الفتاوى

يزعم أن هناك تناقضا في القرآن بين آية ( وإن منكم إلا واردها ) ونصوص أخرى تنص على المغفرة والرحمة لمن قتل في سبيل الله
طرح عليّ أحد المسيحيين هذا السؤال فأريد إجابة له حتى أرسله إليه : في سورة " مريم " ( وإن منكم إلا واردها .. ) بمعنى أن جميع الخلق سيدخلون جهنم لبعض الوقت بما في ذلك المسلمون دون استثناء ، ثم نجد أنه يشير ضمناً في سورة " آل عمران " أن من قتل مجاهداً فإنه لا يجري عليه هذا الحكم ( ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة .. ) فأين الرأي الصحيح في هذين القولين ؟! . فكيف أرد عليه في كل هذه الادعاءات ؟ أرجوا تزويدي بالإجابة مفصّلة .

الإجابة


الحمد لله
ليس فيما ذكره من الآيات ، ولا في غيرها من آيات القرآن ـ بحمد الله ـ تناقض ولا اضطراب ، وحاشا كلام الله من ذلك ، إنما ذلك يليق بكلام البشر ، لنقصهم ، وجهلهم ، وقصورهم ، وأما كلام العليم الخبير فمنزه عن كل عيب ونقصان ، إنما العيب في فهم الفاهم ، وذهن القائل ، وقديما قال الشاعر :
وكم من عائِبٍ قولاً صحيحاً ... وآفتُه من الفهْمِ السّقيمِ
ولكنْ تأخذُ الآذانُ منهُ ... على قدْرِ القرائِحِ والعُلومِ

