السؤال
فصل في تفسير قوله تعالى: {أوفوا بالعقود}
الإجابة
فصــل:
سورة المائدة أجمعُ سورة فى القرآن لفروع الشرائع من التحليل والتحريم، والأمر والنهي؛ ولهذا روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ؛ ولهذا افتتحت بقوله: { أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ} [المائدة:1]، والعقود هي العهود، وذكر فيها من التحليل والتحريم والإيجاب ما لم يذكر فى غيرها، والآيات فيها متناسبة مثل قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ الله لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِين} [المائدة:87].
وقد اشتهر فى التفسير أن هذه الآية نزلت بسبب الذين أرادوا التبتل من الصحابة، مثل عثمان بن مظعون والذين اجتمعوا معه.
وفى الصحيحين حديث أنس فى الأربعة الذين قال أحدهم: أما أنا فأصوم لا أفْطِر، وقال الآخر: أما أنا فأقوم لا أنام، وقال الآخر أما أنا فلا أتزوج النساء،وقال الآخر: أما أنا فلا آكل اللحم، فقال النبى صلى الله عليه وسلم ، فيشبه والله أعلم أن يكون قوله: {لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ الله لَكُمْ} فيمن حرم الحلال على نفسه بقول أو عزم على تركه، مثل الذي قال: لا أتزوج النساء ولا آكل اللحم، وهي الرهبانية المبتدعة؛ فإن الراهب لا ينكح ولا يذبح.
وقوله: {وَلاَ تَعْتَدُواْ} فيمن قال: أقوم لا أنام، وقال: أصوم لا أفطر؛ لأن الاعتداء مجاوزة الحد، فهذا مجاوز للحد في العبادة المشروعة، كالعدوان فى الدعاء فى قوله: {ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف:55]، وقال النبى صلى الله عليه وسلم ، فالاعتداء فى العبادات، وفى الورع كالذين تحرجوا من أشياء ترخص فيها النبى صلى الله عليه وسلم، وفى الزهد كالذين حرموا الطيبات، وهذان القسمان ترك، فقوله: {وَلاَ تَعْتَدُواْ} إما أن يكون مختصاً بجانب الأفعال العبادية، وإما أن يكون العدوان يشمل العدوان فى العبادة والتحريم، وهذان النوعان هما اللذان ذم الله المشركين بهما فى غير موضع، حيث عبدوا عبادة لم يأذن الله بها، وحرموا ما لم يأذن الله به، فقوله: {لاَ تُحَرِّمُواْ}، {وَلاَ تَعْتَدُواْ} يتناول القسمين.
والعدوان هنا كالعدوان فى قوله: {وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة:2]، إما أن يكون أعم من الإثم، وإما أن يكون نوعا آخر، وإما أن يكون العدوان فى مجاوزة حدود المأمورات واجبها ومستحبها، ومجاوزة حد المباح، وإما أن يكون فى ذلك مجاوزة حد التحريم أيضاً؛ فإنها ثلاثة أمور: مأمور به ومنهي عنه ومباح.
ثم ذكر بعد هذا،قوله: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَـكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ}الآية [المائدة:89]، ذكر هذا بعد النهي عن التحريم، ليبين المخرج من تحريم الحلال إذا عقد عليه يميناً بالله أو يميناً أخرى، وبهذا يستدل على أن تحريم الحلال يمين.
ثم ذكر بعد ذلك ما حرمه من الخمر والميسر، والأنصاب والأزلام، فبين به ما حرمه؛ فإن نفي التحريم الشرعي يقع فيه طائفة من الإباحية، كما يقع فى تحريم الحلال طائفة من هؤلاء، يكونون فى حال اجتهادهم ورياضتهم تحريمية، ثم إذا وصلوا بزعمهم صاروا إباحية، وهاتان آفتان تقع فى المتعبدة والمتصوفة كثيراً، وقرن بينهما حكم الأيمان؛ فإن كلاهما يتعلق بالفم داخلا وخارجا، كما يقرن الفقهاء بين كتاب الأيمان والأطعمة، وفيه رخصة فى كفارة الأيمان مطلقاً، خلافا لما شدد فيه طائفة من الفقهاء، من جعل بعض الأيمان لا كفارة فيها؛ فإن هذا التشديد مضاه للتحريم، فيكون الرجل ممنوعا من فعل الواجب أو المباح بذلك التشديد، وهذا كله رحمة من الله بنا دون غيرنا من الأمم التي حرم عليهم أشياء عقوبة لهم ولا كفارة في أيمانهم، ولم يطهرهم من الرجس كما طهرنا، فتدبر هذا فإنه نافع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى - الجزء الرابع عشر.
