السؤال

تفسير قوله تعالى: {ثم قضى أجلاً}

الإجابة

سُئِلَ رَضي اللَّه عَنهُ عن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏‏ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ}‏‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 2‏]‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏‏وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ}‏‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 11‏]‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏‏يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ}‏‏ ‏[‏ الرعد‏:‏39‏]‏‏:‏ هل المحو والإثبات فى اللوح المحفوظ والكتاب الذي جاء فى الصحيح "إن اللّه تعالى كتب كتاباً فهو عنده على عرشه‏"‏‏ الحديث، وقد جاء‏:‏ ‏(‏جَفَّ القلم‏)‏ ، فما معنى ذلك فى المحو والإثبات‏؟‏

وهل شرع في الدعاء أن يقول‏:‏‏(‏اللهم إن كنت كتبتني كذا فامحني واكتبني كذا، فإنك قلت‏:‏ ‏{‏‏يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ}‏‏‏؟‏ وهل صح أن عمر كان يدعو بمثل هذا‏؟‏ وهل الصحيح عندكم أن العمر يزيد بصلة الرحم، كما جاء في الحديث‏؟‏ أفتونا مأجورين‏.

‏‏ فأجاب رضي اللّه عنه‏:‏

الحمد للّه رب العالمين‏.‏ أما قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏‏ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ‏} فالأجل الأول هو‏:‏ أجل كل عبد؛ الذي ينقضي به عمره، والأجل المسمى عنده هو‏:‏ أجل القيامة العامة؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏‏مُّسمًّى عِندَهُ‏} فإن وقت الساعة لا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل، كما قال‏:‏ ‏{‏‏يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ}‏‏ ‏[‏الأعراف‏:‏187‏]‏‏.

‏‏ بخلاف ما إذا قال‏:‏ ‏{‏مُّسمًّى‏}‏ كقوله‏:‏ ‏{‏‏إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى}‏‏ ‏[‏البقرة‏:‏282‏]‏، إذ لم يقيد بأنه مسمى عنده، فقد يعرفه العباد‏.‏

وأما أجل الموت فهذا تعرفه الملائكة الذين يكتبون رزق العبد، وأجله وعمله، وشقي أو سعيد، كما قال فى الصحيحين عن ابن مسعود قال‏:‏ حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق "إن أحدكم يُجمَع خلقه فى بطن أمه أربعين يوما نُطْفَة، ثم يكون عَلَقَة مثل ذلك، ثم يكون مُضْغَة مثل ذلك، ثم يبعث إليه الملك، فيؤمر بأربع كلمات، فيقال‏:‏ اكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح‏"‏‏، فهذا الأجل الذي هو أجل الموت قد يعلمه الله لمن شاء من عباده‏.‏

وأما أجل القيامة المسمى عنده فلا يعلمه إلا هو‏.

‏‏ وأما قوله‏:‏ ‏{‏‏وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ}‏‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 11‏]‏، فقد قيل‏:‏ إن المراد الجنس، أي ما يعمر من عمر إنسان، ولا ينقص من عمر إنسان، ثم التعمير والتقصير يراد به شيئان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن هذا يطول عمره، وهذا يقصر عمره، فيكون تقصيره نقصاً له بالنسبة إلى غيره، كما أن المعمر يطول عمره، وهذا يقصر عمره، فيكون تقصيره نقصاً له بالنسبة إلى غيره، كما أن التعمير زيادة بالنسبة إلى آخر‏.‏

وقد يراد بالنقص النقص من العمر المكتوب، كما يراد بالزيادة الزيادة في العمر المكتوب، وفى الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "من سَرَّه أن يُبْسَط له في رزقه، ويُنْسَأ له فى أثره فلْيَصِلْ رَحِمَه‏"‏‏، وقد قال بعض الناس‏:‏ إن المراد به البركة فى العمر، بأن يعمل فى الزمن القصير ما لا يعمله غيره إلا فى الكثير، قالوا‏:‏ لأن الرزق والأجل مقدران مكتوبان‏.

‏‏ فيقال لهؤلاء‏:‏ تلك البركة وهي الزيادة فى العمل، والنفع هي أيضاً مقدرة مكتوبة، وتتناول لجميع الأشياء‏.

‏‏ والجواب المحقق‏:‏ أن الله يكتب للعبد أجلا فى صحف الملائكة، فإذا وصل رحمه زاد فى ذلك المكتوب، وإن عمل ما يوجب النقص نقص من ذلك المكتوب‏.

