السؤال

هل يفهم من قوله تعالى : ( وخلقنا لهم من مثله ما يركبون ) أن الله هو الذي خلق لنا السفن ؟ بينما كنت أقرأ في القرآن الكريم مررت بالآية 42 من سورة يس : ( وخلقنا لهم من مثله ما يركبون ) ففهمت منها أن الله خلق لنا السفن ، وهذا أمر محير ؛ لأن الله لم يخلق السفن على وجه الحقيقة ، بل نحن من صنعها ، حتى سفينة نوح الشهيرة بناها نوح عليه السلام . فما معنى هذه الآية إذاً ؟ هل خلق الله السفن حقاً ؟


الإجابة


الحمد لله
اختلف المفسرون في المراد بقوله تعالى : ( وخلقنا لهم من مثله ) ، فقال بعضهم – وهو المشهور - : وخلقنا لهم من مثل سفينة نوح ، سفن ومراكب يركبون عليها في البحر ، وقال آخرون المراد بالآية : الإبل ، خلقها الله للركوب عليها في البر .

قال ابن الجوزي رحمه الله : " قوله تعالى : ( وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ) فيه قولان :
أحدهما : مِثْل سفينة نوح ، وهي السُّفُن ، روى هذا المعنى سعيد بن جبير عن ابن عباس ، وبه قال الضحاك ، وأبو مالك ، وأبو صالح .
والمراد بهذا : ذِكْر مِنَّته بأن خَلَق الخشب الذي تُعْمَل منه السُّفُن .
والثاني : أنها الإِبل ، خَلَقها لهم للرُّكوب في البَرِّ مثل السُّفُن المركوبة في البحر ، رواه العوفي عن ابن عباس ، وبه قال مجاهد ، وعكرمة ، وعن الحسن وقتادة : كالقولين " .
انتهى من " زاد المسير " (3/ 525) .

وعلى المعنى الأول ، أن المراد بذلك : السفن المعروفة ، تكون إضافة خلق السفن لله جل وعلا من باب : أن الله خالق كل صانع وصنعته ، فهو سبحانه كما خلق الإنسان ، فقد خلق صنع ذلك الإنسان وفعله ، كما قال تعالى : ( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) سورة الصافات /96 ، وروى البخاري في " خلق أفعال العباد " (ص/ 46) عن حذيفة رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الله يصنع كل صانع وصنعته ) ، وتلا بعضهم عند ذلك : ( والله خلقكم وما تعملون ) الصافات/ 96 ، فأخبر أن الصناعات وأهلها مخلوقة ؛ فهو سبحانه خالق العباد ، وخالق أعمالهم ، وخالق المادة ، وخالق الصورة ، سبحانه .
قال ابن القيم رحمه الله في تقرير ذلك ، وبيان أن آية خلق الفلك ، نظير الآية المذكورة ـ ( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) ـ :
" نظيره من الاستدلال سواء قوله : وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ .
والأصح : أن المِثْل المخلوق هنا هو السفن ، وقد أخبر أنها مخلوقة ، وهي إنما صارت سفنا بأعمال العباد .
وأبعد من قال : إن المثل هاهنا ، هو سفن البر ، وهي الإبل ؛ لوجهين :
أحدهما: أنها لا تسمى مِثلا للسفن ، لا لغة ولا حقيقة ؛ فإن المثلين ما سد أحدهما مسد الآخر ، وحقيقة المماثلة : أن تكون بين فلك وفلك ، لا بين جمل وفلك .
الثاني : أن قوله: وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ عقب ذلك : دليل على أن المراد الفلك التي إذا ركبوها قدرنا على إغراقهم ؛ فذكَّرهم بنعمه عليهم من وجهين : أحدهما: ركوبهم إياها ، والثاني: أن يسلمهم عند ركوبها من الغرق " انتهى من " بدائع الفوائد " (1/152) .
وذهب بعض أهل العلم : إلى أن الإضافة من باب أن الله هو الذي علم الإنسان صنع مثل تلك الأشياء ، فناسب أن تضاف له سبحانه وتعالى .

