السؤال

قرأت في أحد تفاسير القرآن أنه لا ينبغي الإكثار من توجيه الأسئلة للنبي صلى الله عليه وسلم "يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تُبد لكم تسؤكم ". فهل معنى هذا أننا إذا أردنا أن نسأل عن شيء شرعي، غير متعلق بالشرك طبعاً، فإن الأولى عدم السؤال ؟ والى أي مدىً ينبغي الابتعاد عن السؤال عن الأشياء المتعلقة بحياتنا اليومية ، وما الضابط في ذلك ؟ لأن الأمر إذا كان هكذا على إطلاقه فلا شك أن هناك أمورا كثيرة سيُتجاوز فيها..! فلقد نصحني بعض كبار السن بعدم التعمق في مسائل الدين ، وتعقيد الأمور حتى لا يُفضي بنا الحال إلى التشدد المذموم ، فما توجيهكم في هذا السياق ؟


الإجابة


الحمد لله
قال الله تعالى في سورة المائدة : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ )المائدة/ 101 .
وهذه الآية قد نهت المؤمنين عن سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن أشياء سكت الله عنها في كتابه ، وعفا عنها ؛ وربما أدى التنقير وتشقيق السؤال عنها إلى تحريمها ؛ فيشق ذلك عليهم , ونهتهم أيضا عن السؤال عن الأشياء التي هي خافية عليهم ولو بدت لهم ساءتهم ؛ كسؤالهم عن صحة نسبهم إلى آبائهم .
وقد وقع ، روى البخاري (540) ، ومسلم (2359) عن أنس بن مالك : " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ ، فَصَلَّى الظُّهْرَ ، فَقَامَ عَلَى المِنْبَرِ ، فَذَكَرَ السَّاعَةَ ، فَذَكَرَ أَنَّ فِيهَا أُمُورًا عِظَامًا، ثُمَّ قَالَ : ( مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ فَلْيَسْأَلْ ، فَلاَ تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرْتُكُمْ ، مَا دُمْتُ فِي مَقَامِي هَذَا ) فَأَكْثَرَ النَّاسُ فِي البُكَاءِ ، وَأَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ : ( سَلُونِي ) ، فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ ، فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ ، قَالَ: ( أَبُوكَ حُذَافَةُ ) ثُمَّ أَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ: ( سَلُونِي ) فَبَرَكَ عُمَرُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ ، فَقَالَ : رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، فَسَكَتَ ، ثُمَّ قَالَ: ( عُرِضَتْ عَلَيَّ الجَنَّةُ وَالنَّارُ آنِفًا فِي عُرْضِ هَذَا الحَائِطِ ، فَلَمْ أَرَ كَالخَيْرِ وَالشَّرِّ ) .
قال الإمام مسلم رحمه الله عقب إيراده هذا الحديث " قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ ، قَالَ: قَالَتْ أُمُّ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُذَافَةَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ حُذَافَةَ : مَا سَمِعْتُ بِابْنٍ قَطُّ أَعَقَّ مِنْكَ؟ أَأَمِنْتَ أَنْ تَكُونَ أُمُّكَ قَدْ قَارَفَتْ بَعْضَ مَا تُقَارِفُ نِسَاءُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ ، فَتَفْضَحَهَا عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ؟ قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُذَافَةَ : وَاللهِ لَوْ أَلْحَقَنِي بِعَبْدٍ أَسْوَدَ لَلَحِقْتُهُ " .
انتهى من " صحيح مسلم " (4 / 1832).

قال الشوكاني رحمه الله في تفسيره لآية المائدة " قوله : ( يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ) أي: لا تسألوا عن أشياء لا حاجة لكم بالسؤال عنها , ولا هي مما يعنيكم في أمر دينكم , فقوله: ( إن تبد لكم تسؤكم ) في محل جرٍّ صفة لأشياء , أي لا تسألوا عن أشياء متصفة بهذه الصفة ؛ من كونها إذا بدت لكم ؛ أي : ظهرت وكلفتم بها : ساءتكم ، نهاهم الله عن كثرة مساءلتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن السؤال عما لا يعني ولا تدعو إليه حاجة ، قد يكون سببا لإيجابه على السائل وعلى غيره , قوله: ( وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم ) هذه الجملة من جملة صفة أشياء ، والمعنى: لا تسألوا عن أشياء ، إن تسألوا عنها حين ينزل القرآن ، وذلك مع وجود رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهركم ونزول الوحي عليه : تبد لكم , أي : تظهر لكم ، بما يجيب عليكم به النبي صلى الله عليه وسلم ، أو ينزل به الوحي , فيكون ذلك سببا للتكاليف الشاقة , وإيجاب ما لم يكن واجبا ، وتحريم ما لم يكن محرما ، بخلاف السؤال عنها بعد انقطاع الوحي بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه لا إيجاب ولا تحريم يتسبب عن السؤال " انتهى من " فتح القدير " للشوكاني (2 / 92).

