السؤال

في قوله تعالى " ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء " ,, هل في الآية تكرار الضيق ؟ (لأن الحرج هو أشد الضيق) ، فإن كان هناك تكرار فما الحكمة منه ؟ وإن كان لا يوجد تكرار فما معنى "ضيقا حرجا"


الإجابة


الحمد لله
أولا :
يقول الله عز وجل : ( فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ) الأنعام/ 125.
" يقول تعالى - مبينا لعباده علامة سعادة العبد وهدايته، وعلامة شقاوته وضلاله -: إن من انشرح صدره للإسلام، أي: اتسع وانفسح، فاستنار بنور الإيمان، وحيي بضوء اليقين، فاطمأنت بذلك نفسه، وأحب الخير، وطوعت له نفسه فعله، متلذذا به غير مستثقل، فإن هذا علامة على أن الله قد هداه، ومَنَّ عليه بالتوفيق، وسلوك أقوم الطريق.
وأن علامة من يرد الله أن يضله، أن يجعل صدره ضيقا حرجا. أي: في غاية الضيق عن الإيمان والعلم واليقين، قد انغمس قلبه في الشبهات والشهوات، فلا يصل إليه خير، لا ينشرح قلبه لفعل الخير كأنه من ضيقه وشدته يكاد يصعد في السماء، أي: كأنه يكلف الصعود إلى السماء، الذي لا حيلة له فيه " .
"تفسير السعدي" (ص 272) .

ثانيا :
للعلماء في قوله تعالى : ( ضَيِّقًا حَرَجًا ) أقوال :
الأول : أنه من باب توالي الخاص بعد العام ، وليس من التكرار .
قال شهاب الدين الحلبي في "الدر المصون" (5/ 142):
" حَرَجاً وحَرِجاً - بفتح الراء وكسرها: هو المتزايد في الضيق ، فهو أخصُّ من الأول، فكلُّ حَرَج ضيق من غير عكسٍ " ، إلى أن قال :
" وقد ظهر لك ممَّا تَقَدَّم أنَّ قوله ( ضيقاً حَرَجاً ) ليس فيه تكرار " .
"الدر المصون" (5/ 145).
وقال ابن القيم رحمه الله :
" الحرج هو الشديد الضيق في قول أهل اللغة جميعهم "
"شفاء العليل" (ص 106).
وقَالَ الزّجا "الحرج في اللغة: أضيق الضيق ، فالمعنى عند أهل اللغة إنَّه ضيق جدًّا "
"معاني القرآن" (2/ 290) ، وانظر : "تفسير القرطبي" (7/ 82) ، "زاد المسير" (2/75) ، "تهذيب اللغة" (4/ 84).
الثاني : أن الحرج يطلق على عدة معان ، والضيق أحد لوازمه ومعانيه .
قال في "النهاية" (1/ 361):
" الحَرَجُ فِي الْأَصْلِ: الضِّيقُ، ويَقَع عَلَى الإثْم وَالْحَرَامِ "
وفِي مفرداتِ الرّاغِب :
" الحَرَجُ: اجتماعُ أَشْياءَ، ويلزَمُه الضِّيقُ، فاستُعْمِل فِيهِ، ثمَّ قيل: حَرِجَ، إِذا قَلِقَ وضاقَ صدرُه، ثمَّ استُعملَ فِي الشَّكّ لأَنّ النّفْس تَقلقُ مِنْهُ، وَلَا تَطْمَئنُّ " .
"تاج العروس" (5/ 474).
فهو فوق أنه ضيق الصدر : واقع في الإثم ، شاك ، قلق النفس ، غير مطمئن .
الثالث: أن الحرج في معنى الضيق ، ولكنه كرر للتأكيد ، كقول الشاعر :
وألفَى قولَها كَذِباً ومَيْنا
والكذب هو المين .
وقوله :
وهندٌ أتى مِنْ دونها النَّأْيُ والبُعْدُ
والنأي هو البعد .
قال مكي بن أبي طالب : " ومعنى حَرِج : كمعنى ضيق ، كرِّر لاختلاف لفظه للتأكيد " .
"الدر المصون" (5/ 145).
وقال ابن عاشور رحمه الله : " وإتْباع الضيِّق بالحرج : لتأكيد معنى الضيق ، لأنّ في الحرج من معنى شدّة الضّيق ما ليس في ضيق " انتهى، من "التحرير والتنوير" (9/445) .