‏‏ ونظير هذا ما فى الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم "إن آدم لما طلب من اللّه أن يريه صورة الأنبياء من ذريته فأراه إياهم، فرأى فيهم رجلا له بَصِيص، فقال‏:‏ من هذا يا رب‏؟‏ فقال‏:‏ ابنك داود ‏.‏قال‏:‏ فكم عمره‏؟‏ قال‏:‏ أربعون سنة‏.‏ قال‏:‏ وكم عمري‏؟‏ قال‏:‏ ألف سنة‏.‏ قال‏:‏ فقد وهبت له من عمري ستين سنة‏.‏ فكتب عليه كتاب، وشهدت عليه الملائكة، فلما حضرته الوفاة قال‏:‏ قد بقي من عمري ستون سنة‏.‏ قالوا‏:‏ وهبتها لابنك داود، فأنكر ذلك، فأخرجوا الكتاب"‏‏‏.‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم ‏‏"فنَسِيَ آدم فنسيت ذريته، وجَحَد آدم فجحدت ذريته‏"‏‏ وروى أنه كمل لآدم عمره، ولداود عمره‏.

‏‏ فهذا داود كان عمره المكتوب أربعين سنة، ثم جعله ستين، وهذا معنى ما روى عن عمر أنه قال‏:‏ اللهم إن كنت كتبتني شقياً فامحني واكتبني سعيداً، فإنك تمحوا ما تشاء وتثبت‏.

‏‏ واللّه سبحانه عالم بما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، فهو يعلم ما كتبه له وما يزيده إياه بعد ذلك، والملائكة لا علم لهم إلا ما علمهم اللّه، والله يعلم الأشياء قبل كونها وبعد كونها؛ فلهذا قال العلماء‏:‏ إن المحو والإثبات فى صحف الملائكة، وأما علم اللّه سبحانه فلا يختلف ولا يبدو له ما لم يكن عالماً به، فلا محو فيه ولا إثبات‏.‏

وأما اللوح المحفوظ، فهل فيه محو وإثبات‏؟‏ على قولين،والله سبحانه وتعالى أعلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى - الجزء الرابع عشر.

فتاوى مشابهة

ذكر في تفسير قوله تعالى (على هدىً من ربهم) : أي على هدىً عظيم ؛ لأن التنكير للتعظيم . هل العبارة الأخيرة على إطلاقها ؟ أليس التعريف فيه زيادة مدح كونهم وصفوا بالمصدر ؟

محمد العزب

قول الله تعالى على لسان يوسف: (وقال للذي ظن انه ناج منها....) ما نوع الظن هنا؟ وهل تفسير يوسف كان ظنا؟

عبد الله العواجي

ما تفسير قول الله جل جلاله عند ذكره سيدنا أيوب - عليه السلام - : « و وهبنا له أهله و مثلهم معهم ...» هل يُبعث الموتى قبل يوم القيامة ، مع العلم بأن أهله هلكوا جميعا إلا امرأته كما ثبت ؟ ج: لعل الصواب في ذلك أن الله أكرمه بأن رد عليه أهله بأعيانهم ف...

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

الآية 153من سورة النساء (يسألك أهل الكتاب..) وآية الأعراف (واختار موسى قومه سبعين...) هل هم نفسهم الذين سألوا موسى أن يروا الله جهرة، وجاء في تفسير آية النساء أنهم بعدما صعقوا عبدوا العجل، كيف نوفق بينهما؟

عبير بنت عبد الله النعيم

في قوله تعالى﴿ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم﴾. لم قال سبحانه: (قد) ولَم تكن مباشرة (يعلم ما أنتم عليه...)، وما المعنى؟

عبد الله العواجي

من المخاطب في قوله عز وجل ( وقرن في بيوتكن ) حيث اختلفت كتب التفسير في بيان المعنى؟

عبد الله العواجي

قال تعالى في سورة المائدة آية [١٣] : (يحرفون الكلم عن مواضعه) وقال تعالى في آية [٤١] : (يحرفون الكلم من بعد مواضعه). فما الفرق بين الآيتين وما الحكمة في اختلافهما؟

دلال بنت كويران بن هويمل السلمي

يتحدث القرآن عن سيدنا يونس انه "فظن ان لن نقدر عليه" ظن أن الله لن يضيق عليه رغم تعجله بترك من أرسل اليهم، فهل هذا يعتبر أنه كان يحسن الظن بالله في غير موضعه؟

عبد الله العواجي

جاء في المختصر في التفسير في قول الله تعالى: ( على الأرائك ينظرون ) على الأسرة المزينة ينظرون إلى ما أعد الله لهم من النعيم الدائم. هل ثبت في هذه الآية رؤية الله؟

محمد الطاسان

ذكر الله في القرآن الكريم أنه خلق الأرض و قدر أقواتها و خلق السماوات في ستة أيام و ذلك في سورة فصلت من يوم الأحد إلى يوم الجمعة كما قرأت في التفسير المختصر، فهل خلق آدم كان في تلك المدة أم كان بعده؟

عبد الرحمن بن معاضة الشهري