
المنَاسَبَة: لما حكى تعالى عن أهل الكتاب أنهم تركوا العمل بالتوارة والإِنجيل وحكم عليهم بالكفر والظلم والفسوق، حذّر تعالى في هذه الآيات من موالاة اليهود والنصارى، ثم عدّد جرائم اليهود وما اتهموا به الذات الإِلهية المقدسة من شنيع الأقوال وقبيح الفعال.
اللغَة: ﴿دَآئِرَةٌ﴾ واحدة الدوائر وهي صروف الدهر ونوازله قال الراجز:
تردُّ عنكَ القَدرَ المَقْدُورَاودائرتِ الدَّهر أنْ تَدُورا
﴿حَبِطَتْ﴾ بطلت وذهبت ﴿تَنقِمُونَ﴾ تنكرون وتعيبون ﴿السحت﴾ الحرام وقد تقدم ﴿مَغْلُولَةٌ﴾ مقبوضة والغلُّ: القيد يوضع في اليد وهو كناية عن البخل، وغلّة وضع القيد في يده ﴿أَطْفَأَهَا﴾ الإِطفاء: الإِخماد حتى لا يبقى هناك أثر ﴿مُّقْتَصِدَةٌ﴾ أي عادلة غير متغالية من القصد وهو الاعتدال.
سَبَبُ النّزول: ١ - عن ابن عباس قال: كان «رفاعةُ بن زيد» و «سُوَيْد بن الحارث» قد أظهرا الإِسلام ثم نافقا، وكان رجال من المسلمين يوادونهما فأنزل الله ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الذين اتخذوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً...﴾ الآية.
ب - عن ابن عباس قال: جاء نفرٌ من اليهود إِلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فسألوه عمن يؤمن به من الرسل عليهم السلام، فقال: أومن بالله وما أُنزل إِلينا وما أُنزل إِلى إِبراهيم وإِسماعيل إِلى قوله «ونحن له مسلمون» فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته وقالوا: والله ما نعلم أهل دينٍ أقلَّ حظاً في الدنيا والآخرة منكم، ولا ديناً شراً من دينكم فأنزل الله ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذلك مَثُوبَةً عِندَ الله﴾ الآية.
التفِسير: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى أَوْلِيَآءَ﴾ نهى تعالى المؤمنين عن موالاة اليهود والنصارى ينصرونهم ويستنصرون بهم ويصافونهم ويعاشرونهم معاشرة المؤمنين ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ أي هم يدٌ واحدة على المسلمين لاتحادهم في الكفر والضلال، وملةُ الكفر واحدة ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ أي من جملتهم وحكمهُ حكمهمُ قال الزمخشري: وهذا تغليظٌ من الله وتشديدٌ في مجانبة المخالف في الدين واعتزاله كما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «لا تراءى نارهما» ﴿إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾ أي لا يهديهم إِلى الإِيمان ﴿فَتَرَى الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ أي شك ونفاق كعبد الله بن أُبيّ وأصحابه يسارعون في مُوالاتهم ومُعاونتهم ﴿يَقُولُونَ نخشى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ﴾ أي يقولون معتذرين عن موالاة الكافرين نخاف حوادث الدهر وشروره أن يظفر اليهود بالمسلمين فلا يتم الأمر لمحمد قال تعالى رداً على مزاعمهم الفاسدة {
— 322 —
فَعَسَى الله أَن يَأْتِيَ بالفتح} يعني فتح مكة وهذه بشارة للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والمؤمنين بوعده تعالى بالفتح والنصرة ﴿أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ﴾ أي يُهلكهم بأمرٍ من عنده لا يكون فيه تسبّبٌ لمخلوق كإِلقاء الرعب في قلوبهم كما فعل ببني النضير ﴿فَيُصْبِحُواْ على مَآ أَسَرُّواْ في أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ أي يصير المنافقون نادمين على ما كان منهم من موالاة أعداء الله من اليهود والنصارى ﴿وَيَقُولُ الذين آمَنُواْ﴾ أي يقول المؤمنون تعجباً من حال المنافقين إِذا هتك الله سترهم ﴿أهؤلاء الذين أَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾ أي حلفوا لكم يا معشر اليهود بأغلظ الإِيمان إِنهم لمعكم بالنصرة والمعونة كما حكى تعالى عنهم
