السؤال

ما تفسير قوله تعالى: {وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ}؟


الإجابة

في قول الله -جل وعلا-: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ} [المائدة: ٣] فالمنخنقة: هي التي تموت بالخنق، إما قصدًا بأن يخنقها شخص أو اتفاقًا بأن يتلوى عليها الحبل فيخنقها فتموت، وهي بهذا تكون حرامًا.

وأما الموقوذة: فهي التي تُضرب بشيء ثقيل غير محدد حتى تموت كما قال ابن عباس وغير واحد: (هي التي تُضرب بالخشبة حتى يوقذها فتموت)، وكان أهل الجاهلية يفعلون بها هذا، فإذا ماتت أكلوها.

وأما المتردية فهي التي تقع من شاهق أو من موضع عالٍ فتموت بذلك، فلا تحل، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (المتردية التي تسقط من جبل) أو تسقط من من حائط أو من سقف أو ما أشبه ذلك، يعني من علوّ، وقال قتادة: (المتردية هي التي تتردى في بئر)، والمعنى واحد، المقصود أنها تسقط من أعلى إلى أسفل.

وأما النطيحة: فهي التي ماتت بسبب نطح غيرها لها، فهي حرام وإن جرحها القرن وخرج منها الدم ولو من مذبحها؛ لأنها مقدور عليها فلا بد من تذكيتها، والنطيحة زنتها فعيلة، بمعنى مفعولة يعني منطوحة.

وما أكل السبع: أي ما عدا عليها سبع كأسد أو ذئب أو فهد أو نمر أو كلب فأكل بعضها فماتت بذلك، فهي حرام وإن كان قد سال منها الدم ولو من مذبحها -كما تقدم-، فلا تحل هذه بالإجماع؛ لأنها مقدور عليها، والواجب فيها التذكية بقطع الودجين والمريء -كما هو معلوم-، وقد كان أهل الجاهلية يأكلون ما أفضل السبع من الشاة أو البعير أو البقرة ونحو ذلك، فحرم الله ذلك على المؤمنين.

ثم جاء الاستثناء متعقبًا لجميع ما ذكر {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ}، يقول الحافظ ابن كثير -رحمه الله-: هو (عائد على ما يمكن عوده عليه)؛ لأن الاستثناء إذا تعقب جملًا أو ألفاظًا، فهل يعود على الجميع، أو يعود على الأخير، أو يعود على ما يمكن عوده عليه -كما قال الحافظ ابن كثير-؟ (عائد على ما يمكن عوده عليه مما انعقد سبب موته فأمكن تداركه بذكاة، وفيه حياة مستقرة، وذلك إنما يعود على قوله: {وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ}، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} يقول: إلا ما ذبحتم من هؤلاء وفيه روح، فكلوه فهو ذكي) يعني مذّكى... إلى آخر كلام الحافظ ابن كثير -رحمه الله-.

المقصود أن الاستثناء إذا تعقب جملًا فإنه على الخلاف بين أهل العلم هل يعود على الأخيرة أو على الجميع أو على ما يمكن عوده عليه مثل ما في القذف: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ . إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا} [النور: ٤ - ٥]، {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةًالتوبة لا تؤثر في الجلد، بل لا بد أن يتحتم جلده؛ لأنه حق مخلوق فهذا محل اتفاق أن الجلد لا يسقط عنه إذا تاب، {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} يختلف أهل العلم في قبول شهادة القاذف إذا تاب، وأما بالنسبة لارتفاع الوصف الذي هو الفسق فيعود إليه الاستثناء بالاتفاق، ثم بعد ذلك ما بينهما الذي هو قبول الشهادة، إذا قلنا أن الوصف المانع وهو الفسق من قبول الشهادة ارتفع فهذا مما يرجح قبول الشهادة.

ومن أهل العلم من يقول: إن الاستثناء لا يعود إلا إلى الجملة الأخيرة، بدليل اقتران عدم قبول الشهادة بالتأبيد، وعلى كل حال إذا ارتفع الوصف المانع من قبول الشهادة وهو الفسق ترتب على ذلك ثبوت قبول الشهادة، وهذا هو المرجح.

فتاوى مشابهة

ذكر في تفسير قوله تعالى (على هدىً من ربهم) : أي على هدىً عظيم ؛ لأن التنكير للتعظيم . هل العبارة الأخيرة على إطلاقها ؟ أليس التعريف فيه زيادة مدح كونهم وصفوا بالمصدر ؟

محمد العزب

قول الله تعالى على لسان يوسف: (وقال للذي ظن انه ناج منها....) ما نوع الظن هنا؟ وهل تفسير يوسف كان ظنا؟

عبد الله العواجي

ما تفسير قول الله جل جلاله عند ذكره سيدنا أيوب - عليه السلام - : « و وهبنا له أهله و مثلهم معهم ...» هل يُبعث الموتى قبل يوم القيامة ، مع العلم بأن أهله هلكوا جميعا إلا امرأته كما ثبت ؟ ج: لعل الصواب في ذلك أن الله أكرمه بأن رد عليه أهله بأعيانهم ف...

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

الآية 153من سورة النساء (يسألك أهل الكتاب..) وآية الأعراف (واختار موسى قومه سبعين...) هل هم نفسهم الذين سألوا موسى أن يروا الله جهرة، وجاء في تفسير آية النساء أنهم بعدما صعقوا عبدوا العجل، كيف نوفق بينهما؟

عبير بنت عبد الله النعيم

في قوله تعالى﴿ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم﴾. لم قال سبحانه: (قد) ولَم تكن مباشرة (يعلم ما أنتم عليه...)، وما المعنى؟

عبد الله العواجي

من المخاطب في قوله عز وجل ( وقرن في بيوتكن ) حيث اختلفت كتب التفسير في بيان المعنى؟

عبد الله العواجي

قال تعالى في سورة المائدة آية [١٣] : (يحرفون الكلم عن مواضعه) وقال تعالى في آية [٤١] : (يحرفون الكلم من بعد مواضعه). فما الفرق بين الآيتين وما الحكمة في اختلافهما؟

دلال بنت كويران بن هويمل السلمي

يتحدث القرآن عن سيدنا يونس انه "فظن ان لن نقدر عليه" ظن أن الله لن يضيق عليه رغم تعجله بترك من أرسل اليهم، فهل هذا يعتبر أنه كان يحسن الظن بالله في غير موضعه؟

عبد الله العواجي

جاء في المختصر في التفسير في قول الله تعالى: ( على الأرائك ينظرون ) على الأسرة المزينة ينظرون إلى ما أعد الله لهم من النعيم الدائم. هل ثبت في هذه الآية رؤية الله؟

محمد الطاسان

ذكر الله في القرآن الكريم أنه خلق الأرض و قدر أقواتها و خلق السماوات في ستة أيام و ذلك في سورة فصلت من يوم الأحد إلى يوم الجمعة كما قرأت في التفسير المختصر، فهل خلق آدم كان في تلك المدة أم كان بعده؟

عبد الرحمن بن معاضة الشهري