الفتاوى

من معاني كلمة ( الحكمة ) في القرآن الكريم أنها السنة النبوية
فسَّر العلماء السابقون معنى " الحكمة " بأنها سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فهل هنالك من دليل على هذا التفسير ، وكيف فسَّر الرسول صلى الله عليه وسلم الحكمة ، وهل هنالك حديث يدل على ذلك . فأنا أرى أنَّ الآيات الكريمة الآتية تدل على معاني مختلفة عن تلك التي جاء بها علماء التفسير : - ففي سورة " البقرة " – الآية : 231 : ( وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ ) حيث أخبروني أنَّ " الحكمة " هي نفسها " الكتاب " - الكتاب في هذا الآية هو القرآن- والدليل على ذلك هو كلمة ( بِهِ ) في آخر الآية ، التي جاءت بصيغة المفرد ، وعليه يكون معنى الكتاب القرآن ، ومعنى الحكمة : حكمة الله . - وفي سورة " المائدة " – الآية : 110 ( إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا . وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ ) لا يمكن أن يكون معنى " الحكمة " هنا بأنها سنة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أتى بعد عيسى عليه السلام . فما المقصود بالحكمة في هذه الآية . - وأيضاً في سورة " البقرة "- الآية : 129 : ( رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ . إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) لا يمكن أن يكون معنى " الحكمة " هنا بأنها سنة الرسول صلى الله عليه وسلم . - وفي سورة " البقرة " – الآية : 269: ( يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ) . فهل هذا يعني أن يمكن لأي أحد يختاره الله أن يعلم سنة الرسول صلى الله عليه وسلم . لو أراد الله قصد معنى سنة الرسول صلى الله عليه وسلم لاستخدم كلمات دالة ( محددة ) على قصده ، كما قال في سورة " الأحزاب "- الآية : 62 ( سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ) ، وكما في سورة " المرسلات "- الآية : 50 ( فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ) . وقد قال الله عز وجل في سورة " الزمّر "- الآية : 28 ( قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) فاستخدم هنا كلمة القرآن ، ولو أراد ذكر الحديث أو السنة لذكرهما صراحة ، فالله عز وجل يعرف مصطلح السنة والحديث ، فلماذا لا يلقي العلماء بالاً إلى المعاني التي قصدها الله عز وجل بلغة واضحة ، وليست مبهمة ، ويحرفون المعاني ؟

