السؤال

انتشرت في الآونة الأخيرة على النت بعض الآيات القرآنية التي يستخدمها الشباب على سبيل الاعتراض ، مثلا : عندما يقول شخص : إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها ، وحملها الإخوان ، أو يقول آخر : يا أيها العلمانيون لا أعبد ما تعبدون . فهل هذا يجوز ؟


الإجابة


الحمد لله
هذا الفعل يسمى في فنون اللغة العربية بـ " الاقتباس "، ويعرف بأنه : تضمين الكلام شيئا من القرآن أو الحديث من غير نسبته لهما ، سواء مع تغيير بعض كلماته أو بالمحافظة على نصه .
والأصل العام في مثل ذلك : وجوب تناسب السياق والمقام ، بوجه من وجوه المناسبات والدلالات اللغوية المعتبرة ، مع ما اقتبس من آيات القرآن .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
" وَلَيْسَ لأحد اسْتِعْمَال القرآن لغير مَا أنزله الله لَهُ ؛ وَبِذَلِك فسر الْعلمَاء الحَدِيث المأثور : ( لَا يُناظر بِكِتَاب الله ) أَي : لَا يُجْعَل لَهُ نَظِير يذكر مَعَه ، كَقَوْل القائل لمن قدم لحَاجَة : لقد جِئْت عَلى قدر يَا مُوسَى ، وَقَوله عِنْد الْخُصُومَة : مَتى هَذَا الْوَعْد ، وَالله يشْهد إِنَّهُم لَكَاذِبُونَ .
ثمَّ إِن خرجه مخرج الاستخفاف بِالْقُرْآنِ والاستهزاء بِهِ : كفر صَاحبه !!
وَأما إِن تَلا الْآيَة عِنْد الحكم الَّذِي أنزلت لَهُ ، أَو يُنَاسِبه من الْأَحْكَام : فَحسن ؛ وَمن هَذَا الْبَاب: مَا يبنه الْفُقَهَاء من الْأَحْكَام الثَّابِتَة بِالْقِيَاسِ ، وَمَا يتَكَلَّم فِيهِ الْمَشَايِخ والوعاظ " .
انتهى من "مختصر الفتاوى المصرية" (172) .
وقد ألف فيه السيوطي رسالة بعنوان : " رفع البأس وكشف الالتباس في ضرب المثل من القرآن والاقتباس " تنظر في " الحاوي للفتاوي " (1/305). وسبق في موقعنا تفصيل الكلام على هذا الضرب من ضروب الكلام ، يمكن مراجعتها في الفتاوى ذوات الأرقام الآتية : (1643) ، () ، () ، () .
ويمكننا أن نستدل من جملة الفتاوى السابقة على تحريم الأمثلة الواردة في السؤال ، وذلك للأدلة الآتية :
أولا :
يظهر من سياق العبارات المقصودة أنها سيقت لأجل الاستهزاء والسخرية ، واستعمال القرآن الكريم أداة للاستهزاء من أشنع ما يمارس تجاه هذا الكتاب الكريم ، الذي أنزله الله عز وجل كتاب نور وهداية ، فكانت كلماته نماذج تتأسى بها البشرية ، تستدل بمنطوقها ومفهومها وإشارتها ، وتقوم عليها الدراسات التاريخية واللسانية والجغرافية والعلمية ، وتبنى على أساسها النظريات الأخلاقية والحضارية . إذا استحضرنا ذلك كله وأعظم منه ، فهل سيبقى تردد في بشاعة قول من يقول : ( وحملها الإخوان ) بدلا من ( وحملها الإنسان ) في الآية الكريمة من سورة الأحزاب ، يستهزئ بفئة من المسلمين ! وهل ثمة لغة من الامتهان للفظ القرآن ومعناه ، أكثر من هذه اللغة !!
ثانيا :
ساءنا كثيرا ما رأيناه في بعض وسائل الإعلام غير المسؤولة ، من صحف ومجلات وفضائيات وغيرها ، تستغل الأحداث المؤلمة الأخيرة في تاريخ الأمة الإسلامية ، وتستعمل القرآن الكريم بطريقة الاقتباس لمخاطبة المتدينين ، يستهزؤون بما آلت إليه أحوال الجماعات الإسلامية السياسية في بعض البلاد ، وكأن القرآن الكريم ليس كتابا لجميع المسلمين ، بل كتاب فئة منهم ، وكأن هذا المقتبِس يوجه خطابه للناس ويقول : هذا القرآن الذي تتلونه وتقدسونه يمكننا أن نصنع مثله ليدل على عوراتكم . فيكتب مثلا ( وسيق الذين تخونوا إلى جهنم زمرا )، ولا يدري المسكين أن كتاب الله تعالى في المقام السامي الذي لا يمسه فيه إلا المطهرون ، أما غير المطهرين في أديانهم وأخلاقهم ؛ فإنما يكشفون عن سواد قلوبهم ، وضآلة عقولهم ، ويخسرون دنياهم قبل آخرتهم ، بمثل هذه اللغة الاستهزائية ، والتألي على الله ، وتحريف معنى كتابه ، بل التحريف البين للفظه المصون .
ثالثا :
ننقل هنا أقوال العلماء الذين حرموا مثل هذا الاقتباس إذا كان في سياق السخرية والامتهان :
يقول السيوطي رحمه الله :
" من الاقتباس المردود تضمين آية في معنى هزل ، ونعوذ بالله من ذلك ، كقوله :
أوحى إلى عشاقه طرفه *** هيهات هيهات لما توعدون
وردفه ينطق من خلفه *** لمثل ذا فليعمل العاملون " انتهى من " الإتقان في علوم القرآن " (1/387) نقله السيوطي عن بعض العلماء ثم قال : " هذا التقسيم حسن جدا وبه أقول ".
ويقول أيضا رحمه الله :
" لا أعلم بين المسلمين خلافا في جوازه في النثر ، في غير المجون والخلاعة وهزل الفساق وشربة الخمر واللاطة ونحو ذلك " انتهى من " تنوير الحوالك شرح موطأ مالك " (1/312) .
وقال ابن عقيل الحنبلي رحمه الله :
" تضمين [يعني القرآن] كلام فاسد : فلا يجوز " .
انتهى نقلا عن ابن مفلح في " الآداب الشرعية " (2/289) .
وسئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله عن أمثلة من الاقتباس – منها عن قول أحدهم ( اليوم رأينا نون وما يعلمون ) – فأجاب بقوله :
" أما من قال هذا على سبيل الاستهزاء والسخرية فإنه على خطر عظيم ، وقد يقال إنه خرج من الإسلام ؛ لأن القرآن لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يتخذ هزواً ، وكذلك الأحكام الشرعية كما قال الله تبارك وتعالى : ( يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ )التوبة/64-66 .
ولهذا قال العلماء رحمهم الله : من قال كلمة الكفر ، ولو مازحاً : فإنه يكفر ، ويجب عليه أن يتوب ، وأن يعتقد أنه تاب من الردة ، فيجدد إسلامه ، فآيات الله عز وجل ورسوله أعظم من أن تتخذ هزواً أو مزحاً .
أما من استشهد بآية على واقعة جرت وحدثت فهذا لا بأس به ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم استشهد بالآيات على الوقائع ، فاستشهد بقوله تعالى : ( إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ) التغابن/15 .
حينما جاء الحسن والحسين يتعثران في أثوابهما، فنزل من المنبر صلى الله عليه وسلم وقال : ( إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَة )التغابن/15، فالاستشهاد بالآيات على الوقائع لا بأس به ، وأما أن تنزّل الآيات على ما لم يرد الله بها ، ولا سيما إن قارن ذلك سخرية واستهزاء ، فالأمر خطير جداً " انتهى من " لقاء الباب المفتوح " (60/ 13، بترقيم الشاملة آليا) .
ومن أراد التوسع يمكنه الرجوع لكتاب " الاقتباس أنواعه وأحكامه " للدكتور عبد المحسن بن عبد العزيز العسكر .
والله أعلم .

