السؤال
فصـل في تفسير قوله تعالى {واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة}
الإجابة
قال الله تعالى: { وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} [الأعراف:205]، فأمر بذكر الله فى نفسه، فقد يقال: هو ذكره فى قلبه بلا لسانه؛ لقوله بعد ذلك: {وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ} ، وقد يقال: وهو أصح بل ذكر الله فى نفسه باللسان مع القلب، وقوله: {وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ} كقوله:{وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً} [الإسراء: 110].
وفى الصحيح عن عائشة قالت: نزلت فى الدعاء، وفى الصحيح عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يجهر بالقرآن، فإذا سمعه المشركون سبوا القرآن ومن أنزله، ومن أُنزل عليه، فقال الله: لا تجهر بالقرآن فيسمعه المشركون فيسبوا القرآن، ولا تخافت به عن أصحابك فلا يسمعوه، فنهاه عن الجهر والمُخافَتة.
فالمُخافَتة هي ذكره فى نفسه، والجهر المنهي عنه هو الجهر المذكور فى قوله: {وَدُونَ الْجَهْرِ} فإن الجهر هو الإظهار الشديد، يقال: رجل جهوري الصوت، ورجل جهير.
وكذلك قول عائشة فى الدعاء، فإن الدعاء كما قال تعالى:{ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف: 55] وقال: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا} [مريم: 3]، فالإخفاء قد يكون بصوت يسمعه القريب وهو المناجاة، والجهر مثل المناداة المطلقة، وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم لما رفع أصحابه أصواتهم بالتكبير فقال .
ونظير قوله: {وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ} [الأعراف: 205]، قوله صلى الله عليه وسلم فيما روى عن ربه ، وهذا يدخل فيه ذكره باللسان فى نفسه،فإنه جعله قسيم الذكر فى الملأ،وهو نظير قوله: {ّدٍونّ ًجّهًرٌ مٌنّ بًقّوًل }، والدليل على ذلك أنه قال:{بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} ومعلوم أن ذكر الله المشروع بالغدو والآصال فى الصلاة، وخارج الصلاة هو باللسان مع القلب، مثل صلاتي الفجر والعصر، والذكر المشروع عقب الصلاتين، وما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم وعلَّمه وفعله من الأذكار والأدعية المأثورة من عمل اليوم والليلة المشروعة طرفي النهار بالغدو والآصال.
وقد يدخل فى ذلك أيضًا ذكر الله بالقلب فقط، لكن يكون الذكر فى النفس كاملا وغير كامل، فالكامل باللسان مع القلب، وغير الكامل بالقلب فقط.
ويشبه ذلك قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ} [المجادلة: 8]، فإن القائلين بأن الكلام المطلق كلام النفس استدلوا بهذه الآية، وأجاب عنها أصحابنا وغيرهم بجوابين:
أحدهما: أنهم قالوا بألسنتهم قولاً خفيًا.
والثاني: أنه قيده بالنفس، وإذا قيد القول بالنفس فإن دلالة المقيد خلاف دلالة المطلق.
وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم فقوله: حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به: دليل على أن حديث النفس ليس هو الكلام المطلق، وأنه ليس باللسان.
وقد احتج بعض هؤلاء بقوله: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الملك: 13]، وجعلوا القول المسر فى القلب دون اللسان؛ لقوله: {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}، وهذه حجة ضعيفة جدًا؛ لأن قوله: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ} يبين أن القول يسر به تارة ويجهر به أخرى، وهذا إنما هو فيما يكون فى القول الذي هو بحروف مسموعة.
وقوله بعد ذلك: {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، فإنه إذا كان عليمًا بذات الصدور، فعلمه بالقول المسر والمجهور به أولى.
ونظيره قوله: {سَوَاء مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ} [الرعد: 10].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى - الجزء الخامس عشر.
فتاوى مشابهة
ذكر في تفسير قوله تعالى (على هدىً من ربهم) : أي على هدىً عظيم ؛ لأن التنكير للتعظيم . هل العبارة الأخيرة على إطلاقها ؟ أليس التعريف فيه زيادة مدح كونهم وصفوا بالمصدر ؟
محمد العزب
محمد العزب
قول الله تعالى على لسان يوسف: (وقال للذي ظن انه ناج منها....) ما نوع الظن هنا؟ وهل تفسير يوسف كان ظنا؟
عبد الله العواجي
عبد الله العواجي
ما تفسير قول الله جل جلاله عند ذكره سيدنا أيوب - عليه السلام - : « و وهبنا له أهله و مثلهم معهم ...» هل يُبعث الموتى قبل يوم القيامة ، مع العلم بأن أهله هلكوا جميعا إلا امرأته كما ثبت ؟ ج: لعل الصواب في ذلك أن الله أكرمه بأن رد عليه أهله بأعيانهم ف...
عبد الرحمن بن معاضة الشهري
عبد الرحمن بن معاضة الشهري
الآية 153من سورة النساء (يسألك أهل الكتاب..) وآية الأعراف (واختار موسى قومه سبعين...) هل هم نفسهم الذين سألوا موسى أن يروا الله جهرة، وجاء في تفسير آية النساء أنهم بعدما صعقوا عبدوا العجل، كيف نوفق بينهما؟
عبير بنت عبد الله النعيم
عبير بنت عبد الله النعيم
في قوله تعالى﴿ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم﴾. لم قال سبحانه: (قد) ولَم تكن مباشرة (يعلم ما أنتم عليه...)، وما المعنى؟
عبد الله العواجي
عبد الله العواجي
من المخاطب في قوله عز وجل ( وقرن في بيوتكن ) حيث اختلفت كتب التفسير في بيان المعنى؟
عبد الله العواجي
عبد الله العواجي
قال تعالى في سورة المائدة آية [١٣] : (يحرفون الكلم عن مواضعه) وقال تعالى في آية [٤١] : (يحرفون الكلم من بعد مواضعه). فما الفرق بين الآيتين وما الحكمة في اختلافهما؟
دلال بنت كويران بن هويمل السلمي
دلال بنت كويران بن هويمل السلمي
يتحدث القرآن عن سيدنا يونس انه "فظن ان لن نقدر عليه" ظن أن الله لن يضيق عليه رغم تعجله بترك من أرسل اليهم، فهل هذا يعتبر أنه كان يحسن الظن بالله في غير موضعه؟
عبد الله العواجي
عبد الله العواجي
جاء في المختصر في التفسير في قول الله تعالى: ( على الأرائك ينظرون ) على الأسرة المزينة ينظرون إلى ما أعد الله لهم من النعيم الدائم. هل ثبت في هذه الآية رؤية الله؟
محمد الطاسان
محمد الطاسان
ذكر الله في القرآن الكريم أنه خلق الأرض و قدر أقواتها و خلق السماوات في ستة أيام و ذلك في سورة فصلت من يوم الأحد إلى يوم الجمعة كما قرأت في التفسير المختصر، فهل خلق آدم كان في تلك المدة أم كان بعده؟
عبد الرحمن بن معاضة الشهري
عبد الرحمن بن معاضة الشهري