الإجابة


الحمد لله
مما يسرنا أن نجد المسلمين مهتمين ببيان معاني القرآن الكريم ، والبحث في ذلك ، لأننا لا يمكننا العمل بالقرآن الكريم على الوجه الذي يرضي الله سبحانه وتعالى إلا بعد أن نعرف معناه معرفة صحيحة .
فمما يشكر عليه السائل ويمدح عليه بحثه في معاني القرآن الكريم .
ولكن ينبغي لمن أشكل عليه شيء من معاني القرآن الكريم أو غيرها مما يتعلق بالعلوم الشرعية ، أو وجد شيئا مما قاله العلماء يخالف ما يظهر له من المعنى ينبغي أن يحسن الظن بالعلماء ، فإنهم بطبيعتهم البشرية ليسوا معصومين من الخطأ ، غير أنه لا يجوز اتهامهم بقصد تحريف معاني كلام الله ، فقد يكونون مخطئين فعلا ، ولكن عن غير قصد ، بل عن اجتهاد فيكون لهم أجر ، كما أخبر بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم فيمن اجتهد وأخطأ أن له أجرا ، ومن أصاب فله أجران .
وقد يكون العالم مصيبا ولكن القارئ لكلامه هو الذي لم يفهمه على وجهه الصحيح ، كما وقع للسائل في هذا السؤال .
ثانيا :
أما ما سأل عنه السائل ، فقد جاءت كلمة ( الحكمة ) في آيات كثيرة من القرآن الكريم ويراد بها سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومن هذه الآيات بعض الآيات التي أوردها السائل في سؤاله .
فمن ذلك : قول الله تعالى : ( وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) البقرة /231.
وقوله تعالى : ( وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ) النساء/113.
فهذه الآيات تدل على أن الله تعالى أنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم شيئين ، وهما الكتاب والحكمة ، فالكتاب هو القرآن الكريم ، والحكمة ، لم يبق لها معنى إلا أن تكون سنة الرسول صلى الله عليه وسلم . وقد أكد الرسول صلى الله عليه وسلم هذا المعنى فقال : ( أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ ) رواه أبو داود (4604) .
قال ابن بطال في شرح صحيح البخاري :
" ( أوتيت الكتاب ومثله معه ) قال أهل العلم : أراد بذلك السنة التي أوتي" . انتهى من شرح ابن بطال (19/473) بترقيم الشاملة .
وقال أيضا (19/473) :
" كان جبريل ينزل عليه بالسنن كما يأتيه بالقرآن، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : ( أوتيت الكتاب ومثله معه ) يعنى : من السنن" انتهى .
وقال ابن قتيبة في "تأويل مختلف الحديث" (1/58) بترقيم الشاملة :
" قوله رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أوتيت الكتاب ومثله معه ) يريد : أنه أوتي الكتاب ومثل الكتاب من السنة " انتهى .
وبهذا يتبين أن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وحي منزل من الله تعالى ، وهي الحكمة التي أنزلها الله على رسوله صلى الله عليه وسلم .
وأما الضمير في قوله ( يعظكم به ) فإنه عائد على ( ما ) في قوله تعالى : ( وما أنزل عليكم ) وليس عائدا على الكتاب ولا الحكمة على سبيل الانفراد .
ومن هذه الآيات أيضا :
قول الله تعالى : ( كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ) البقرة/151، وقوله سبحانه : ( كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ) البقرة/151، وقوله عز وجل: ( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ) آل عمران/164.
وقوله تعالى : ( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ) الجمعة/2.
فما الذي عَلَّمه النبي محمد صلى الله عليه وسلم للناس الذين بعث فيهم ولأمته ؟
أليس هو القرآن الكريم ، والسنة النبوية ؟
وتأمل قوله سبحانه مخاطبا أمهات المؤمنين : ( وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا ) الأحزاب/34، وما الذي كان يتلى ويذكر في بيوت النبي صلى الله عليه وسلم ؟ أليس هو القرآن والسنة ؟
إذن فالكتاب هو القرآن ، والحكمة هي السنة .
وقد ذكر الإمام الشافعي رحمه الله هذه الآيات ونحوها ثم قال :
" ذكر الله الكتاب ، وهو القُرَآن ، وذكر الحِكْمَة ، فسمعتُ مَنْ أرْضى من أهل العلم بالقُرَآن يقول : الحكمة سنة رسول الله ؛ لأن القُرَآن ذُكر وأُتْبِعَتْه الحكمة ، وذكرَ الله منَّه على خَلْقه بتعليمهم الكتاب والحكمة ، فلم يَجُزْ - والله أعلم - أن يقال الحكمة هاهنا إلا سنةُ رسول الله . وذلك أنها مقرونة مع كتاب الله ، وأن الله افترض طاعة رسوله ، وحتَّم على الناس اتباع أمره ، فلا يجوز أن يقال لقول : فرضٌ ، إلا لكتاب الله ، ثم سنة رسوله ". انتهى من " الرسالة " (1/78).
وقال العلامة ابن رجب رحمه الله :
" من قال الحكمة : السنة ، فقوله الحق ؛ لأن السنة تفسر القرآن ، وتبين معانيه ، وتحض على اتباعه " انتهى من " لطائف المعارف " (ص/84).
وأما قول السائل : لماذا استعمل اسم " الحكمة "، ولم يقل " السنة " ؟
فالجواب على هذا أنها أسماء مترادفة لشيء واحد ، فالسنة هي الحكمة ، وهي الطريقة ، وهي البيان ، وهي الهَدْي .. إلى آخر الأوصاف والأسماء التي أطلقت في الكتاب والسنة عليها ، فأي ضير في اختيار أحدها وإطلاقه في الآيات الكريمات .
وفي هذا الإطلاق ( الحكمة ) مدح للسنة وحث على التمسك بها ، فمن أراد الصواب في القول والعمل فعليه بهدي النبي صلى الله عليه وسلم وسنته .
ثالثا :
أما ما أورده السائل في الآيات التي لا يمكن تفسير الحكمة فيها بسنة النبي صلى الله عليه وسلم ، فلا ينفي ذلك أن الحكمة قد جاءت في آيات آخرى وأريد بها سنة النبي صلى الله عليه وسلم .
وذلك لأن كلمة ( الحكمة ) لها عدة معانٍ ، وليس معنى واحدا ، والذي يحدد معناها هو السياق الذي وردت فيه ، فليست كلمة ( الحكمة ) في جميع الآيات لها نفس المعنى .
قال الشيخ ابن باز رحمه الله :
" الحكمة كلمة مشتركة ، تطلق على معان كثيرة ، تطلق على النبوة ، وعلى العلم والفقه في الدين ، وعلى العقل ، وعلى الورع ، وعلى أشياء أخرى ، وهي في الأصل كما قال الشوكاني رحمه الله : الأمر الذي يمنع عن السفه ، هذه هي الحكمة . والمعنى : أن كل كلمة ، وكل مقالة تردعك عن السفه ، وتزجرك عن الباطل ، فهي حكمة . وهكذا كل مقال واضح صريح ، صحيح في نفسه ، فهو حكمة ، فالآيات القرآنية أولى بأن تسمى حكمة ، وهكذا السنة الصحيحة أولى بأن تسمى حكمة بعد كتاب الله ، وقد سماها الله حكمة في كتابه العظيم ، كما في قوله جل وعلا : ( وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) يعني السنة ، وكما في قوله سبحانه : ( يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ) الآية ، فالأدلة الواضحة تسمى حكمة ، والكلام الواضح المصيب للحق يسمى حكمة " انتهى من "مجموع فتاوى ابن باز" (1/336).
والخلاصة : أن ( الحكمة ) في آيات القرآن الكريم وردت وأريد بها سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، كما وردت في آيات أخرى ولها معان أخرى .
والله أعلم .

Icon