فعلم من هذا جملة من الأمور:
أولا :
أن النهي في الآية خاص بزمن النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو وقت نزول الوحي , دون ما بعده من الأزمنة ، فلا يكون هذا مانعا من طلب العلم الشرعي ، وتعلم الإنسان ما ينفعه ، أو يحتاج إليه في أمر معاشه ومعاده .
قال الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله - : " من المؤسف حقا أن بعض الناس يقول لا تسأل فتخبر عن شيء يكون فيه مشقة عليك ، ثم يتأولون الآية الكريمة على غير وجهها وهي قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) فإن النهي عن ذلك إنما كان وقت نزول الوحي الذي يمكن أن تتجدد الأحكام فيه أو تتغير ، أما بعد أن توفي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فالواجب أن يسأل الإنسان عن كل ما يحتاجه في أمور دينه " انتهى من " فتاوى نور على الدرب " لابن عثيمين (24 /223) .

ثانيا :
أن الأشياء التي نهوا عن السؤال عنها هي :
1- الأشياء التي لا يترتب عليها عمل وهي مما لا ينفع في أمر الدين .
2- الأشياء التي عنها الشرع ، وسكت عن ذكرها ، رحمة بالناس ، غير نسيان ؛ فربما أدى التنقير إلى تحريمها ، والإشقاق على الناس بها ؛ روى البخاري (6745) ومسلم (4349) عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا : مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، فَحُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ ).
3- الأشياء التي خفيت عن السائلين ، ولو بدت لهم ساءتهم ، كما مر معنا في حديث عبد الله بن حذافة .

ثالثا :
أن الأشياء التي يترتب عليها بيان حكم شرعي , قد أمر الله سبحانه بالسؤال عنها في قوله تعالى : ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ )النحل / 43.
يقول الشيخ السعدي رحمه الله في تفسير آية المائدة " ينهى عباده المؤمنين عن سؤال الأشياء التي إذا بينت لهم ساءتهم وأحزنتهم ، وذلك كسؤال بعض المسلمين لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن آبائهم ، وعن حالهم في الجنة أو النار، فهذا ربما أنه لو بين للسائل : لم يكن له فيه خير ، وكسؤالهم للأمور غير الواقعة , وكالسؤال الذي يترتب عليه تشديدات في الشرع ربما أحرجت الأمة ، وكالسؤال عما لا يعني، فهذه الأسئلة وما أشبهها هي المنهي عنها ، وأما السؤال الذي لا يترتب عليه شيء من ذلك : فهذا مأمور به ، كما قال تعالى : ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) " انتهى من تفسير السعدي (1 / 245).

ويراجع للفائدة الأمور التي يكره السؤال عنها إما تحريما أو تنزيها في الفتوى رقم : (131675).

والله أعلم .

فتاوى مشابهة

ذكر في تفسير قوله تعالى (على هدىً من ربهم) : أي على هدىً عظيم ؛ لأن التنكير للتعظيم . هل العبارة الأخيرة على إطلاقها ؟ أليس التعريف فيه زيادة مدح كونهم وصفوا بالمصدر ؟

محمد العزب

قول الله تعالى على لسان يوسف: (وقال للذي ظن انه ناج منها....) ما نوع الظن هنا؟ وهل تفسير يوسف كان ظنا؟

عبد الله العواجي

ما تفسير قول الله جل جلاله عند ذكره سيدنا أيوب - عليه السلام - : « و وهبنا له أهله و مثلهم معهم ...» هل يُبعث الموتى قبل يوم القيامة ، مع العلم بأن أهله هلكوا جميعا إلا امرأته كما ثبت ؟ ج: لعل الصواب في ذلك أن الله أكرمه بأن رد عليه أهله بأعيانهم ف...

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

الآية 153من سورة النساء (يسألك أهل الكتاب..) وآية الأعراف (واختار موسى قومه سبعين...) هل هم نفسهم الذين سألوا موسى أن يروا الله جهرة، وجاء في تفسير آية النساء أنهم بعدما صعقوا عبدوا العجل، كيف نوفق بينهما؟

عبير بنت عبد الله النعيم

في قوله تعالى﴿ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم﴾. لم قال سبحانه: (قد) ولَم تكن مباشرة (يعلم ما أنتم عليه...)، وما المعنى؟

عبد الله العواجي

من المخاطب في قوله عز وجل ( وقرن في بيوتكن ) حيث اختلفت كتب التفسير في بيان المعنى؟

عبد الله العواجي

قال تعالى في سورة المائدة آية [١٣] : (يحرفون الكلم عن مواضعه) وقال تعالى في آية [٤١] : (يحرفون الكلم من بعد مواضعه). فما الفرق بين الآيتين وما الحكمة في اختلافهما؟

دلال بنت كويران بن هويمل السلمي

يتحدث القرآن عن سيدنا يونس انه "فظن ان لن نقدر عليه" ظن أن الله لن يضيق عليه رغم تعجله بترك من أرسل اليهم، فهل هذا يعتبر أنه كان يحسن الظن بالله في غير موضعه؟

عبد الله العواجي

جاء في المختصر في التفسير في قول الله تعالى: ( على الأرائك ينظرون ) على الأسرة المزينة ينظرون إلى ما أعد الله لهم من النعيم الدائم. هل ثبت في هذه الآية رؤية الله؟

محمد الطاسان

ذكر الله في القرآن الكريم أنه خلق الأرض و قدر أقواتها و خلق السماوات في ستة أيام و ذلك في سورة فصلت من يوم الأحد إلى يوم الجمعة كما قرأت في التفسير المختصر، فهل خلق آدم كان في تلك المدة أم كان بعده؟

عبد الرحمن بن معاضة الشهري