السؤال

ما معنى قوله تعالى : ( تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير * الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور ) ؟


الإجابة


الحمد لله
يقول الله تعالى في أول سورة " الملك " : ( تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ) الملك/ 1، 2 .
يقدس الرب تعالى نفسه ، ويعظمها ، وينزهها عن العيوب والنقائص ، فيقول جل وعلا : ( تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ) أي : تعاظم وتعالى ، وتقدّس وتنزه ، وكثر خيره ، وعم إحسانه ، الذي بيده ملك العالم العلوي والسفلي ، فهو الذي خلقه ، ويتصرف فيه بما شاء ، من الأحكام القدرية، والأحكام الدينية ، التابعة لحكمته .
قال في "لسان العرب" (10/ 396)
" تباركَ اللَّهُ : تقدَّس وَتَنَزَّهَ وَتَعَالَى وَتَعَاظَمَ ، لَا تَكُونُ هَذِهِ الصِّفَةُ لِغَيْرِهِ ، أَيْ تطَهَّرَ ، والقُدْس: الطُّهْرُ. وَسُئِلَ أَبُو الْعَبَّاسِ عَنْ تَفْسِيرِ تبارَكَ اللهُ فَقَالَ : ارْتَفَعَ ، والمُتبارِكُ: الْمُرْتَفِعُ ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ : تبارَكَ تفاعَلَ مِنَ البَرَكة ، كَذَلِكَ يَقُولُ أَهْلُ اللُّغَةِ ، وَمَعْنَى البَرَكة الْكَثْرَةُ فِي كُلِّ خَيْرٍ " .
( وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) ومن عظمته : كمال قدرته التي يقدر بها على كل شيء ، وبها أوجد ما أوجد من المخلوقات العظيمة ، كالسماوات والأرض .
" تفسير الطبري " (23/ 505) .
فلا يمنعه من فعله مانع ، ولا يحول بينه وبينه عجز .
( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ ) أي : قدّر لعباده أن يحييهم ثم يميتهم .
فأمات من شاء وما شاء ، وأحيا من أراد وما أراد إلى أجل معلوم .
( لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا ) أي : ليختبركم فينظر أيكم له أيها الناس أطوع ، وإلى طلب رضاه أسرع .
قال ابن كثير رحمه الله :
" ( لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) : أَيْ : خَيْرٌ عَمَلًا ، كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ ، وَلَمْ يَقُلْ أكثر عملا " انتهى من "تفسير ابن كثير" (8/ 197) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
" ( لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) ، قَالَ الْفُضَيْل بْنُ عِيَاضٍ : أَخْلَصُهُ وَأَصْوَبُهُ ، قَالُوا : يَا أَبَا عَلِيٍّ مَا أَخْلَصُهُ وَأَصْوَبُهُ ؟ قَالَ : إنَّ الْعَمَلَ إذَا كَانَ خَالِصًا ، وَلَمْ يَكُنْ صَوَابًا ، لَمْ يُقْبَلْ ، وَإِذَا كَانَ صَوَابًا وَلَمْ يَكُنْ خَالِصًا لَمْ يُقْبَلْ ، حَتَّى يَكُونَ خَالِصًا صَوَابًا.
وَالْخَالِصُ : أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ ، وَالصَّوَابُ : أَنْ يَكُونَ عَلَى السُّنَّةِ، وَذَلِكَ تَحْقِيقُ قَوْله تَعَالَى (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ) " انتهى من "مجموع الفتاوى" (1/ 333) .
وقال ابن القيم رحمه الله :
" فهو سبحانه وتعالى إنما خلق السموات والأرض ، والموت والحياة وزين الأرض بما
عليها : ليبلو عباده أيهم أحسن عملا ، لا أَكْثَرُ عَمَلا.
وَالْعَمَلُ الأَحْسَنُ هُوَ الأَخْلَصُ وَالأَصْوَبُ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَرْضَاتِهِ وَمَحَبَّتِهِ ، دُونَ الأَكْثَرِ الْخَالِي مِنْ ذَلِكَ ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُحِبُّ أَنْ يُتَعَبَّدَ لَهُ بالأرضي لَهُ ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلا ، دُونَ الأَكْثَرِ الَّذِي لا يُرْضِيهِ ، وَالأَكْثَرُ الَّذِي غَيْرُهُ أَرْضَى لَهُ مِنْهُ ؛ وَلِهَذَا يَكُونُ الْعَمَلانِ فِي الصُّورَةِ وَاحِدًا وَبَيْنَهُمَا فِي الْفَضْلِ ، بَلْ بَيْنَ قَلِيل أَحَدهمَا وَكَثِير الآخَرِ فِي الْفَضْلِ : أَعْظَمُ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ " .
انتهى من " المنار المنيف " ( ص 30-31 ) .
وقال السعدي رحمه الله :
" أي : أخلصه وأصوبه ، فإن الله خلق عباده ، وأخرجهم لهذه الدار ، وأخبرهم أنهم سينقلون منها ، وأمرهم ونهاهم ، وابتلاهم بالشهوات المعارضة لأمره ، فمن انقاد لأمر الله وأحسن العمل، أحسن الله له الجزاء في الدارين ، ومن مال مع شهوات النفس، ونبذ أمر الله ، فله شر الجزاء " انتهى من " تفسير السعدي " ( ص 875 ) .
فالواجب أن يكون عملنا خالصا لله تعالى بلا رياء ولا سمعة ، وأن يكون على السنة بلا إحداث وبدعة ، وهذان شرطا العمل المتقبل ، فإن الله خلق الموت والحياة ليبتلي الناس أيهم أخلص لله وأتبع لرسوله صلى الله عليه وسلم .
( وَهُوَ الْعَزِيزُ ) الذي له العزة كلها، التي قهر بها جميع الأشياء ، وانقادت له المخلوقات .
قال ابن الأثير رحمه الله :
" الْعَزِيزُ: هُوَ الغالِبُ القَويُّ الَّذِي لَا يُغْلَب ، والعِزَّة فِي الأصلِ: القُوَّة والشِّدَّة والغَلَبة " .
انتهى من " النهاية " (3/ 228) .
( الْغَفُورُ ) عن المسيئين والمقصرين والمذنبين ، خصوصًا إذا تابوا وأنابوا ، فإنه يغفر ذنوبهم ، ولو بلغت عنان السماء ، ويستر عيوبهم ، ولو كانت ملء الدنيا .
قال في "النهاية" (3/ 373) :
" الْغَفَّارُ والْغَفُورُ : مِنْ أبنِية الْمُبَالَغَةِ ، وَمَعْنَاهُمَا السَّاتِرُ لِذُنُوبِ عِبَادِهِ وَعُيُوبِهِمْ ، المُتَجاوِز عَن خَطَاياهُم وَذُنُوبِهِمْ ، وَأَصْلُ الغَفْر: التَّغْطِية " انتهى .
فهو سبحانه عزيز غالب ، ينتقم ممن عصاه وشرد عليه ، وهو الغفور الرحيم ، يغفر لمن شاء من عباده المسيئين المقصرين ويرحمهم .
كما قال تعالى عن نفسه في آية أخرى : ( غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ) غافر/ 3 .
وانظر :
"زاد المسير" (4/ 313-314) ، "تفسير القرطبي" (18/206-208) ، " فتح القدير" (5/ 308) .
وراجع لمعرفة فضل تلاوة سورة تبارك وملازمتها جواب السؤال رقم : (1397) .
والله تعالى أعلم .

