السؤال

فَصْـــل في تفسير قوله‏ تعالى:‏ ‏{‏هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ }‏

الإجابة



قوله‏:‏ ‏{‏‏هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ‏} ‏[‏الغاشية‏:‏ 1 - 5‏]‏، فيها قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن المعنى وجوه في الدنيا خاشعة، عاملة ناصبة، تصلى يوم القيامة نارًا حامية،ويعنى بها عُبَّاد الكفار كالرهبان،وعُبَّاد البدود ‏[‏البُدود‏:‏ جمع بُدّ، والبُدُّ‏:‏ الصنم الذي يعبد‏]‏، وربما تُؤولت في أهل البدع كالخوارج‏.

‏‏ والقول الثاني‏:‏ أن المعنى أنها يوم القيامة تخشع، أى‏:‏ تذل وتعمل وتنصب، قلت‏:‏ هذا هو الحق لوجوه‏:‏

أحدها‏:‏ أنه على هذا التقدير يتعلق الظرف بما يليه، أى‏:‏ وجوه يوم الغاشية خاشعة عاملة ناصبة صالية‏.

‏‏ وعلى الأول‏:‏ لا يتعلق إلا بقوله‏:‏ ‏{‏تصلى‏}‏‏.

‏‏ ويكون قوله‏:‏‏{‏خاشعة‏}‏ صفة للوجوه قد فصل بين الصفة والموصوف بأجنبي متعلق بصفة أخرى متأخرة، والتقدير‏:‏ وجوه خاشعة عاملة ناصبة يومئذ تصلى نارًا حامية‏.

‏‏ والتقديم والتأخير على خلاف الأصل، فالأصل إقرار الكلام على نظمه وترتيبه لا تغيير ترتيبه‏.

‏‏ ثم إنما يجوز فيه التقديم والتأخير مع القرينة، أما مع اللبس فلا يجوز؛ لأنه يلتبس على المخاطب، ومعلوم أنه ليس هنا قرينة تدل على التقديم والتأخير، بل القرينة تدل على خلاف ذلك، فإرادة التقديم والتأخير بمثل هذا الخطاب خلاف البيان، وأَمْر المخاطَب بفهمه تكليف لما لا يطاق‏.‏

الوجه الثاني‏:‏ أن الله قد ذكر وجوه الأشقياء ووجوه السعداء في السورة، فقال بعد ذلك‏:‏ ‏{‏‏وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ‏} ‏[‏الغاشية‏:‏ 8 - 10‏]‏، ومعلوم أنه إنما وصفها بالنعمة يوم القيامة لا في الدنيا؛ إذ هذا ليس بمدح، فالواجب تشابه الكلام وتناظر القسمين لا اختلافهما، وحينئذ، فيكون الأشقياء وصفت وجوههم بحالها في الآخرة‏.‏

الثالث‏:‏ أن نظير هذا التقسيم قوله‏:‏ ‏{‏‏وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ}‏‏ ‏[‏القيامة‏:‏ 22 - 25‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏‏وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ}‏‏ ‏[‏عبس‏:‏ 38 - 42‏]‏، وهذا كله وصف للوجوه لحالها في الآخرة لا في الدنيا‏.

‏‏ الرابع‏:‏ أن وصف الوجوه بالأعمال ليس في القرآن، وإنما في القرآن ذكر العلامة، كقوله‏:‏ ‏{‏‏سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم}‏‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 92‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏‏وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ}‏‏ ‏[‏محمد‏:‏ 30‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏‏تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا}‏‏ ‏[‏الحج‏:‏ 72‏]‏، وذلك لأن العمل والنصب ليس قائمًا بالوجوه فقط، بخلاف السيما والعلامة‏.

