السؤال

ما هو تفسير قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وتقول السائلة: مع أن الله هو الذي خلق الأنفس وهو الذي يتحكم بتغييرها فكيف يستطيع القوم أن يغيروا ما بأنفسهم ويغيروا ما كتب عليهم، أرجو التفضل بالشرح الوافي حول هذا الموضوع وجزاكم الله خيرًا؟ ج: الله سبحانه هو مدبر الأمور وهو مصرف العبادة كما يشاء سبحانه وتعالى وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة، وهو سبحانه قد شرح لعباده الأسباب التي تقربهم منه وتسبب رحمته وإحسانه إليهم، ونهاهم عن الأسباب التي تسبب غضبه عليهم وبعدهم منه وحلول العقوبات بهم وهم مع ذلك لا يخرجون عن قدره، بفعل الأسباب التي شرعها لهم والتي نهاهم عنها، وهم بذلك لا يخرجون عن قدره سبحانه فالله أعطاهم عقولاً وأعطاهم أدوات وأعطاهم أسبابًا يستطيعون بها أن يتحكموا فيما يريدون من جلب خير ودفع شر، وهم بهذا لا يخرجون عن مشيئته كما قال تعالى: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وقد سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن هذا، قالوا له: يا رسول الله إن كان ما نفعله قد كتب علينا وفرغ منه ففيم العمل؟


الإجابة
قال عليه الصلاة والسلام: اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما أهل السعادة فييسرون لعمل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم تلا عليه الصلاة والسلام قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى هكذا قوله جل وعلا: إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ فأمره نافذ سبحانه وتعالى لكنه جل وعلا يغير ما بالناس إذا غيروا، فإذا كانوا على طاعة واستقامة ثم غيروا إلى المعاصي غير الله حالهم من الطمأنينة والسعادة واليسر والرخاء إلى غير ذلك، وقد يملي لهم سبحانه ويتركهم على حالهم استدراجًا، ثم يأخذهم على غرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، كما قال تعالى: وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ وقال سبحانه: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ فالواجب الحذر وعلى المؤمن أن يتقي الله ويسعى في الحق وأن يستقيم عليه وألا يحيد عنه إلى الباطل فإنه متى حار عنه إلى الباطل فقد تعرض لغضب الله أن يغير قلبه وأن يغير ما به من نعمة إلى ضدها من جدب وقحط وفقر وحاجة وغير ذلك، وهكذا بعد الصحة إلى المرض وهكذا بعد الأمن إلى الخوف إلى غير ذلك بأسباب الذنوب والمعاصي وهكذا العكس إذا كانوا في معاصٍ وشرور وانحراف ثم توجهوا إلى الحق وتابوا إلى الله ورجعوا إليه واستقاموا على دينه فإن الله يغير ما بهم سبحانه من الخوف والفقر والاختلاف والتشاحن إلى أمن وعافية واستقامة إلى رخاء، وإلى محبة وإلى تعاون وإلى تقارب فضلاً منه سبحانه، ومن هذا قوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ فالعبد عنده أسباب وعنده عمل، وعنده إرادة، وعنده مشيئة، ولكنه بذلك لا يخرج عن قدر الله ومشيئته. فالواجب عليه أن يستعمل ما استطاع في طاعة الله ورسوله وأن يستقيم على ما أمره الله به وأن يحذر ما نهى الله عنه ورسوله عليه الصلاة والسلام وأن يسأل ربه العون والتوفيق والله سبحانه هو المتفضل وهو الموفق وهو الهادي جل وعلا وله الفضل وله النعمة وله الإحسان سبحانه وتعالى بيده الفضل وبيده توفيق العباد وبه هدايتهم وبيده إضلالهم، يهدي من يشاء ويضل من يشاء سبحانه. والخلاصة: أن العبد له أسباب وأعمال والله أعطاه أدوات يعرف بها الضار والنافع، والخير والشر، فإذا استعمل عقله وأسبابه في الخير جازاه الله على ذلك بالخير العظيم وأدر عليه نعمه، وجعله في نعمة وعافية بعدما كان في سوء وشر - فإذا تاب إلى الله وأناب واستقام فالله جل وعلا بجوده وكرمه يغير حاله السيئة إلى حالة حسنة وهكذا إذا كان العبد على راحة واستقامة وهدى ثم انحرف وحاد عن الطريق وتابع الهوى والشيطان فالله سبحانه قد يعاجله بالعقوبة وقد يغير عليه سبحانه وتعالى فينبغي له أن يحذر وأن لا يغتر بأنعم الله تعالى عليه سبحانه وتعالى.
آية ذات علاقة

﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ

سورة الرعد — الآية 11

فتاوى مشابهة

ذكر في تفسير قوله تعالى (على هدىً من ربهم) : أي على هدىً عظيم ؛ لأن التنكير للتعظيم . هل العبارة الأخيرة على إطلاقها ؟ أليس التعريف فيه زيادة مدح كونهم وصفوا بالمصدر ؟

محمد العزب

قول الله تعالى على لسان يوسف: (وقال للذي ظن انه ناج منها....) ما نوع الظن هنا؟ وهل تفسير يوسف كان ظنا؟

عبد الله العواجي

ما تفسير قول الله جل جلاله عند ذكره سيدنا أيوب - عليه السلام - : « و وهبنا له أهله و مثلهم معهم ...» هل يُبعث الموتى قبل يوم القيامة ، مع العلم بأن أهله هلكوا جميعا إلا امرأته كما ثبت ؟ ج: لعل الصواب في ذلك أن الله أكرمه بأن رد عليه أهله بأعيانهم ف...

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

الآية 153من سورة النساء (يسألك أهل الكتاب..) وآية الأعراف (واختار موسى قومه سبعين...) هل هم نفسهم الذين سألوا موسى أن يروا الله جهرة، وجاء في تفسير آية النساء أنهم بعدما صعقوا عبدوا العجل، كيف نوفق بينهما؟

عبير بنت عبد الله النعيم

في قوله تعالى﴿ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم﴾. لم قال سبحانه: (قد) ولَم تكن مباشرة (يعلم ما أنتم عليه...)، وما المعنى؟

عبد الله العواجي

من المخاطب في قوله عز وجل ( وقرن في بيوتكن ) حيث اختلفت كتب التفسير في بيان المعنى؟

عبد الله العواجي

قال تعالى في سورة المائدة آية [١٣] : (يحرفون الكلم عن مواضعه) وقال تعالى في آية [٤١] : (يحرفون الكلم من بعد مواضعه). فما الفرق بين الآيتين وما الحكمة في اختلافهما؟

دلال بنت كويران بن هويمل السلمي

يتحدث القرآن عن سيدنا يونس انه "فظن ان لن نقدر عليه" ظن أن الله لن يضيق عليه رغم تعجله بترك من أرسل اليهم، فهل هذا يعتبر أنه كان يحسن الظن بالله في غير موضعه؟

عبد الله العواجي

جاء في المختصر في التفسير في قول الله تعالى: ( على الأرائك ينظرون ) على الأسرة المزينة ينظرون إلى ما أعد الله لهم من النعيم الدائم. هل ثبت في هذه الآية رؤية الله؟

محمد الطاسان

ذكر الله في القرآن الكريم أنه خلق الأرض و قدر أقواتها و خلق السماوات في ستة أيام و ذلك في سورة فصلت من يوم الأحد إلى يوم الجمعة كما قرأت في التفسير المختصر، فهل خلق آدم كان في تلك المدة أم كان بعده؟

عبد الرحمن بن معاضة الشهري