سورة المائدة أجمعُ سورة فى القرآن لفروع الشرائع من التحليل والتحريم، والأمر والنهي؛ ولهذا روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ؛ ولهذا افتتحت بقوله: { أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ} [المائدة:1]، والعقود هي العهود، وذكر فيها من التحليل والتحريم والإيجاب ما لم يذكر فى غيرها، والآيات فيها متناسبة مثل قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ الله لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِين} [المائدة:87].
وقد اشتهر فى التفسير أن هذه الآية نزلت بسبب الذين أرادوا التبتل من الصحابة، مثل عثمان بن مظعون والذين اجتمعوا معه.
وفى الصحيحين حديث أنس فى الأربعة الذين قال أحدهم: أما أنا فأصوم لا أفْطِر، وقال الآخر: أما أنا فأقوم لا أنام، وقال الآخر أما أنا فلا أتزوج النساء،وقال الآخر: أما أنا فلا آكل اللحم، فقال النبى صلى الله عليه وسلم ، فيشبه والله أعلم أن يكون قوله: {لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ الله لَكُمْ} فيمن حرم الحلال على نفسه بقول أو عزم على تركه، مثل الذي قال: لا أتزوج النساء ولا آكل اللحم، وهي الرهبانية المبتدعة؛ فإن الراهب لا ينكح ولا يذبح.
وقوله: {وَلاَ تَعْتَدُواْ} فيمن قال: أقوم لا أنام، وقال: أصوم لا أفطر؛ لأن الاعتداء مجاوزة الحد، فهذا مجاوز للحد في العبادة المشروعة، كالعدوان فى الدعاء فى قوله: {ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف:55]، وقال النبى صلى الله عليه وسلم ، فالاعتداء فى العبادات، وفى الورع كالذين تحرجوا من أشياء ترخص فيها النبى صلى الله عليه وسلم، وفى الزهد كالذين حرموا الطيبات، وهذان القسمان ترك، فقوله: {وَلاَ تَعْتَدُواْ} إما أن يكون مختصاً بجانب الأفعال العبادية، وإما أن يكون العدوان يشمل العدوان فى العبادة والتحريم، وهذان النوعان هما اللذان ذم الله المشركين بهما فى غير موضع، حيث عبدوا عبادة لم يأذن الله بها، وحرموا ما لم يأذن الله به، فقوله: {لاَ تُحَرِّمُواْ}، {وَلاَ تَعْتَدُواْ} يتناول القسمين.
والعدوان هنا كالعدوان فى قوله: {وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة:2]، إما أن يكون أعم من الإثم، وإما أن يكون نوعا آخر، وإما أن يكون العدوان فى مجاوزة حدود المأمورات واجبها ومستحبها، ومجاوزة حد المباح، وإما أن يكون فى ذلك مجاوزة حد التحريم أيضاً؛ فإنها ثلاثة أمور: مأمور به ومنهي عنه ومباح.
ثم ذكر بعد هذا،قوله: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَـكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ}الآية [المائدة:89]، ذكر هذا بعد النهي عن التحريم، ليبين المخرج من تحريم الحلال إذا عقد عليه يميناً بالله أو يميناً أخرى، وبهذا يستدل على أن تحريم الحلال يمين.