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : " خلق لهم من مثل هذه الفلك ما يركبون ، كما قال تعالى : ( وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) ، فالناس تعلموا كيف يصنعون السفن ، وصاروا يصنعون مثل هذه السفن ، ولعل قوله تعالى في سورة القمر : ( وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ) ، فيها الإشارة إلى مواد هذه السفينة أو الفلك ؛ لأجل أن يتعلم الناس ؛ لأنه لم يقل ( حملناه على فلك ) ، بل قال : ( عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ) كأنه يقول : إن هذه الفلك مصنوعة من الألواح والمسامير ، حتى يتعلم الناس مواد هذه الفلك ....... ، قال المؤلف – يعني : جلال الدين المحلي - رحمه الله : ( بتعليم الله تعالى ) إشارة إلى سؤال مقدر ، كأنه قال : كيف قال تعالى : ( وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ) ؟ وهذه السفن مصنوعة بأيدي البشر ، وليست بخلق الله كخلق البعير التي نركب والفرس وما شابهها ؟ فأجاب المؤلف : بأن الله تعالى أضاف خلقها إليه ؛ لأنها كانت بتعليمه سبحانه وتعالى " انتهى من " تفسير القرآن الكريم - سورة يس لابن عثيمين " (ص/155) .

والله أعلم .

آية ذات علاقة

﴿ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ

سورة يس — الآية 42

فتاوى مشابهة

ذكر في تفسير قوله تعالى (على هدىً من ربهم) : أي على هدىً عظيم ؛ لأن التنكير للتعظيم . هل العبارة الأخيرة على إطلاقها ؟ أليس التعريف فيه زيادة مدح كونهم وصفوا بالمصدر ؟

محمد العزب

قول الله تعالى على لسان يوسف: (وقال للذي ظن انه ناج منها....) ما نوع الظن هنا؟ وهل تفسير يوسف كان ظنا؟

عبد الله العواجي

ما تفسير قول الله جل جلاله عند ذكره سيدنا أيوب - عليه السلام - : « و وهبنا له أهله و مثلهم معهم ...» هل يُبعث الموتى قبل يوم القيامة ، مع العلم بأن أهله هلكوا جميعا إلا امرأته كما ثبت ؟ ج: لعل الصواب في ذلك أن الله أكرمه بأن رد عليه أهله بأعيانهم ف...

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

الآية 153من سورة النساء (يسألك أهل الكتاب..) وآية الأعراف (واختار موسى قومه سبعين...) هل هم نفسهم الذين سألوا موسى أن يروا الله جهرة، وجاء في تفسير آية النساء أنهم بعدما صعقوا عبدوا العجل، كيف نوفق بينهما؟

عبير بنت عبد الله النعيم

في قوله تعالى﴿ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم﴾. لم قال سبحانه: (قد) ولَم تكن مباشرة (يعلم ما أنتم عليه...)، وما المعنى؟

عبد الله العواجي

من المخاطب في قوله عز وجل ( وقرن في بيوتكن ) حيث اختلفت كتب التفسير في بيان المعنى؟

عبد الله العواجي

قال تعالى في سورة المائدة آية [١٣] : (يحرفون الكلم عن مواضعه) وقال تعالى في آية [٤١] : (يحرفون الكلم من بعد مواضعه). فما الفرق بين الآيتين وما الحكمة في اختلافهما؟

دلال بنت كويران بن هويمل السلمي

يتحدث القرآن عن سيدنا يونس انه "فظن ان لن نقدر عليه" ظن أن الله لن يضيق عليه رغم تعجله بترك من أرسل اليهم، فهل هذا يعتبر أنه كان يحسن الظن بالله في غير موضعه؟

عبد الله العواجي

جاء في المختصر في التفسير في قول الله تعالى: ( على الأرائك ينظرون ) على الأسرة المزينة ينظرون إلى ما أعد الله لهم من النعيم الدائم. هل ثبت في هذه الآية رؤية الله؟

محمد الطاسان

ذكر الله في القرآن الكريم أنه خلق الأرض و قدر أقواتها و خلق السماوات في ستة أيام و ذلك في سورة فصلت من يوم الأحد إلى يوم الجمعة كما قرأت في التفسير المختصر، فهل خلق آدم كان في تلك المدة أم كان بعده؟

عبد الرحمن بن معاضة الشهري