السؤال

كنت أقرأ تفسير ابن كثير و وصلت الآية ( والسماء ذات البروج ).اختار ابن جرير الرأي القائل بأن هذا يعني مواقع الشمس والقمر ، والتي هي اثني عشر نجما. الشمس تنتقل عبر كل واحد من هذه "النجوم" في شهر واحد. يسافر القمر عبر كل واحد من هذه النجوم في اليومين الثاني والثالث مما يصنع ما مجموعه ثمانية وعشرين موقعا ، وهو مخفي لمدة ليلتين. أنا لا أفهم هذا ، الرجاء هل يمكنكم التوضيح؟


الإجابة

الحمد لله 

اختلف العلماء في معنى قوله تعالى :   وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ  ، فذهب بعضهم إلى أن معناها:

1- والسماء ذات القصور .

2- والسماء ذات الكواكب .

3- والسماء ذات النجوم .

4- والسماء ذات منازل الشمس والقمر .

انظر : "تفسير الطبري" (24/ 260 - 261).

قال ابن القيم : " ومن ذلك إقسامُهُ -سبحانه- بالسماء ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3) [البرو 1 - 3].

وقد فُسِّرت "البروجُ ": بالبروجِ التي تنزلها الشمسُ والقمرُ والسيَّارةُ.

وفُسِّرَت: بالنُّجُوم، أو نوع منها.

وفُسِّرت: بالقُصور العِظَام.

وكلُّ ذلك من آيات قدرته، وشواهد وحدانيته، وأدلَّة ربوبيته؛ فإنَّ السماء كُرَةٌ متشابهة الأجزاء، والشَّكْل الكُرِي لا يتميَّز منه جانبٌ عن جانبٍ بطولٍ، ولا قِصَرٍ، ولا وضعٍ، بل هو متساوي الجوانب.

فجَعْلُ هذه "البروج " ، في هذه الكرة ، على اختلاف صورها وأشكالها ومقاديرها : يستحيل أن توجد بغير فاعلٍ، ويستحيل أن يكون فاعله غير قادرٍ، ولا عالمٍ، ولا مُريدٍ، ولا حيٍّ، ولا حكيمٍ، ولا مباينٍ للمفعول.

وهذا ونحوه ممَّا هدم قواعد الطبائعية، والملاحدة، والفلاسفة الذين لا يثبتون للعالم ربًّا مباينًا له، قادرًا فاعلاً بالاختيار، عالمًا بتفاصيله، حكيمًا مُدَبِّرًا له.

فبروج السماء -وهي منازلها، أو منازل السيَّارة التي فيها- من أعظم آياته سبحانه، فلهذا أقسَمَ بها مع السماء "، انتهى من " التبيان في أيمان القرآن " (140).

ثانيًا :

ورجح الإمام "الطبري" أن البروج منازل الشمس والقمر،  فقال: "  وَالسَّمَاءِ ذَاتِ مَنَازِلِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْبُرُوجَ جَمْعُ بُرْجٍ ، وَهِيَ مَنَازِلُ تُتَّخَذُ عَالِيَةً عَنِ الْأَرْضِ مُرْتَفِعَةً ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء: 78] ، مَنَازِلُ مُرْتَفِعَةٌ عَالِيَةٌ فِي السَّمَاءِ ، وَهِيَ اثْنَا عَشَرَ بُرْجًا ، فَمَسِيرُ الْقَمَرِ فِي كُلِّ بُرْجٍ مِنْهَا يَوْمَانِ وَثُلُثٌ ، فَذَلِكَ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ مَنْزِلًا ، ثُمَّ يَسْتَسِرُ لَيْلَتَيْنِ ، وَمَسِيرُ الشَّمْسِ فِي كُلِّ بُرْجٍ مِنْهَا شَهْرٌ ".

ومعنى كلامه رحمه الله :

أن لكل من الشمس والقمر منازل ، ومنازل الشمس عددها ( 12 ) ، تبقى الشمس في كل منزل منها ( 30 ) يومًا تقريبًا ، وذلك مدة ( 365 يومًا ، وربع يوم )، وهي السنة الشمسية .

وتسمى هذه المنازل بالبروج ، وهذه البروج هي : برج الحمل ، برج الثور ، برج الجوزاء ، برج السرطان ، برج الأسد ، برج السنبلة ، برج الميزان ، برج العقرب ، برج القوس ، برج الجدي ، برج الدلو ، وبرج الحوت  .