﴿قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ﴾ [الحشر: ١١] ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ﴾ أي بطلت أعمالهم بنفاقهم فصاروا خاسرين في الدنيا والآخرة ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ﴾ خطابٌ على وجه التحذير والوعيد والمعنى: يا معشر المؤمنين من يرجع منكم عن دينه الحق ويبدّله بدينٍ آخر ويرجع عن الإِيمان إِلى الكفر ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ أي فسوف يأتي الله مكانهم بأناسٍ مؤمنين يحبّهم الله ويحبّون الله ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين﴾ أي رحماء متواضعين للمؤمنين أشداء متعززين على الكافرين قال ابن كثير: وهذه صفاتُ المؤمنين الكُمَّل أن يكون أحدهم متواضعاً لأخيه متعززاً على عدوه كقوله تعالى ﴿أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار رُحَمَآءُ﴾ [الفتح: ٢٩] ومن علامة حب الله تعالى للمؤمن أن يكون ليّن الجانب متواضعاً لإِخوانه المؤمنين متسربلاً بالعزّة حيال الكافرين والمنافقين ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائم﴾ أي يجاهدون لإِعلاء كلمة الله ولا يبالون بمن لامهم فهم صلاب في دين الله لا يخافون في ذات الله أحداً ﴿ذلك فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾ أي من اتصف بهذه الأوصاف الحميدة فإِنما هو من فضل الله عليه وتوفيقه له ﴿والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أي واسع الإِفضال والإِحسان عليهمٌ بمن يستحق ذلك، ثمّ لما نهاهم تعالى عن موالاة الكفرة ذكر هنا من هم حقيقون بالموالاة فقال ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين آمَنُواْ﴾ أي ليس اليهود والنصارى بأوليائكم إِنما أولياؤكم الله ورسوله والمؤمنون ﴿الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكاة وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ أي المؤمنون المتصفون بهذه الأوصاف الجليلة من إِقام الصلاة وإِيتاء الزكاة وهم خاشعون متواضعون لله عَزَّ وَجَلَّ قال في التسهيل: ذكر تعالى الوليَّ بلفظ المفرد إِفراداً لله تعالى بهما، ثم عطف على اسمه تعالى الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والمؤمنين على سبيل التّبع، ولو قال «إِنما أولياؤكم» لم يكن في الكلام أصلٌ وتبع ﴿وَمَن يَتَوَلَّ الله وَرَسُولَهُ والذين آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الغالبون﴾
— 323 —
أي من يتولّ الله ورسوله والمؤمنين فإِنه من حزب الله وهم الغالبون القاهرون لأعدائهم ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الذين اتخذوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً﴾ أي لا تتخذوا أعداء الدين الذين يسخرون من دينكم ويهزءون ﴿مِّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ والكفار أَوْلِيَآءَ﴾ أي من هؤلاء المستهزئين اليهود والنصارى وسائر الكفرة أولياء لكم تودّونهم وتحبونهم وهم أعداء لكم، فنم اتخذ دينكم سخرية لا يصح لكم أن تصادقوه أو توالوه بل يجب أن تبغضوه وتعادوه ﴿واتقوا الله إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ أي اتقوا الله في موالاة الكفار والفجار إِن كنتم مؤمنين حقاً، ثمَّ بيَن تعالى جانباً من استهزائهم فقال ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصلاة اتخذوها هُزُواً وَلَعِباً﴾ أي وإِذا أذنتم إِلى الصلاة ودعوتم إِليها سخروا منكم ومن صلاتكم قال في البحر: حسد اليهود الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حين سمعوا الأذان وقالوا: ابتدعت شيئاً لم يكن للأنبياء فمن أين لك الصياح كصياح العير فما أقبحه من صوت فأنزل الله هذه الآية نبّه تعالى على أنَّ من استهزأ بالصلاة ينبغي أن لا يُتّخذ ولياً بل يُهجر ويطرد، وهذه الآية جاءت بالتوكيد للآية قبلها ﴿ذلك بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ﴾ أي ذلك الفعل منهم بسبب أنهم فجرة لا يعقلون حكمة الصلاة ولا يدركون غايتها في تطهير النفوس، ونفى العقل عنهم لكونهم لم ينتفعوا به في أمر الدين وإِن كان لهم عقول يدركون بها مصالح الدنيا ﴿قُلْ ياأهل الكتاب هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ﴾ أي قل يا محمد: يا معشر اليهود والنصارى هل تعيبون علينا وتنكرون منا ﴿إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بالله وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ﴾ أي إِلا إِيماننا بالله وبما جاء به رسل الله قال ابن كثير: أي هل لكم علينا مطعنٌ أو عيبٌ إِلا هذا؟ وهذا ليس بعيبٍ ولا مذمة فيكون الاستثناء منقطعاً ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي خارجون عن الطريق المستقيم ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذلك﴾ أي هل أخبركم بما هو شرٍّ من هذا الذي تعيبونه علينا؟ ﴿مَثُوبَةً عِندَ الله﴾ أي ثواباً وجزاءً ثابتاً عند الله قال في التسهيل: ووضع الثوابَ موضع العقاب تهكماً بهم نحو قوله
﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] ﴿مَن لَّعَنَهُ الله﴾ أي طرده من رحمته ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ أي سخط عليه بكفره وانهماكه في المعاصي بعد وضوح الآيات ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ القردة والخنازير﴾ أي ومسخ بعضَهم قردةً وخنازير ﴿وَعَبَدَ الطاغوت﴾ أي وجعل منهم من عَبَد الشيطان بطاعته ﴿أولئك شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ السبيل﴾ أي هؤلاء الملعونون الموصوفون بتلك القبائح والفضائح شرٌّ مكاناً في الآخرة وأكثر ضلالاً عن الطريق المستقيم قال ابن كثير والمعنى: يا أهل الكتاب الطاعنين في ديننا الذي هو توحيد الله وإِفراده بالعبادة دون ما سواه كيف يصدر منكم هذا وأنتم قد وجد منكم جمع ما ذكر؟ قال القرطبي: ولما نزلت هذه الآية قال المسلمون لهم: يا إِخوة القردة والخنازير فنكّسوا رءوسهم افتضاحاً وفيهم يقول الشاعر:
فلعنة الله على اليهودإِن اليهود إِخوةُ القرود
— 324 —
﴿وَإِذَا جَآءُوكُمْ قالوا آمَنَّا﴾ الضمير يعود إِلى المنافقين من اليهود أي إِذا جاءوكم أظهروا الإِسلام ﴿وَقَدْ دَّخَلُواْ بالكفر وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ﴾ أي والحال قد دخلوا إِليك كفاراً وخرجوا كفاراً لم ينتفعوا بما سمعوا منك يا محمد من العلم، ولا نجعت فيهم المواعظ والزواجر ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُونَ﴾ أي من كفرهم ونفاقهم وفيه وعيد شديدٌ لهم ﴿وترى كَثِيراً مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإثم والعدوان﴾ أي وترى كثيراً من اليهود يسابقون في المعاصي والظلم ﴿وَأَكْلِهِمُ السحت﴾ أي أكلهم الحرام ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي بئس أعمالهم القبيحة تلك الأخلاق الشنيعة ﴿لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الربانيون والأحبار﴾ أي هلاّ يزجرهم علماؤهم وأحبارهم ﴿عَن قَوْلِهِمُ الإثم وَأَكْلِهِمُ السحت﴾ أي عن المعاصي والآثام وأكل الحرام ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ أي بئس صنيعهم ذلك تركهم النهي عن ارتكاب محارم الله قال ابن عباس: ما في القرآن آية أشد توبيخاً من هذه الآية - يعني على العلماء - وقال أبو حيان: تضمنت هذه الآية توبيخ العلماء والعبَّاد على سكوتهم عن النهي عن معاصي الله وأنشد ابن المبارك:
وهلْ أفسَد الدِّينَ إِلا الملوكُ وأحبارُ سَوْءٍ ورهبانها
﴿وَقَالَتِ اليهود يَدُ الله مَغْلُولَةٌ﴾ أي قال اليهود اللعناء إِن الله بخيلٌ يقتّر الرزق على العباد قال ابن عباس: مغلولة أي بخيلة أمسك ما عنده بخلاً ليس يعنون أن يد الله موثقة ولكنهم يقولون إِنه بخيل ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ دعاءٌ عليهم بالبخل المذموم والفقر والنكد ﴿وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ﴾ أي أبعدهم الله من رحمته بسبب تلك المقالة الشنيعة ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ﴾ أي بل هو جواد كريم سابغٍ الإِنعام يرزق ويعطي كما يشاء قال أبو السعود: وتضييق الرزق ليس لقصورٍ في فيضه بل لأن إِنفاقه تابع لمشيئته المبنيّة على الحِكَم وقد اقتضت الحكمة بسبب ما فيهم من شؤم المعاصي أن يضيّق عليهم ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً﴾ أي وليزيدنَّهم هذا القرآن الذي أُنزل عليك يا محمد كفراً فوق كفرهم وطغياناً فوق طغيانهم إِذ كلّما نزلت آية كفروا بها فيزداد طغيانهم وكفرهم كما أن الطعام للأصحاء يزيد المرضى مرضاً قال الطبري: أعلم تعالى نبيّه أنهم أهل عتو وتمرّد على ربهم وأنهم لا يذعنون الحقٍّ وإِن علموا صحته ولكنهم يعاندونه يسلِّي بذلك نبيَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في ذهابهم عن الله وتكذيبهم إِيّاه ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ العداوة والبغضآء إلى يَوْمِ القيامة﴾ أي ألقينا بين اليهود العداوة والبغضاء فكلمتهم مختلفة وقلوبهم شتّى لا يزالون متباغضين متعادين إِلى قيام الساعة ﴿كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله﴾ أي كلما أرادوا إِشعال حربٍ على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أطفأها الله ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأرض فَسَاداً﴾ أي يجتهدون في الكيد للإِسلام وأهله ويسعون لإِثارة الفتن بين المسلمين قال ابن كثير: أي من سجيتهم أنهم دائماً يسعون في الإِفساد في الأرض ﴿والله لاَ يُحِبُّ المفسدين﴾ أي لا يحب من كانت هذه صفته ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الكتاب آمَنُواْ واتقوا﴾ أي لو أن
