السؤال

في قوله تعالى : (وألقيتُ عليك محبة مني ولتُصنع على عيني) هل موسى عليه السلام الوحيد الذي حظيَ بهذا الشرف ؟ أم أن غيره من الخلق لهم أن يُلقيَ الله عليهم محبةً منه ويُصنعون على عينه؟ وكيف يستطيع المرء أن يصل إلى هذا المقام؟


الإجابة

الحمد لله  

أولًا :

قوله تعالى عن نبيه موسى :  وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي   طه/ 29 .

أي : " وأَنزلت عليك محبة مني ، إذ أَحببتك، وجعلت من يرونك يحبُّونك ، فأَحبك فرعون وأنزلك منه منزلة الولد ، وأَحبك أَهله وحاشيته ، وفعلْتُ ذلك لكي تربَّى وتنشأَ لديه ، وفي منزله في رعايتي وحفظي " انتهى من "التفسير الوسيط" (6/ 1022).

قال "السعدي" : " ( وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ) فكل من رآه أحبه ( وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ) ولتتربى على نظري وفي حفظي وكلاءتي ، وأي نظر وكفالة أجلّ وأكمل ، من ولاية البر الرحيم ، القادر على إيصال مصالح عبده ، ودفع المضار عنه؟! فلا ينتقل من حالة إلى حالة ، إلا والله تعالى هو الذي دبّر ذلك لمصلحة موسى ، ومن حسن تدبيره ، أن موسى لما وقع في يد عدوه ، قلقت أمه قلقا شديدا ، وأصبح فؤادها فارغا ، وكادت تخبر به ، لولا أن الله ثبتها وربط على قلبها ، ففي هذه الحالة ، حرم الله على موسى المراضع ، فلا يقبل ثدي امرأة قط ، ليكون مآله إلى أمه فترضعه ، ويكون عندها ، مطمئنة ساكنة ، قريرة العين ، فجعلوا يعرضون عليه المراضع ، فلا يقبل ثديًا.

فجاءت أخت موسى ، فقالت لهم: ( هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون ) ( فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ ) " انتهى من "التفسير" (504).

ثانيًا :

وهذه المقامات ليست خاصة بموسى عليه السلام ، من حيث أصلها، وإن كان لموسى عليه السلام، وأنبياء الله الكرام، من ذلك المقام، ما لا يشاركهم فيه أحد ، لاختصاص الله جل جلاله أنبياءه بالاصطفاء والتقريب، ورفع المكانة، وتفضيلهم على العالمين.

وقد قال الله تعالى:  إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا  مريم/96

" قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: سيجعل لهم الرحمن ودا قال: حبا.

وقال مجاهد، عنه: سيجعل لهم الرحمن ودا قال: محبة في الناس في الدنيا.

وقال سعيد بن جبير، عنه: يحبهم ويحببهم، يعني: إلى خلقه المؤمنين. كما قال مجاهد أيضا، والضحاك وغيرهم.

وقال العوفي، عن ابن عباس أيضا: الود من المسلمين في الدنيا، والرزق الحسن، واللسان الصادق.

وقال قتادة: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا إي والله، في قلوب أهل الإيمان، ذكر  لنا أن هرم بن حيان كان يقول: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله إلا أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه، حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم.

وقال قتادة: وكان عثمان بن عفان، رضي الله عنه، يقول: ما من عبد يعمل خيرا، أو شرا، إلا كساه الله، عز وجل، رداء عمله." انتهى، من "تفسير ابن كثير" (5/269).

وروى الإمام "مسلم" في "صحيحه" (2637) : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :  إِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ : إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ ، قَالَ : فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ ، ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ : إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ، قَالَ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ ، وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ : إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ ، قَالَ فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللهَ يُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضُوهُ ، قَالَ : فَيُبْغِضُونَهُ ، ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الْأَرْضِ .

والطريق الموصل لهذه المحبة ، وتلك المعية ، موجود في القرآن المجيد ، وهو : العمل بما يحبه الله ، وترك ما يبغضه الله ، قال "ابن القيم" : " وَالْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ مَمْلُوءَانِ بِذِكْرِ مَنْ يُحِبُّهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ .

وَذِكْرِ مَا يُحِبُّهُ مِنْ أَعْمَالِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ .

كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ) ، ( وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) ، ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) ، ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ ) ، ( فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ) .

وَقَوْلِهِ فِي ضِدِّ ذَلِكَ ( وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ) ، ( وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) ، ( وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ) ، ( إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ) .

وَكَمْ فِي السُّنَّةِ ( أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ كَذَا وَكَذَا ) ، وَ ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ كَذَا وَكَذَا ) ... "  انتهى  من "المدارج" (2/ 26 - 27) .

والله أعلم.

فتاوى مشابهة

ذكر في تفسير قوله تعالى (على هدىً من ربهم) : أي على هدىً عظيم ؛ لأن التنكير للتعظيم . هل العبارة الأخيرة على إطلاقها ؟ أليس التعريف فيه زيادة مدح كونهم وصفوا بالمصدر ؟

محمد العزب

قول الله تعالى على لسان يوسف: (وقال للذي ظن انه ناج منها....) ما نوع الظن هنا؟ وهل تفسير يوسف كان ظنا؟

عبد الله العواجي

ما تفسير قول الله جل جلاله عند ذكره سيدنا أيوب - عليه السلام - : « و وهبنا له أهله و مثلهم معهم ...» هل يُبعث الموتى قبل يوم القيامة ، مع العلم بأن أهله هلكوا جميعا إلا امرأته كما ثبت ؟ ج: لعل الصواب في ذلك أن الله أكرمه بأن رد عليه أهله بأعيانهم ف...

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

الآية 153من سورة النساء (يسألك أهل الكتاب..) وآية الأعراف (واختار موسى قومه سبعين...) هل هم نفسهم الذين سألوا موسى أن يروا الله جهرة، وجاء في تفسير آية النساء أنهم بعدما صعقوا عبدوا العجل، كيف نوفق بينهما؟

عبير بنت عبد الله النعيم

في قوله تعالى﴿ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم﴾. لم قال سبحانه: (قد) ولَم تكن مباشرة (يعلم ما أنتم عليه...)، وما المعنى؟

عبد الله العواجي

من المخاطب في قوله عز وجل ( وقرن في بيوتكن ) حيث اختلفت كتب التفسير في بيان المعنى؟

عبد الله العواجي

قال تعالى في سورة المائدة آية [١٣] : (يحرفون الكلم عن مواضعه) وقال تعالى في آية [٤١] : (يحرفون الكلم من بعد مواضعه). فما الفرق بين الآيتين وما الحكمة في اختلافهما؟

دلال بنت كويران بن هويمل السلمي

يتحدث القرآن عن سيدنا يونس انه "فظن ان لن نقدر عليه" ظن أن الله لن يضيق عليه رغم تعجله بترك من أرسل اليهم، فهل هذا يعتبر أنه كان يحسن الظن بالله في غير موضعه؟

عبد الله العواجي

جاء في المختصر في التفسير في قول الله تعالى: ( على الأرائك ينظرون ) على الأسرة المزينة ينظرون إلى ما أعد الله لهم من النعيم الدائم. هل ثبت في هذه الآية رؤية الله؟

محمد الطاسان

ذكر الله في القرآن الكريم أنه خلق الأرض و قدر أقواتها و خلق السماوات في ستة أيام و ذلك في سورة فصلت من يوم الأحد إلى يوم الجمعة كما قرأت في التفسير المختصر، فهل خلق آدم كان في تلك المدة أم كان بعده؟

عبد الرحمن بن معاضة الشهري