آية ذات علاقة

﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

سورة الملك — الآية 1

فتاوى مشابهة

ذكر في تفسير قوله تعالى (على هدىً من ربهم) : أي على هدىً عظيم ؛ لأن التنكير للتعظيم . هل العبارة الأخيرة على إطلاقها ؟ أليس التعريف فيه زيادة مدح كونهم وصفوا بالمصدر ؟

محمد العزب

قول الله تعالى على لسان يوسف: (وقال للذي ظن انه ناج منها....) ما نوع الظن هنا؟ وهل تفسير يوسف كان ظنا؟

عبد الله العواجي

ما تفسير قول الله جل جلاله عند ذكره سيدنا أيوب - عليه السلام - : « و وهبنا له أهله و مثلهم معهم ...» هل يُبعث الموتى قبل يوم القيامة ، مع العلم بأن أهله هلكوا جميعا إلا امرأته كما ثبت ؟ ج: لعل الصواب في ذلك أن الله أكرمه بأن رد عليه أهله بأعيانهم ف...

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

الآية 153من سورة النساء (يسألك أهل الكتاب..) وآية الأعراف (واختار موسى قومه سبعين...) هل هم نفسهم الذين سألوا موسى أن يروا الله جهرة، وجاء في تفسير آية النساء أنهم بعدما صعقوا عبدوا العجل، كيف نوفق بينهما؟

عبير بنت عبد الله النعيم

في قوله تعالى﴿ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم﴾. لم قال سبحانه: (قد) ولَم تكن مباشرة (يعلم ما أنتم عليه...)، وما المعنى؟

عبد الله العواجي

من المخاطب في قوله عز وجل ( وقرن في بيوتكن ) حيث اختلفت كتب التفسير في بيان المعنى؟

عبد الله العواجي

قال تعالى في سورة المائدة آية [١٣] : (يحرفون الكلم عن مواضعه) وقال تعالى في آية [٤١] : (يحرفون الكلم من بعد مواضعه). فما الفرق بين الآيتين وما الحكمة في اختلافهما؟

دلال بنت كويران بن هويمل السلمي

يتحدث القرآن عن سيدنا يونس انه "فظن ان لن نقدر عليه" ظن أن الله لن يضيق عليه رغم تعجله بترك من أرسل اليهم، فهل هذا يعتبر أنه كان يحسن الظن بالله في غير موضعه؟

عبد الله العواجي

جاء في المختصر في التفسير في قول الله تعالى: ( على الأرائك ينظرون ) على الأسرة المزينة ينظرون إلى ما أعد الله لهم من النعيم الدائم. هل ثبت في هذه الآية رؤية الله؟

محمد الطاسان

ذكر الله في القرآن الكريم أنه خلق الأرض و قدر أقواتها و خلق السماوات في ستة أيام و ذلك في سورة فصلت من يوم الأحد إلى يوم الجمعة كما قرأت في التفسير المختصر، فهل خلق آدم كان في تلك المدة أم كان بعده؟

عبد الرحمن بن معاضة الشهري