ثم ذكر بعد ذلك ما حرمه من الخمر والميسر، والأنصاب والأزلام، فبين به ما حرمه؛ فإن نفي التحريم الشرعي يقع فيه طائفة من الإباحية، كما يقع فى تحريم الحلال طائفة من هؤلاء، يكونون فى حال اجتهادهم ورياضتهم تحريمية، ثم إذا وصلوا بزعمهم صاروا إباحية، وهاتان آفتان تقع فى المتعبدة والمتصوفة كثيراً، وقرن بينهما حكم الأيمان؛ فإن كلاهما يتعلق بالفم داخلا وخارجا، كما يقرن الفقهاء بين كتاب الأيمان والأطعمة، وفيه رخصة فى كفارة الأيمان مطلقاً، خلافا لما شدد فيه طائفة من الفقهاء، من جعل بعض الأيمان لا كفارة فيها؛ فإن هذا التشديد مضاه للتحريم، فيكون الرجل ممنوعا من فعل الواجب أو المباح بذلك التشديد، وهذا كله رحمة من الله بنا دون غيرنا من الأمم التي حرم عليهم أشياء عقوبة لهم ولا كفارة في أيمانهم، ولم يطهرهم من الرجس كما طهرنا، فتدبر هذا فإنه نافع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى - الجزء الرابع عشر.
فتاوى مشابهة
ذكر في تفسير قوله تعالى (على هدىً من ربهم) : أي على هدىً عظيم ؛ لأن التنكير للتعظيم . هل العبارة الأخيرة على إطلاقها ؟ أليس التعريف فيه زيادة مدح كونهم وصفوا بالمصدر ؟
محمد العزب
محمد العزب
قول الله تعالى على لسان يوسف: (وقال للذي ظن انه ناج منها....) ما نوع الظن هنا؟ وهل تفسير يوسف كان ظنا؟
عبد الله العواجي
عبد الله العواجي
ما تفسير قول الله جل جلاله عند ذكره سيدنا أيوب - عليه السلام - : « و وهبنا له أهله و مثلهم معهم ...» هل يُبعث الموتى قبل يوم القيامة ، مع العلم بأن أهله هلكوا جميعا إلا امرأته كما ثبت ؟ ج: لعل الصواب في ذلك أن الله أكرمه بأن رد عليه أهله بأعيانهم ف...
عبد الرحمن بن معاضة الشهري
عبد الرحمن بن معاضة الشهري
الآية 153من سورة النساء (يسألك أهل الكتاب..) وآية الأعراف (واختار موسى قومه سبعين...) هل هم نفسهم الذين سألوا موسى أن يروا الله جهرة، وجاء في تفسير آية النساء أنهم بعدما صعقوا عبدوا العجل، كيف نوفق بينهما؟
عبير بنت عبد الله النعيم
عبير بنت عبد الله النعيم
في قوله تعالى﴿ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم﴾. لم قال سبحانه: (قد) ولَم تكن مباشرة (يعلم ما أنتم عليه...)، وما المعنى؟
عبد الله العواجي
عبد الله العواجي
من المخاطب في قوله عز وجل ( وقرن في بيوتكن ) حيث اختلفت كتب التفسير في بيان المعنى؟
عبد الله العواجي
عبد الله العواجي
قال تعالى في سورة المائدة آية [١٣] : (يحرفون الكلم عن مواضعه) وقال تعالى في آية [٤١] : (يحرفون الكلم من بعد مواضعه). فما الفرق بين الآيتين وما الحكمة في اختلافهما؟
دلال بنت كويران بن هويمل السلمي
دلال بنت كويران بن هويمل السلمي
يتحدث القرآن عن سيدنا يونس انه "فظن ان لن نقدر عليه" ظن أن الله لن يضيق عليه رغم تعجله بترك من أرسل اليهم، فهل هذا يعتبر أنه كان يحسن الظن بالله في غير موضعه؟
عبد الله العواجي
عبد الله العواجي
جاء في المختصر في التفسير في قول الله تعالى: ( على الأرائك ينظرون ) على الأسرة المزينة ينظرون إلى ما أعد الله لهم من النعيم الدائم. هل ثبت في هذه الآية رؤية الله؟
محمد الطاسان
محمد الطاسان
ذكر الله في القرآن الكريم أنه خلق الأرض و قدر أقواتها و خلق السماوات في ستة أيام و ذلك في سورة فصلت من يوم الأحد إلى يوم الجمعة كما قرأت في التفسير المختصر، فهل خلق آدم كان في تلك المدة أم كان بعده؟
عبد الرحمن بن معاضة الشهري
عبد الرحمن بن معاضة الشهري