والجواب على ذلك : أن يقال له : إن آية " آل عمران " لا تُعارض آية " مريم " ولا تعني – البتة – عدم تحقق " الورود " الوارد ذِكره في " مريم " لأنه حق اليقين ، وهو قطعي في الحصول من غير ريب ، ومما يدل على ذلك : ما جاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ( لَا يَمُوتُ لِمُسْلِمٍ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ فَيَلِجَ النَّارَ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ ) .
رواه البخاري ( 1193 ) ومسلم ( 2632 ) .
وقد فسَّر الإمام البخاري رحمه الله معنى ( تَحِلَّةَ الْقَسَمِ ) بقوله في نهاية الحديث : ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ) .
قال النووي – رحمه الله - : " قال العلماء : ( تحلة القسم ) ما ينحل به القسم ، وهو اليمين ، وجاء مفسراً في الحديث أن المراد قوله تعالى ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ) ، وبهذا قال أبو عبيد وجمهور العلماء ، والقسم مقدَّر ، أي : والله إنْ منكم إلا واردها ، وقيل : المراد قوله تعالى ( فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ) مريم/ 68 " . انتهى من " شرح مسلم " ( 16 / 180 ) .
وإذا تبيَّن لنا أنه لا معارضة بين الآيات وأن " ورود النار " حق على كل الخلق حتى لو كانوا مسلمين ! فيبقى علينا معرفة ما معنى " الورود " المذكور في آية " مريم " ، فنقول : أقوى ما قيل في معنى الورود المذكور في آية " مريم " قولان :
الأول : أنه ورود بمعنى الدخول ، وأنه سيسلم المتقون من حرِّها ولهيبها ، ويُبقي رب العالمين فيها الظالمين من الكفار والمستحقين للعذاب من المسلمين فيها ، أما الكفار فعذاب إلى الأبد ، وأما المسلمون فعذاب إلى أمَد ، والدليل على ذلك ما جاء بعد تلك الآية من قوله تعالى ( ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً ) مريم/ 72 ، وهذا قول ابن عباس رضي الله عنه ، ويرجحه الشيخ الشنقيطي ، فلينظر كلامه – لمن أراد التوسع – في تفسيره " أضواء البيان " ( 3 / 478 – 481 ) .
الثاني : أنه ورود خاص بالموحدين من المسلمين سواء كانوا من أصحاب الطاعات أم من أصحاب المعاصي ، وهذا الورود ليس هو الدخول في النار بل هو المرور فوقها ، ويكون ذلك المرور على " الصراط " ، وهو جسر يُنصب على جهنم يمر عليه المسلمون فقط فمِن ناجٍ ومن مكردس في النار ، وأما الكفار فلا يمرون على الصراط لأنهم سيدخلون جهنم مباشرة قبله داخرين ، وهذا قول ابن مسعود رضي الله عنه ، ويرجحه كثير من المحققين .
قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله - : " واعلم أن الناس منقسمون إلى : مؤمن يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا ، ومشرك يعبد مع الله غيره ، فأما المشركون : فإنهم لا يمرون على الصراط إنما يقعون في النار قبل وضع الصراط " . انتهى من " التخويف من النار " ( ص 233 ) .
فالورود – على هذا القول الثاني – إن جاء في حق المسلمين – كما في آية " مريم " حيث قال تعالى ( وإنْ مِنْكُم ) - فهو بمعنى المرور فوق جهنم ، وأما الورود الوارد في حق الكفار فهو بمعنى الدخول فيها .
فالورود ورودان ، ورود مع دخول في الشيء ، وورود مع مقاربة ووصول وإشراف من غير دخول في الشيء ، وكلا المعنيين جاء في كتاب الله تعالى ، فأما الأول : فهو في حق أهل الوعيد من الكفار وأصحاب المعاصي ، وفي هذا يقول تعالى ( إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ . لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آَلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ ) الأنبياء/ 98 ، 99 ، ويقول تعالى – أيضاً – ( وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ) هود/ 98 .
قال ابن رجب – رحمه الله - : " فإن الإنسان إذا قُرن في العذاب بمن كان سبب عذابه كان أشد في ألمه وحسرته" . انتهى من " التخويف من النار " ( ص 99 ) .
وأما الورود بالمعنى الثاني : فمنه قوله تعالى ( وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ ) القصص 23 ، ومنه قوله تعالى ( وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ ) يوسف/ 19 .
وبما أن آية " مريم " هي في حق الجميع من المسلمين فسيكون الورود فيها على المعنى الثاني ، وأما المعنى الأول فليس هو في حق جميع المسلمين ، بل في حق من استحق منهم الدخول فيها ، ويشترك معهم في ذلك الكفار .
قال الشيخ عمر سليمان الأشقر – حفظه الله - : " ذهب بعض العلماء إلى أن المراد بورود النار المذكور في قوله تعالى ( وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا ) مريم/ 71 هو دخول النار ، وهذا قول ابن عباس رضي الله عنه ، وكان يستدل على ذلك بقول الله تعالى في فرعون ( يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ ) هود/ 98 ، وبقوله ( وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا ) مريم/ 86 ، وقوله ( لَوْ كَانَ هَؤُلَاء آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا ) الأنبياء/ 99 ، وروى مسلم الأعور عن مجاهد ( وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ) قال : داخلها .
وذهب بعض أهل العلم إلى أن المراد بالورود هنا : المرور على الصراط ، يقول شارح الطحاوية : " واختلف المفسرون في المراد بالورود في قوله تعالى ( وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ) مريم/ 71 ما هو ؟ والأظهر والأقوى أنه : المرور على الصراط ، قال تعالى ( ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا ) مريم/ 72 .
وفي " الصحيح " أنه صلى الله عليه وسلم قال ( وَالَّذي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يَلِجُ النَّارَ أَحَدٌ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ) قالت حفصة : فقلت : يا رسول الله أليس الله يقول ( وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ) فقال ( أَلَمْ تَسْمَعِيهِ قال ( ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا ) .
وأشار صلى الله عليه وسلم إلى أن ورود النار لا يستلزم دخولها ، وأن النجاة من الشر لا تستلزم حصوله ، بل تستلزم انعقاد سببه ، فمن طلبه عدوه ليهلكوه ولم يتمكنوا منه يقال : نجاه الله منهم ، ولهذا قال تعالى ( وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا ) هود/ 58 ، ( فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا ) هود/ 66 ، ( وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا ) هود/ 94 ، ولم يكن العذاب أصابهم ولكن أصاب غيرهم ، ولولا ما خصهم الله به من أسباب النجاة لأصابهم ما أصاب أولئك ، وكذلك حال الوارد على النار ، يمرون فوقها على الصراط ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيّاً ، فقد بيَّن صلى الله عليه وسلم في حديث جابر المذكور أن الورود هو الورود على الصراط " . انتهى .
والحق : أن الورود على النار ورودان : ورود الكفار أهل النار ، فهذا ورود دخول لا شك في ذلك ، كما قال تعالى في شأن فرعون ( يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ) هود/ 98 ، أي : بئس المدخل المدخول .
والورود الثاني : ورود الموحدين ، أي : مرورهم على الصراط على النحو المذكور في الأحاديث " . انتهى من " القيامة الكبرى " ( ص 267 ، 268 ) .
وسواء قيل بالقول الأول أم بالثاني – وهو الأقرب عندنا للصواب – فليس ثمة تعارض بين نصوص الوحي ، والحمد لله رب العالمين .
والله أعلم .

Icon