السؤال

أنا طالب جامعي ، ولدينا دكتور يدرسنا العقيدة ، ويقول : بأن التبني جائز ، والدليل هو أن هناك فرق بين (الأب) ، و(الوالد) ، فالأب هو المربي ، ولكن الوالد هو الذي أنجب وخرجت من صلبه ، ودليل كلامه أن الله تعالى قال:  أدعوهم لآبائهم  ، ولَم يقل والديهم ، واستدل بالفرق بين الكلمتين بقوله تعالى:   ... لأبيه آزر..  ، فلماذا رب العالمين حدد اسم الأب ؟ لأنه معلوم إن كان بمعنى الذي أنجب من صلبه؛ فهذا دليل على أن هناك فرق بين الكلمتين ، وبعد هذا الكلام وجدت أن كلامه به منطقية ، ويقول : بأن السلف كانوا يخلطون بين بعض الكلام ؛ لذلك أخطأوا في الفتوى والفهم .


الإجابة

الحمد لله

أولًا:

حرم الله تعالى التبني لأن فيه تضييعًا للأنساب وقد أُمرنا بحفظ أنسابنا .

عن أبي ذر رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول :   ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر ومن ادَّعى قوما ليس له فيهم نسب فليتبوأ مقعده من النار  رواه البخاري (3317)، ومسلم (61) .

ومعنى كفر : أي جاء بأفعال الكفار لا أنه خرج من الدين .

لأن فيه تحريم لما أحل الله وتحليل لما حرم .

وانظر، لمزيد من البيان: (5201).

ثانياً:

أما الحجة التي استند إليها ذلك الدكتور فهي تدل على جهله وضحالة علمه ، ومن عجب أن يصدر مثل هذا ممن تدرج في مراتب التعليم المختلفة ، وممن يُفترض فيهم البحث العلمي .

ولن نذهب بعيدًا فننقل عن المعاجم أن الوالد والأب بمعنى واحد، ولكنا سنذهب إلى القرآن لنرى هل تصح هذه الدعوى، بأن الوالد هو الأب الشرعي، والأب هو الوالد بالتبني !

يقول تعالى عن يعقوب عليه السلام:  أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ  سورة البقرة/133

وقال عن إخوة يوسف: إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ   سورة يوسف/8

وقال:  وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ  سورة يوسف/16

وقال:  وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ  سورة يوسف/38.

وهذه آيات صريحة في استخدام الأب بمعنى الوالد المباشر الصلبي .

واستخدم لفظ "الوالد" و"الوالدة" أيضا ، بنفس المدلول :

قال الله تعالى : (وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ) البلد/3 .

وقال تعالى :  لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا  النساء/7 .

ثم قال في نفس السياق ، بعد ذلك بآيات :  آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا  النساء/11 .

ومن العجب، والأمر كله عجب !! أن هذا (الدكتور) غفل عن باقي الآية الكريمة، وهي قوله تعالى:  فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم  الأحزاب/5.

فلو كان الأب بمعنى المربي ، فكيف يُغفل عنه ، ولا يُعرف ؟!!

ثالثاً :

وسبب نزول الآية يرد عليه أيضًا، فروى البخاري: (4782)، ومسلم: (2425):عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، أنه كان يقول: " ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد ، حتى نزل في القرآن ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله [الأحزاب: 5] ".

يقول ابن كثير: " هذا أمر ناسخ لما كان في ابتداء الإسلام من جواز ادعاء الأبناء الأجانب، وهم الأدعياء، فأمر الله تعالى برد نسبهم إلى آبائهم في الحقيقة، وأن هذا هو العدل والقسط.

.... وقد كانوا يعاملونهم معاملة الأبناء من كل وجه، في الخلوة بالمحارم وغير ذلك .. ولهذا لما نسخ هذا الحكم، أباح تعالى زوجة الدعي، وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش زوجة زيد بن حارثة، وقال: لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا [الأحزاب:37]" انتهى من " تفسير ابن كثير"(6/ 377).