انظر : " المخصص " لابن سيده : (2/ 367).

والقمر له ثمانية وعشرون منزلا وأسماؤها: الشرطين، والبطين، والثرياء، والدبران، والهقعة، والهنعة، والذراع، والنسر، والطوف، والجبهة، والزبرة، والصرفة، والعواء، والسماك، والغفر، والزباني، والإكليل، والقلب، والشولة، والنعايم، والبلدة، وسعد الذابح، وسعد بلع، وسعد السعود، وسعد الأخبية، وفرع الدلو المقدم، وفرع الدلو المؤخر، وبطن الحوت.

وهذه المنازل مقسومة على البروج، وهي الاثنا عشر برجًا التي ذكرناها .

ولكل برج منزلان وثلث منزل، فينزل القمر كل ليلة منزلًا منها، ويستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين، وإن كان تسعًا وعشرين، فليلة واحدة، فيكون تلك المنازل، ويكون مقام الشمس في كل منزلة ثلاثة عشر يومًا، فيكون انقضاء السنة مع انقضائها.

انظر: " تفسير البغوي " (4/ 121 - 122).

والله أعلم.
 

آية ذات علاقة

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ

سورة البروج — الآية 1

فتاوى مشابهة

ذكر في تفسير قوله تعالى (على هدىً من ربهم) : أي على هدىً عظيم ؛ لأن التنكير للتعظيم . هل العبارة الأخيرة على إطلاقها ؟ أليس التعريف فيه زيادة مدح كونهم وصفوا بالمصدر ؟

محمد العزب

قول الله تعالى على لسان يوسف: (وقال للذي ظن انه ناج منها....) ما نوع الظن هنا؟ وهل تفسير يوسف كان ظنا؟

عبد الله العواجي

ما تفسير قول الله جل جلاله عند ذكره سيدنا أيوب - عليه السلام - : « و وهبنا له أهله و مثلهم معهم ...» هل يُبعث الموتى قبل يوم القيامة ، مع العلم بأن أهله هلكوا جميعا إلا امرأته كما ثبت ؟ ج: لعل الصواب في ذلك أن الله أكرمه بأن رد عليه أهله بأعيانهم ف...

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

الآية 153من سورة النساء (يسألك أهل الكتاب..) وآية الأعراف (واختار موسى قومه سبعين...) هل هم نفسهم الذين سألوا موسى أن يروا الله جهرة، وجاء في تفسير آية النساء أنهم بعدما صعقوا عبدوا العجل، كيف نوفق بينهما؟

عبير بنت عبد الله النعيم

في قوله تعالى﴿ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم﴾. لم قال سبحانه: (قد) ولَم تكن مباشرة (يعلم ما أنتم عليه...)، وما المعنى؟

عبد الله العواجي

من المخاطب في قوله عز وجل ( وقرن في بيوتكن ) حيث اختلفت كتب التفسير في بيان المعنى؟

عبد الله العواجي

قال تعالى في سورة المائدة آية [١٣] : (يحرفون الكلم عن مواضعه) وقال تعالى في آية [٤١] : (يحرفون الكلم من بعد مواضعه). فما الفرق بين الآيتين وما الحكمة في اختلافهما؟

دلال بنت كويران بن هويمل السلمي

يتحدث القرآن عن سيدنا يونس انه "فظن ان لن نقدر عليه" ظن أن الله لن يضيق عليه رغم تعجله بترك من أرسل اليهم، فهل هذا يعتبر أنه كان يحسن الظن بالله في غير موضعه؟

عبد الله العواجي

جاء في المختصر في التفسير في قول الله تعالى: ( على الأرائك ينظرون ) على الأسرة المزينة ينظرون إلى ما أعد الله لهم من النعيم الدائم. هل ثبت في هذه الآية رؤية الله؟

محمد الطاسان

ذكر الله في القرآن الكريم أنه خلق الأرض و قدر أقواتها و خلق السماوات في ستة أيام و ذلك في سورة فصلت من يوم الأحد إلى يوم الجمعة كما قرأت في التفسير المختصر، فهل خلق آدم كان في تلك المدة أم كان بعده؟

عبد الرحمن بن معاضة الشهري