الفتاوى

سبب تسمية يحيى عليه السلام بهذا الاسم، ومعناه
في سورة مريم قال الله تعالى :   يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا  ، فهل هذا يعني أن الله تعالى هو من سمّى نبيه يحيى عليه السلام ؟ وإذا كان الجواب بنعم ، فهل هناك من البشر أحد غيره سمّاه الله أيضا ؟

الإجابة

الحمد لله 

أولًا:

فقد اختلف العلماء في سبب تسمية "يحيى عليه السلام" بهذا الاسم، وكلها أقوال متقاربة، ومنها:

1- لأن الله أحياه بالإيمان .

2- لأنه يموت شهيدًا .

3- لأن الله أحيا له الناس بالهدى.

انظر: "تفسير الطبري" (15/ 461)، "تفسير ابن عطية" (4/ 6).

يقول الشيخ السعدي: " بشره الله تعالى على يد الملائكة بـ "يحيى" ، وسماه الله له "يحيى" ، وكان اسما موافقا لمسماه: يحيا حياة حسية، فتتم به المِنة، ويحيا حياة معنوية، وهي حياة القلب والروح، بالوحي والعلم والدين. لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ، أي: لم يُسم هذا الاسم قبله أحد. ويحتمل أن المعنى: لم نجعل له من قبل مثيلا ومساميا، فيكون ذلك بشارة بكماله، واتصافه بالصفات الحميدة، وأنه فاق من قبله .

ولكن على هذا الاحتمال، هذا العموم لا بد أن يكون مخصوصا بإبراهيم وموسى ونوح عليهم السلام، ونحوهم، ممن هو أفضل من يحيى قطعًا" انتهى من "التفسير"(490).

ثانيًا:

اختلف العلماء في تأويل قوله تعالى: لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا   مريم/7، على أقوال:

1- لم تلد مثله عاقر قط .

قال ابن كثير في تفسيره (5/ 214): " وهذا دليل على أن زكريا عليه السلام، كان لا يولد له، وكذلك امرأته كانت عاقرا من أول عمرها، بخلاف إبراهيم وسارة، عليهما السلام، فإنهما إنما تعجبا من البشارة بإسحاق على كبرهما، لا لِعُقْرهما؛ ولهذا قال: أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون [الحجر: 54] ؛ مع أنه كان قد ولد له قبله إسماعيل بثلاث عشرة سنة.

وقالت امرأته: يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب * قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد [هود: 72، 73].

قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا (8) قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا (9).

هذا تعجب من زكريا، عليه السلام، حين أجيب إلى ما سأل، وبُشِّر بالولد، ففرح فرحا شديدا، وسأل عن كيفية ما يولد له، والوجه الذي يأتيه منه الولد، مع أن امرأته كانت عاقرا ، لم تلد من أول عمرها ، مع كبرها، ومع أنه قد كبر وعتا، أي عسا عظمه ، ونحل ، ولم يبق فيه لقاح ، ولا جماع " انتهى .

2- أنه لا يشبهه أحدٌ ممن جاء قبله، قال البغوي في "التفسير" (5/ 220): " والمعنى: أنه لم يكن له مثل، لأنه لم يعصِ ، ولم يهم بمعصية قط.

وقيل: لم يكن له مثل في أمر النساء، لأنه كان سيدا وحصورا ".

3- أنه لم يسم أحد قبله بهذا الاسم .

والقول الأخير هو الأشبه بالصواب والله أعلم، واختاره الطبري .

انظر: " تفسير الطبري"(15/ 461 - 463).

قال الواحدي: " وعلى هذا : فالفضيلة تثبت ليحيى من حيث إن الله تعالى تولى تسميته باسم لم يُسبق به، ولم يكل تسميته إلى الأبوين ، فكان ذلك تفضيلًا له من هذا الوجه " انتهى من "التفسير البسيط"(14/ 198).

وقال ابن الجوزي: " فإن اعترض معترض، فقال: ما وجه المِدْحة باسم لم يسم به أحد قبله، ونرى كثيرا من الأسماء لم يُسبق إليها؟

فالجواب: أن وجه الفضيلة أن الله تعالى تولى تسميته، ولم يكل ذلك إلى أبويه، فسماه باسم لم يسبق إليه " انتهى من " زاد المسير"(3/ 121).

فالحاصل :

أن الراجح : أن الله تعالى تولى تسمية يحيى عليه السلام بهذا الاسم، ولا نعلم أن الله ذكر في القرآن أن أحدًا سماه الله مباشرة إلا يحيى عليه السلام .

قال ابن عاشور رحمه الله :

" وهذه منة من الله ، وإكرام لزكريا ؛ إذ جعل اسم ابنه مبتكرا .

وللأسماء المبتكرة : مزية قوة تعريف المسمى ، لقلة الاشتراك، إذ لا يكون مثله كثيرا مدة وجوده ، وله مزية اقتداء الناس به من بعدُ ، حين يسمون أبناءهم ذلك الاسم ، تيمنا واستجادة " انتهى من "التحرير والتنوير"(16/ 69).

والله أعلم 
 

Icon