— 325 —
اليهود والنصارى آمنوا بالله وبرسوله حق الإِيمان واتقوا محارم الله فاجتنبوها ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ أي محونا عنهم ذنوبهم التي اقترفوها ﴿وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النعيم﴾ أي ولأدخلناهم مع ذلك في جنان النعيم ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التوراة والإنجيل وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ﴾ أي ولو أنهم استقاموا على أمر الله وعملوا بما في التوراة والإِنجيل وبما أُنزل إِليهم في هذا الكتاب الجليل الذي نزل على خاتم الرسل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ﴿لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم﴾ أي لوسّع الله عليهم الأرزاق وأغدق عليهم الخيرات بإِفاضة بركات السماء والأرض عليهم ﴿مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ﴾ أي منهم جماعة معتدلة مستقيمة غير غالية ولا مقصّرة، وهم الذين آمنوا بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كعبد الله بن سلام والنجاشي وسلمان ﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ أي وكثير منهم أشرار بئس ما يعملون من قبيح الأقوال وسوء الفعال.
البَلاَغَة: ١ - ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين﴾ بين لفظ «أعزّة» و «أذلة» طباقٌ وهو من المحسنات البديعية وكذلك بين لفظ ﴿مِن فَوْقِهِمْ.... وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم﴾.
٢ - ﴿لَوْمَةَ لائم﴾ في تنكير لومة ولائم مبالغةٌ لا تخفى لأن اللّومة المرّة من اللوم.
٣ - ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ هذا على سبيل التهييج.
٤ - ﴿هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا﴾ يسمى مثل هذا عند علماء البيان تأكيد المدح بما يشبه الذم وبالعكس فقد جعلوا التمسك بالإِيمان موجباً للإِنكار والنقمة مع أن الأمر بالعكس.
٥ - ﴿مَثُوبَةً عِندَ الله مَن لَّعَنَهُ الله﴾ هذا من باب التهكم حيث استعملت المثوبة في العقوبة.
٦ - ﴿شَرٌّ مَّكَاناً﴾ نسب الشرُّ للمكان وهو في الحقيقة لأهله وذلك مبالغة في الذم.
٧ - ﴿يَدُ الله مَغْلُولَةٌ﴾ غلُّ اليد كناية عن البخل وبسيطها كناية عن الجود.
٨ - ﴿أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ﴾ إيقاد النار في الحرب استعارة لأن الحرب لا نار لها وإِنما شبهت بالنار لأنها تأكل أهلها كما تأكل النار حطبها.
٩ - ﴿لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم﴾ استعارة أيضاً عن سبوغ النعم وتوسعة الرزق عليهم كما يقال: عمَّه الرزق من فوقه إِلى قدمه.
الفوَائِد: الأولى: روي أعمر بلغه أن كاتباً نصرانياً قد استعمله أبو موسى الأشعري فكتب إِلى أبي موسى: لا تكرموهم إِذْ أهانهم الله، ولا تأمنوهم إِذْ خوّنهم الله، ولا تُدنوهم إِذْ أقصاهم الله فقال له أبو موسى: لا قوام للبصرة إِلا به فقال عمر: مات النصراني فماذا تفعل.
الثانية: قُتِل مسليمةُ الكذاب في عهد أبي بكر يد «وحشي» قاتل حمزة وكأن يقول: قتلتُ خير الناس في الجاهلية - يريد حمزة - وشرَّ الناس في الإِسلام - يريد مسليمة الكذاب.
الثالثة: قال المفسرون: «عسى» من الله واجب لأن الكريم إِذا أطمع في خيرٍ فله فهو بمنزلة
— 326 —
الوعد لتعلق النفس به.
الرابعة: قال البيضاوي في قوله تعالى ﴿لَوْلاَ﴾ فيها تحضيضٌ لعلمائهم للنهي عن ذلك فإِنَّ ﴿لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الربانيون﴾ إذا دخل على الماضي أفاد التوبيخ وإِذا دخل على المستقبل أفاد التحضيض.
— 327 —

صفوة التفاسير

محمد علي الصابوني

عرض الكتاب