السؤال

فصل في تفسير قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم}

الإجابة

فصــل:

قال تعالى‏:‏ ‏{‏‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ الله لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله حَلاَلاً طَيِّبًا}‏‏الآية ‏[‏المائدة‏:‏ 87- 88‏]‏‏.‏

ومن المشهور فى التفسير أنها نزلت بسبب جماعة من الصحابة، كانوا قد عزموا على الترهب، وفى الصحيحين عن أنس‏:‏ أن رجالا سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، عن عبادته فى السر، فَتَقَالُّوا ذلك، وذكر الحديث‏.‏

وفي الصحيحين عن سعد قال‏:‏ رد النبي صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن له لاخْتَصَيْنَا‏.‏

وعن عكرمة أن علي بن أبى طالب وابن مسعود وعثمان بن مظعون والمقداد وسالما مولى أبي حذيفة فى أصحاب لهم تبتلوا، فجلسوا فى البيوت‏.

‏‏ واعتزلوا النساء، ولبسوا المسوح، وحرموا الطيبات من الطعام واللباس، إلا ما يأكل ويلبس أهل السياحة من بني إسرائيل وهموا بالاختصاء، وأجمعوا لقيام الليل وصيام النهار، فنزلت هذه الآية‏.‏

وكذلك ذكر سائر المفسرين ما يشبه هذا المعنى‏.

‏‏ وقد ذم الله الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، وذم الذين يتبعون الشهوات، والذين يريدون أن يميلوا ميلا عظيما، ويريدون ميل المؤمنين ميلا عظيما، وذم الذين اتبعوا ما أتْرِفُوا فيه، والذين يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام‏.‏

وأكثر الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات شربة الخمر، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏‏إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ الله وَعَنِ الصَّلاَةِ}‏‏ ‏[‏المائدة‏:‏91‏]‏، فجمعوا بين الشهوة المحرمة، وترك ذكر الله، وإضاعة الصلاة، وكذلك غيرهم من أهل الشهوات‏.

‏‏ ثم نهى سبحانه عن تحريم ما أحل من الطيبات، وعن الاعتداء فى تناولها، وهو مجاوزة الحد، وقد فسر الاعتداء فى الزهد والعبادة بأن يحرموا الحلال و يفعلوا من العبادة ما يضرهم، فيكونوا قد تجاوزوا الحد وأسرفوا‏.

‏ وقيل‏:‏ لا يحملنكم أكل الطيبات على الإسراف وتناول الحرام من أموال الناس، فإن آكل الطيبات والشهوات المعتدى فيها لابد أن يقع فى الحرام؛ لأجل الإسراف فى ذلك‏.‏

والمقصود بالزهد‏:‏ ترك ما يضر العبد فى الآخرة، وبالعبادة‏:‏ فعل ما ينفع فى الآخرة فإذا ترك الإنسان ما ينفعه فى دينه وينفعه فى آخرته وفعل من العبادة ما يضر فقد اعتدى وأسرف، وإن ظن ذلك زهداً نافعاً وعبادة نافعة‏.

‏‏ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والنَّخَعِي‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَعْتَدُواْ‏}‏ أي‏:‏ لا تَجُبُّوا ‏[‏أى‏:‏ لاتقطعوا‏.‏ نهى عن الاختصاء‏.‏ انظر‏:‏ لسان العرب، مادة‏:‏ جبب‏]‏ أنفسكم‏.‏

وقال عكرمة‏:‏ لا تسيروا بغير سيرة المسلمين؛ من ترك النساء، ودوام الصيام والقيام‏.‏

وقال مقاتل‏:‏ لا تحرموا الحلال، وعن الحسن لا تأتوا ما نهى الله عنه، وهذا ما أريد به لا تحرموا الحلال ولا تفعلوا الحرام، فيكون قد نهى عن النوعين، لكن سبب نزول الآية وسياقها يدل على قول الجمهور، وقد يقال‏:‏ هذا مثل قوله‏:‏ ‏{‏‏وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ}‏‏ ‏[‏الأعراف‏:‏31‏]‏، وقوله فى تمام الآية‏:‏ ‏{‏‏وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله حَلالاً طَيِّبًا}‏‏ الآية ‏[‏ المائدة‏:‏ 88‏]‏‏.

‏‏ وكذلك الأحاديث الصحيحة، كقول أحدهم‏:‏ لا أتزوج النساء وقول الآخر‏:‏ لا آكل اللحم كما في حديث أنس المتقدم وهذا مما يدل على أن صوم الدهر مكروه، وكذلك مداومة قيام الليل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى - الجزء الرابع عشر.

فتاوى مشابهة

ذكر في تفسير قوله تعالى (على هدىً من ربهم) : أي على هدىً عظيم ؛ لأن التنكير للتعظيم . هل العبارة الأخيرة على إطلاقها ؟ أليس التعريف فيه زيادة مدح كونهم وصفوا بالمصدر ؟

محمد العزب

قول الله تعالى على لسان يوسف: (وقال للذي ظن انه ناج منها....) ما نوع الظن هنا؟ وهل تفسير يوسف كان ظنا؟

عبد الله العواجي

ما تفسير قول الله جل جلاله عند ذكره سيدنا أيوب - عليه السلام - : « و وهبنا له أهله و مثلهم معهم ...» هل يُبعث الموتى قبل يوم القيامة ، مع العلم بأن أهله هلكوا جميعا إلا امرأته كما ثبت ؟ ج: لعل الصواب في ذلك أن الله أكرمه بأن رد عليه أهله بأعيانهم ف...

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

الآية 153من سورة النساء (يسألك أهل الكتاب..) وآية الأعراف (واختار موسى قومه سبعين...) هل هم نفسهم الذين سألوا موسى أن يروا الله جهرة، وجاء في تفسير آية النساء أنهم بعدما صعقوا عبدوا العجل، كيف نوفق بينهما؟

عبير بنت عبد الله النعيم

في قوله تعالى﴿ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم﴾. لم قال سبحانه: (قد) ولَم تكن مباشرة (يعلم ما أنتم عليه...)، وما المعنى؟

عبد الله العواجي

من المخاطب في قوله عز وجل ( وقرن في بيوتكن ) حيث اختلفت كتب التفسير في بيان المعنى؟

عبد الله العواجي

قال تعالى في سورة المائدة آية [١٣] : (يحرفون الكلم عن مواضعه) وقال تعالى في آية [٤١] : (يحرفون الكلم من بعد مواضعه). فما الفرق بين الآيتين وما الحكمة في اختلافهما؟

دلال بنت كويران بن هويمل السلمي

يتحدث القرآن عن سيدنا يونس انه "فظن ان لن نقدر عليه" ظن أن الله لن يضيق عليه رغم تعجله بترك من أرسل اليهم، فهل هذا يعتبر أنه كان يحسن الظن بالله في غير موضعه؟

عبد الله العواجي

جاء في المختصر في التفسير في قول الله تعالى: ( على الأرائك ينظرون ) على الأسرة المزينة ينظرون إلى ما أعد الله لهم من النعيم الدائم. هل ثبت في هذه الآية رؤية الله؟

محمد الطاسان

ذكر الله في القرآن الكريم أنه خلق الأرض و قدر أقواتها و خلق السماوات في ستة أيام و ذلك في سورة فصلت من يوم الأحد إلى يوم الجمعة كما قرأت في التفسير المختصر، فهل خلق آدم كان في تلك المدة أم كان بعده؟

عبد الرحمن بن معاضة الشهري