رابعاً:

وأما أن يستخدم "الوالد" أو "الأب" بمعنى المربي ، أو الشفيق : فهذا من مجاز اللغة ، وسعة استعمالاتها ، ثقة بفهم الفاهم ، وعقل العاقل ؛ من غير أن يعبأ صاحب اللسان ، وأهل اللغة : بجهل الجاهلين ، أو هذَر الهاذرين .

والواقع أنه لا معنى للإكثار من الدلائل على مثل هذا الأمر الملعوم ، الذي لا يماري فيه إلا جاهل بلغة العرب ، جاهل بالقرآن الكريم ، جاهل بما مضى عليه أمر الناس ، وتعارفوه فيما بينهم ؛ أو مسفسط ، ينكر البدهيات ، ويريد أن يبحث مع الناس في الضروريات .

ومثل هذا دواؤه الإعراض عنه ، كما قال الله تعالى :  وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ  الأعراف/199

وإنما الذي آلمنا حق الألم : أن يكون طالب جامعي : يصغي إلى مثل هذا الهراء ، ويرى فيه "منطقية" ؟!!

في الله العجب ؛ أن يتسلط الجهال ، على أبنائنا ، ثم ينخدع الأبناء في سن الجامعة بمثل هذا الدجل والهراء ، وإنا لله وإنا إليه راجعون .

والله أعلم 

فتاوى مشابهة

ذكر في تفسير قوله تعالى (على هدىً من ربهم) : أي على هدىً عظيم ؛ لأن التنكير للتعظيم . هل العبارة الأخيرة على إطلاقها ؟ أليس التعريف فيه زيادة مدح كونهم وصفوا بالمصدر ؟

محمد العزب

قول الله تعالى على لسان يوسف: (وقال للذي ظن انه ناج منها....) ما نوع الظن هنا؟ وهل تفسير يوسف كان ظنا؟

عبد الله العواجي

ما تفسير قول الله جل جلاله عند ذكره سيدنا أيوب - عليه السلام - : « و وهبنا له أهله و مثلهم معهم ...» هل يُبعث الموتى قبل يوم القيامة ، مع العلم بأن أهله هلكوا جميعا إلا امرأته كما ثبت ؟ ج: لعل الصواب في ذلك أن الله أكرمه بأن رد عليه أهله بأعيانهم ف...

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

الآية 153من سورة النساء (يسألك أهل الكتاب..) وآية الأعراف (واختار موسى قومه سبعين...) هل هم نفسهم الذين سألوا موسى أن يروا الله جهرة، وجاء في تفسير آية النساء أنهم بعدما صعقوا عبدوا العجل، كيف نوفق بينهما؟

عبير بنت عبد الله النعيم

في قوله تعالى﴿ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم﴾. لم قال سبحانه: (قد) ولَم تكن مباشرة (يعلم ما أنتم عليه...)، وما المعنى؟

عبد الله العواجي

من المخاطب في قوله عز وجل ( وقرن في بيوتكن ) حيث اختلفت كتب التفسير في بيان المعنى؟

عبد الله العواجي

قال تعالى في سورة المائدة آية [١٣] : (يحرفون الكلم عن مواضعه) وقال تعالى في آية [٤١] : (يحرفون الكلم من بعد مواضعه). فما الفرق بين الآيتين وما الحكمة في اختلافهما؟

دلال بنت كويران بن هويمل السلمي

يتحدث القرآن عن سيدنا يونس انه "فظن ان لن نقدر عليه" ظن أن الله لن يضيق عليه رغم تعجله بترك من أرسل اليهم، فهل هذا يعتبر أنه كان يحسن الظن بالله في غير موضعه؟

عبد الله العواجي

جاء في المختصر في التفسير في قول الله تعالى: ( على الأرائك ينظرون ) على الأسرة المزينة ينظرون إلى ما أعد الله لهم من النعيم الدائم. هل ثبت في هذه الآية رؤية الله؟

محمد الطاسان

ذكر الله في القرآن الكريم أنه خلق الأرض و قدر أقواتها و خلق السماوات في ستة أيام و ذلك في سورة فصلت من يوم الأحد إلى يوم الجمعة كما قرأت في التفسير المختصر، فهل خلق آدم كان في تلك المدة أم كان بعده؟

عبد الرحمن بن معاضة الشهري