السؤال

فصــل تفسير قوله تعالى {هو الذي جعل الشمس ضياء}


الإجابة


قوله‏:‏ ‏{‏‏هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ‏} ‏[‏يونس‏:‏ 5‏]‏، وقـولـه‏:‏ ‏{‏‏وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا}‏‏ ‏[‏الأنعام‏:‏96‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏‏الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ}‏‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 5‏]‏ ، وقوله‏:‏{‏‏وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّي عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ}‏‏ ‏[‏يس‏:‏39‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏‏يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ‏} ‏[‏البقرة‏:‏189‏]‏،دليل على توقيت ما فيها من التوقيت للسنين والحساب، فقوله‏:‏‏{‏‏لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ‏} إن علق بقوله‏:‏{‏‏وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ}‏‏ كان الحكم مختصاً بالقمر،وإن أعيد إلى أول الكلام تعلق بهما،ويشهد للأول قوله في الأهلة فإنه موافق لذلك،ولأن كون الشمس ضياء والقمر نوراً،لا يوجب علم عدد السنين والحساب،بخلاف تقدير القمر منازل، فإنه هو الذي يقتضي علم عدد السنين والحساب،ولم يذكر انتقال الشمس في البروج‏.
‏‏
ويؤيد ذلك قوله‏:‏‏{‏‏إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ}‏‏ الآية ‏[‏التوبة‏:‏36‏]‏،فإنه نص على أن السنة هلإلية،وقوله‏:‏‏{‏‏الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ}‏‏ ‏[‏البقرة‏:‏197‏]‏،يؤيد ذلك،لكن يدل على الآخر قوله‏:‏‏{‏‏وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ‏} ‏[‏الإسراء‏:‏12‏]‏‏.‏

وهذا واللّه أعلم لمعنى تظهر به حكمة ما في الكتاب، وما جاءت به الشريعة من اعتبار الشهر والعام الهلالي دون الشمسي، أن كل ما حَدَّ من الشهر والعام ينقسم في اصطلاح الأمم إلى عددي وطبيعي، فأما الشهر الهلإلى فهو طبيعي، وسنته عددية‏.
‏‏
وأما الشهر الشمسي، فعددي، وسنته طبيعية، فأما جعل شهرنا هلالياً فحكمته ظاهرة؛ لأنه طبيعي وإنما علق بالهلال دون الاجتماع؛ لأنه أمر مضبوط بالحس لا يدخله خلل، ولا يفتقر إلى حساب، بخلاف الاجتماع، فإنه أمر خفي يفتقر إلى حساب، وبخلاف الشهر الشمسي لو ضبط‏.

وأما السنة الشمسية، فإنها وإن كانت طبيعية، فهي من جنس الاجتماع ليس أمراً ظاهراً للحس، بل يفتقر إلى حساب سير الشمس في المنازل، وإنما الذي يدركه الحس تقريب ذلك، فإن انقضاء الشتاء ودخول الفصل الذي تسميه العرب الصيف ويسميه غيرها الربيع أمر ظاهر، بخلاف محاذاة الشمس لجزء من أجزاء الفلك يسمي برج كذا، أو محاذاتها لإحدى نقطتي الرأس، أو الذنب، فإنه يفتقر إلى حساب‏.

‏‏‏ ولما كانت البروج اثني عشر، فمتي تكرر الهلإلى اثني عشر، فقد انتقل فيها كلها، فصار ذلك سنة كاملة تعلقت به أحكام ديننا من المؤقتات شرعا، أو شرطاً، إما بأصل الشرع كالصيام والحج، وإما بسبب من العبد كالعدة ومدة الإيلاء، وصوم الكفارة والنَّذْر، وإما بالشرط كالأجل في الدَّيْن والخيار، والأيمان وغير ذلك‏.
‏‏


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى - الجزء الخامس عشر.
فتاوى مشابهة

ذكر في تفسير قوله تعالى (على هدىً من ربهم) : أي على هدىً عظيم ؛ لأن التنكير للتعظيم . هل العبارة الأخيرة على إطلاقها ؟ أليس التعريف فيه زيادة مدح كونهم وصفوا بالمصدر ؟

محمد العزب

قول الله تعالى على لسان يوسف: (وقال للذي ظن انه ناج منها....) ما نوع الظن هنا؟ وهل تفسير يوسف كان ظنا؟

عبد الله العواجي

ما تفسير قول الله جل جلاله عند ذكره سيدنا أيوب - عليه السلام - : « و وهبنا له أهله و مثلهم معهم ...» هل يُبعث الموتى قبل يوم القيامة ، مع العلم بأن أهله هلكوا جميعا إلا امرأته كما ثبت ؟ ج: لعل الصواب في ذلك أن الله أكرمه بأن رد عليه أهله بأعيانهم ف...

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

الآية 153من سورة النساء (يسألك أهل الكتاب..) وآية الأعراف (واختار موسى قومه سبعين...) هل هم نفسهم الذين سألوا موسى أن يروا الله جهرة، وجاء في تفسير آية النساء أنهم بعدما صعقوا عبدوا العجل، كيف نوفق بينهما؟

عبير بنت عبد الله النعيم

في قوله تعالى﴿ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم﴾. لم قال سبحانه: (قد) ولَم تكن مباشرة (يعلم ما أنتم عليه...)، وما المعنى؟

عبد الله العواجي

من المخاطب في قوله عز وجل ( وقرن في بيوتكن ) حيث اختلفت كتب التفسير في بيان المعنى؟

عبد الله العواجي

قال تعالى في سورة المائدة آية [١٣] : (يحرفون الكلم عن مواضعه) وقال تعالى في آية [٤١] : (يحرفون الكلم من بعد مواضعه). فما الفرق بين الآيتين وما الحكمة في اختلافهما؟

دلال بنت كويران بن هويمل السلمي

يتحدث القرآن عن سيدنا يونس انه "فظن ان لن نقدر عليه" ظن أن الله لن يضيق عليه رغم تعجله بترك من أرسل اليهم، فهل هذا يعتبر أنه كان يحسن الظن بالله في غير موضعه؟

عبد الله العواجي

جاء في المختصر في التفسير في قول الله تعالى: ( على الأرائك ينظرون ) على الأسرة المزينة ينظرون إلى ما أعد الله لهم من النعيم الدائم. هل ثبت في هذه الآية رؤية الله؟

محمد الطاسان

ذكر الله في القرآن الكريم أنه خلق الأرض و قدر أقواتها و خلق السماوات في ستة أيام و ذلك في سورة فصلت من يوم الأحد إلى يوم الجمعة كما قرأت في التفسير المختصر، فهل خلق آدم كان في تلك المدة أم كان بعده؟

عبد الرحمن بن معاضة الشهري