السؤال

ما رأيكم بمن يقول: إن المعجزة ليست خارقة للعادة ، كما عرفها المعتزلة بدليل قول الله عز وجل (فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا )فاطر/ 43 ؟


الإجابة


الحمد لله
ما يذكره السائل من أن المعجزة ليست خارقة للعادة غير صحيح ، ويكذبه الشرع والحس والواقع، فإن معجزات الأنبياء جميعها خارقة للعادة ، وإلا فكيف نحكم على تصرفات نبي الله موسى مع عصاه التي تتحول إلى ثعبان عظيم تارة ، وينفلق بها البحر تارة أخرى ؛ هل هذا موافق للعادة ؟ وكيف نقول في نبي الله عيسى عليه السلام الذي يحيي الموتى بإذن ربه ثم يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله تعالى هل هذا موافق للعادة أم خارق لها ؟ وهل نبع الماء من بين أصابع النبي صلى الله عليه وسلم موافق للعادة ؟
ثم نأتي إلى الآية الكبرى وهي القرآن الكريم الذي هو آية الآيات ، الذي خرق العوائد كلها وتحدى الله تعالى الجن والإنس أن يأتوا بمثله بل بسورة منه ، قال تعالى : ( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) الإسراء/ 88 ، وقال تعالى : (أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ ، فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ) الطور/33، 34 ، وقال تعالى : ( وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) البقرة/ 23 ، وقال تعالى : ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)يونس/ 38 .
أبعد هذا كله يقال : إن القرآن لم يخرق العادة ؟! سبحانك هذا بهتان عظيم.
وينظر للفائدة : جواب السؤال رقم : (1059) ، ورقم : () .
وينبغي أن يعلم أن تعريف المعجزة بأنها أمر خارق للعادة ليس تعريفا خاصا بالمعتزلة ، بل عامة من تكلم في تعريف المعجزة -ممن وقفنا علي أقوالهم- فإنه ذكر ذلك .
فقد ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في " جامع الرسائل " (ص 263) ، وذكره محمد صديق خان في "قطف الثمر" ( ص 103) ، وذكره ابن أبي العز الحنفي في " شرح الطحاوية " (ص 207) ، وذكره القرطبي في كتابه "الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام" (ص 239) .
أما ما يذكره السائل عن ذلك القائل أن المعجزات لا تخرق العادات مستدلا بقوله تعالى : ( فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا )فاطر/ 43 ، فما أضله من استدلال ، وما أبعده عن الحق وعن مراد الله تعالى ، فهلا قرأ هذا المستدل السياق القرآني الكريم لينظر هل يساعده على مدعاه أم لا ؟
قال تعالى : ( وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ، أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا ) فاطر/ 43، 44 .
إن السياق في سباقه ولحاقه : ليدل دلالة قطعية على أن المراد بسنة الله تعالى هنا هي أخذ الظالمين المفسدين ، وأن المكر السيء لا يحيق إلا بأهله ، قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره (6 / 559): "وَقَوْلُهُ: ( فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا سُنَّةَ الأوَّلِينَ ) ، يَعْنِي: عُقُوبَةَ اللَّهِ لَهُمْ عَلَى تَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهُ ، وَمُخَالَفَتِهِمْ أَمْرَهُ ، ( فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا ) : أَيْ لَا تُغَيَّرُ وَلَا تُبَدَّلُ ، بل هي جارية كذلك في كل مكذب" انتهى.

وأما قوله تعالى في سورة الأحزاب : ( سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ) الأحزاب/ 62 : فلا يخرج المعنى فيها عما ذكرناه ، والسياق يشهد بذلك ، قال تعالى : ( لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا . مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا . سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا )الأحزاب/ 60 - 62 .
يقول ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره (6 / 483): "( سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ ) أَيْ: هَذِهِ سُنَّتُهُ فِي الْمُنَافِقِينَ ، إِذَا تَمَرَّدُوا عَلَى نِفَاقِهِمْ وَكُفْرِهِمْ ، وَلَمْ يَرْجِعُوا عَمَّا هُمْ فِيهِ : أَنَّ أَهْلَ الْإِيمَانِ يُسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ ، وَيَقْهَرُونَهُمْ ، ( وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا ) ، أَيْ: وَسُنَّةُ اللَّهِ فِي ذَلِكَ لَا تُبَدَّلُ وَلَا تُغَيَّرُ" انتهى.
والله أعلم.

آية ذات علاقة

﴿ اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ ۚ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ۚ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ۚ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا

سورة فاطر — الآية 43

فتاوى مشابهة

ذكر في تفسير قوله تعالى (على هدىً من ربهم) : أي على هدىً عظيم ؛ لأن التنكير للتعظيم . هل العبارة الأخيرة على إطلاقها ؟ أليس التعريف فيه زيادة مدح كونهم وصفوا بالمصدر ؟

محمد العزب

قول الله تعالى على لسان يوسف: (وقال للذي ظن انه ناج منها....) مانوع الظن هنا؟ وهل تفسير يوسف كان ظنا؟

عبد الله العواجي

ما تفسير قول الله جل جلاله عند ذكره سيدنا أيوب - عليه السلام - : « و وهبنا له أهله و مثلهم معهم ...» هل يُبعث الموتى قبل يوم القيامة ، مع العلم بأن أهله هلكوا جميعا إلا امرأته كما ثبت ؟ ج: لعل الصواب في ذلك أن الله أكرمه بأن رد عليه أهله بأعيانهم ف...

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

الآية 153من سورة النساء (يسألك أهل الكتاب..) وآية الأعراف (واختار موسى قومه سبعين...) هل هم نفسهم الذين سألوا موسى أن يروا الله جهرة، وجاء في تفسير آية النساء أنهم بعدما صعقوا عبدوا العجل، كيف نوفق بينهما؟

عبير بنت عبد الله النعيم

في قوله تعالى﴿ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم﴾. لم قال سبحانه: (قد) ولَم تكن مباشرة (يعلم ما أنتم عليه...)، وما المعنى؟

عبد الله العواجي

من المخاطب في قوله عز وجل ( وقرن في بيوتكن ) حيث اختلفت كتب التفسير في بيان المعنى؟

عبد الله العواجي

قال تعالى في سورة المائدة آية [١٣] : (يحرفون الكلم عن مواضعه) وقال تعالى في آية [٤١] : (يحرفون الكلم من بعد مواضعه). فما الفرق بين الآيتين وما الحكمة في اختلافهما؟

دلال بنت كويران بن هويمل السلمي

يتحدث القرآن عن سيدنا يونس انه "فظن ان لن نقدر عليه" ظن أن الله لن يضيق عليه رغم تعجله بترك من أرسل اليهم، فهل هذا يعتبر أنه كان يحسن الظن بالله في غير موضعه؟

عبد الله العواجي

جاء في المختصر في التفسير في قول الله تعالى: ( على الآرآئك ينظرون ) على الأسرة المزينة ينظرون إلى ما أعد الله لهم من النعيم الدائم. هل ثبت في هذه الآية رؤية الله؟

محمد الطاسان

ذكر الله في القرآن الكريم أنه خلق الأرض و قدر أقواتها و خلق السماوات في ستة أيام و ذلك في سورة فصلت من يوم الأحد إلى يوم الجمعة كما قرأت في التفسير المختصر، فهل خلق آدم كان في تلك المدة أم كان بعده؟

عبد الرحمن بن معاضة الشهري