فتاوى مشابهة

ذكر الجرجاني مسألة التقديم والتأخير في قوله (إياك نعبد وإياك نستعين) ما المقصود بالتقديم والتأخير؟

دلال بنت كويران بن هويمل السلمي

هل هناك خلق أفضل من بني أدم؟

محمد العبادي

هل يصح أن أدعو بهذا الدعاء في مسألة من مسائل الدنيا {رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ}؟

عبد الله العواجي

كيف أنال الإمامة في الدين؟ شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في (مجموع الفتاوى) يقول: ([الله -جل وعلا-] جعل الإمامة في الدين موروثة عن الصبر واليقين بقوله: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} [السجدة: ٢٤])، فالصبر لا بد منه {إ...

عبد الكريم الخضير

ما عَوَائِق الزَّواج؟ ((فقال رجل: يا رسول الله زوِّجنيها إن لم يكن لكَ بها حاجة، فقال: هل عندكَ من شيء تُصدِقُها)) الصَّداق لا بُدَّ منهُ، عندك شيء؛ ولِذا صار قَيد، القُدرَة على مُؤَن النِّكاح قَيد ((من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فمن لم يستطع فعليه...

عبد الكريم الخضير

ما حكم تلبية المرأة؟ "والمَرْأَةُ تَرْفَعُ صَوْتَها بِحيثُ تُسْمِعُ رَفِيقَتها"، صَوْتُ المرأة والكلامُ فيهِ كثير لا سِيَّما عندَ المُتأخِّرين هل هُو عَوْرَة أو ليس بِعَوْرَة؟! خِلافِيَّة؛ لكنْ الذِّي يقول صَوْتُ المرأة عَوْرَة يَسْتَدِلُّ بمثل هذا،...

عبد الكريم الخضير

ما فَضْل يَوم عَرَفَة؟ قالت عائشة -رضي الله عنها-: إنَّ الرَّسُول -صلَّى الله عليهِ وسلَّم- قال: ((ما من يومٍ)) ما: نافية هذهِ، ومن زائدة لتأكيد النَّفي، ويوم نكرة في سياق النَّفي فَتَعُمّ جميع الأيَّام، ((ما من يومٍ أكثر منْ أنْ يُعتِقَ اللهُ فيهِ ع...

عبد الكريم الخضير

سائل من جدة ، أرجو أن تتفضلوا بتفسير قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ؟ ج: هذه الآية الكريمة وجه الله فيها الصحابة رضي الله عنهم ألا يسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أشياء إن تب...

فتاوى نور على الدرب

تقول السائلة أ. ح. من مصر : أستفسر عن الآية الكريمة: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ كيف ذلك في حالة من أراد أن يتم الرضاعة بدون أن يحدث الحمل، أرجو الإفادة بذلك؛ لأن هذه المس...

فتاوى نور على الدرب

الاية 92 من سورة النساء

صلاح الصاوي