‏‏ الخامس‏:‏ أن قوله‏:‏ ‏{‏‏خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ‏} ‏[‏الغاشية‏:‏ 2- 3‏]‏، لو جعل صفة لهم في الدنيا لم يكن في هذا اللفظ ذم، فإن هذا إلى المدح أقرب، وغايته أنه وصف مشترك بين عبَّاد المؤمنين وعبَّاد الكفار، والذم لا يكون بالوصف المشترك، ولو أريد المختص، لقيل‏:‏ خاشعة للأوثان مثلا عاملة لغير الله، ناصبة في طاعة الشيطان، وليس في الكلام ما يقتضى كون هـذا الوصف مختصًا بالكفار، ولا كونـه مـذمـومًا‏.‏

وليس في القـرآن ذم لهذا الوصف مطلقًا،ولا وعيد عليه،فَحَمْلُه على هذا المعنى خروج عن الخطاب المعروف في القرآن‏.‏

السادس‏:‏ أن هذا الوصف مختص ببعض الكفار ولا موجب للتخصيص، فإن الذين لا يتعبدون من الكفار أكثر، وعقوبة فساقهم في دينهم أشد في الدنيا والآخرة، فإن من كف منهم عن المحرمات المتفق عليها وأدى الواجبات المتفق عليها لم تكن عقوبته كعقوبة الذين يدعون مع الله إلهًا آخر، ويقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ويزنون‏.‏

فإذا كان الكفر والعذاب على هذا التقدير في القسم المتروك أكثر وأكبر كان هذا التخصيص عكس الواجب‏.

‏‏ السابع‏:‏ أن هذا الخطاب فيه تنفير عن العبادة والنسك ابتداء، ثم إذا قيد ذلك بعبادة الكفار والمبتدعة وليس في الخطاب تقييد كان هذا سعيًا في إصلاح الخطاب بما لم يذكر فيه‏.

‏‏

___________________

المجلد السادس عشر

مجموع الفتاوي لابن تيمية

فتاوى مشابهة

ذكر في تفسير قوله تعالى (على هدىً من ربهم) : أي على هدىً عظيم ؛ لأن التنكير للتعظيم . هل العبارة الأخيرة على إطلاقها ؟ أليس التعريف فيه زيادة مدح كونهم وصفوا بالمصدر ؟

محمد العزب

قول الله تعالى على لسان يوسف: (وقال للذي ظن انه ناج منها....) ما نوع الظن هنا؟ وهل تفسير يوسف كان ظنا؟

عبد الله العواجي

ما تفسير قول الله جل جلاله عند ذكره سيدنا أيوب - عليه السلام - : « و وهبنا له أهله و مثلهم معهم ...» هل يُبعث الموتى قبل يوم القيامة ، مع العلم بأن أهله هلكوا جميعا إلا امرأته كما ثبت ؟ ج: لعل الصواب في ذلك أن الله أكرمه بأن رد عليه أهله بأعيانهم ف...

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

الآية 153من سورة النساء (يسألك أهل الكتاب..) وآية الأعراف (واختار موسى قومه سبعين...) هل هم نفسهم الذين سألوا موسى أن يروا الله جهرة، وجاء في تفسير آية النساء أنهم بعدما صعقوا عبدوا العجل، كيف نوفق بينهما؟

عبير بنت عبد الله النعيم

في قوله تعالى﴿ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم﴾. لم قال سبحانه: (قد) ولَم تكن مباشرة (يعلم ما أنتم عليه...)، وما المعنى؟

عبد الله العواجي

من المخاطب في قوله عز وجل ( وقرن في بيوتكن ) حيث اختلفت كتب التفسير في بيان المعنى؟

عبد الله العواجي

قال تعالى في سورة المائدة آية [١٣] : (يحرفون الكلم عن مواضعه) وقال تعالى في آية [٤١] : (يحرفون الكلم من بعد مواضعه). فما الفرق بين الآيتين وما الحكمة في اختلافهما؟

دلال بنت كويران بن هويمل السلمي

يتحدث القرآن عن سيدنا يونس انه "فظن ان لن نقدر عليه" ظن أن الله لن يضيق عليه رغم تعجله بترك من أرسل اليهم، فهل هذا يعتبر أنه كان يحسن الظن بالله في غير موضعه؟

عبد الله العواجي

جاء في المختصر في التفسير في قول الله تعالى: ( على الأرائك ينظرون ) على الأسرة المزينة ينظرون إلى ما أعد الله لهم من النعيم الدائم. هل ثبت في هذه الآية رؤية الله؟

محمد الطاسان

ذكر الله في القرآن الكريم أنه خلق الأرض و قدر أقواتها و خلق السماوات في ستة أيام و ذلك في سورة فصلت من يوم الأحد إلى يوم الجمعة كما قرأت في التفسير المختصر، فهل خلق آدم كان في تلك المدة أم كان بعده؟

عبد الرحمن بن معاضة الشهري