وعلى ذلك : فإذا قلنا إن في الآية تكرارا ، فالمراد منه التأكيد .
وإن لم يكن فيها تكرار ، ففيها مزيد فائدة ، كما سبق ، وفي الجمع بينهما إشارة إلى ما يحصل له من الضيق ، والقلق ، والشك ، والريبة ، والوقوع في الإثم .

راجع للفائدة جواب السؤال رقم : (1224).
والله تعالى أعلم .

فتاوى مشابهة

ذكر في تفسير قوله تعالى (على هدىً من ربهم) : أي على هدىً عظيم ؛ لأن التنكير للتعظيم . هل العبارة الأخيرة على إطلاقها ؟ أليس التعريف فيه زيادة مدح كونهم وصفوا بالمصدر ؟

محمد العزب

قول الله تعالى على لسان يوسف: (وقال للذي ظن انه ناج منها....) ما نوع الظن هنا؟ وهل تفسير يوسف كان ظنا؟

عبد الله العواجي

ما تفسير قول الله جل جلاله عند ذكره سيدنا أيوب - عليه السلام - : « و وهبنا له أهله و مثلهم معهم ...» هل يُبعث الموتى قبل يوم القيامة ، مع العلم بأن أهله هلكوا جميعا إلا امرأته كما ثبت ؟ ج: لعل الصواب في ذلك أن الله أكرمه بأن رد عليه أهله بأعيانهم ف...

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

الآية 153من سورة النساء (يسألك أهل الكتاب..) وآية الأعراف (واختار موسى قومه سبعين...) هل هم نفسهم الذين سألوا موسى أن يروا الله جهرة، وجاء في تفسير آية النساء أنهم بعدما صعقوا عبدوا العجل، كيف نوفق بينهما؟

عبير بنت عبد الله النعيم

في قوله تعالى﴿ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم﴾. لم قال سبحانه: (قد) ولَم تكن مباشرة (يعلم ما أنتم عليه...)، وما المعنى؟

عبد الله العواجي

من المخاطب في قوله عز وجل ( وقرن في بيوتكن ) حيث اختلفت كتب التفسير في بيان المعنى؟

عبد الله العواجي

قال تعالى في سورة المائدة آية [١٣] : (يحرفون الكلم عن مواضعه) وقال تعالى في آية [٤١] : (يحرفون الكلم من بعد مواضعه). فما الفرق بين الآيتين وما الحكمة في اختلافهما؟

دلال بنت كويران بن هويمل السلمي

يتحدث القرآن عن سيدنا يونس انه "فظن ان لن نقدر عليه" ظن أن الله لن يضيق عليه رغم تعجله بترك من أرسل اليهم، فهل هذا يعتبر أنه كان يحسن الظن بالله في غير موضعه؟

عبد الله العواجي

جاء في المختصر في التفسير في قول الله تعالى: ( على الأرائك ينظرون ) على الأسرة المزينة ينظرون إلى ما أعد الله لهم من النعيم الدائم. هل ثبت في هذه الآية رؤية الله؟

محمد الطاسان

ذكر الله في القرآن الكريم أنه خلق الأرض و قدر أقواتها و خلق السماوات في ستة أيام و ذلك في سورة فصلت من يوم الأحد إلى يوم الجمعة كما قرأت في التفسير المختصر، فهل خلق آدم كان في تلك المدة أم كان بعده؟

عبد الرحمن بن معاضة الشهري