السؤال

عندما قال أصحاب الكهف:(إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا)سورة الكهف/ 20 ، لماذا ساووا بين شيئين : 1- رجم قومهم لهم . 2- إعادتهم لملتهم حيث أن بين الشيئين "أو" ، والمساواة بقولهم : إن نتيجة هذين الشيئين هو: عدم الفلاح أبدا ، بقولهم : ولن تفلحوا إذا أبدا " ، مع أن المعلوم أن إعادتهم لملتهم الكفرية بالفعل ليس فيه فلاح أبدا لا في الدنيا ولا في الآخرة ، وأن الرجم بل والرجم حتى الموت مع عدم تغيير الملة والبقاء على الإسلام ، وإن لم يكن فلاح في الدنيا فهو بالتأكيد كما علمنا في كتاب الله فلاح في الآخرة ، فلم قيل ولن تفلحوا إذا (أبدا) ؟


الإجابة


الحمد لله 

أولًا:

لا شك أن التدبر في كتاب الله تعالى مشروع، يؤجر صاحبه عليه، وقد دعا الله تعالى الناس إلى تدبر القرآن وتعقله، فقال سبحانه: (أفلا يتدبرون القرآن) ..

وسورة الكهف من السور العظيمة التي يحسن بكل مسلم أن يتدبرها، ففيها بيان سبيل النجاة من الفتن، وفي أولها طريق للنجاة من الفتنة في الدين بذكر قصة الفتية أصحاب الكهف .

 ثانيًا :

معنى الآية الكريمة: " يقول تعالى: (وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا * إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا ) الكهف/19-20،  أي: وكما أرقدناهم ، بعثناهم ، صحيحة أبدانهم وأشعارهم وأبشارهم، لم يفقدوا من أحوالهم وهيئاتهم شيئا، وذلك بعد ثلاثمائة سنة وتسع سنين؛ ولهذا تساءلوا بينهم: (كم لبثتم) ؟ أي: كم رقدتم؟

(قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم) : كان دخولهم إلى الكهف في أول نهار، واستيقاظهم كان في آخر نهار؛ ولهذا استدركوا فقالوا: (أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم) أي: الله أعلم بأمركم، وكأنه حصل لهم نوع تردد في كثرة نومهم، فالله أعلم، ثم عدلوا إلى الأهم في أمرهم إذ ذاك ، وهو احتياجهم إلى الطعام والشراب، فقالوا: (فابعثوا أحدكم بورقكم) أي: فضتكم هذه. وذلك أنهم كانوا قد استصحبوا معهم دراهم من منازلهم لحاجتهم إليها، فتصدقوا منها وبقي منها؛ فلهذا قالوا: (فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة) أي: مدينتكم التي خرجتم منها ، والألف واللام للعهد.

(فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا) : أي: أطيب طعاما .

وقوله (وَلْيَتَلَطَّفْ) أي: في خروجه وذهابه، وشرائه وإيابه، يقولون: ولْيتَخَفَّ، كل ما يقدر عليه. (ولا يشعرن) أي: ولا يُعلمن (بكم أحدا * إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم) أي: إن علموا بمكانكم، (يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم) ، يعنون : أصحاب دقيانوس ؛ يخافون منهم أن يطلعوا على مكانهم، فلا يزالون يعذبونهم بأنواع العذاب إلى أن يعيدوهم في ملتهم التي هم عليها أو يموتوا .

وإن واتَوْهُم على العود في الدين : فلا فلاح لهم في الدنيا ولا في الآخرة، ولهذا قال (ولن تفلحوا إذا أبدا) " انظر تفسير ابن كثير: (5/ 145).

ويقول الشيخ السعدي في بيان الآية: " يقول تعالى: (وكذلك بعثناهم) أي: من نومهم الطويل (ليتساءلوا بينهم) أي: ليتباحثوا للوقوف على الحقيقة من مدة لبثهم.

(قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) وهذا مبني على ظن القائل، وكأنهم وقع عندهم اشتباه. في طول مدتهم، فلهذا (قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ) فردوا العلم إلى المحيط علمه بكل شيء، جملة وتفصيلا .

ولعل الله تعالى -بعد ذلك- أطلعهم على مدة لبثهم، لأنه بعثهم ليتساءلوا بينهم، وأخبر أنهم تساءلوا، وتكلموا بمبلغ ما عندهم، وصار آخر أمرهم، الاشتباه، فلا بد أن يكون قد أخبرهم يقينا، علمنا ذلك من حكمته في بعثهم، وأنه لا يفعل ذلك عبثا.

ومن رحمته بمن طلب علم الحقيقة في الأمور المطلوب علمها، وسعى لذلك ما أمكنه، فإن الله يوضح له ذلك، وبما ذكر فيما بعده من قوله. (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا) ؛ فلولا أنه حصل العلم بحالهم، لم يكونوا دليلا على ما ذكر .

ثم إنهم لما تساءلوا بينهم، وجرى منهم ما أخبر الله به، أرسلوا أحدهم بورقهم، أي: بالدراهم، التي كانت معهم، ليشتري لهم طعاما يأكلونه، من المدينة التي خرجوا منها، وأمروه أن يتخير من الطعام أزكاه، أي: أطيبه وألذه، وأن يتلطف في ذهابه وشرائه وإيابه، وأن يختفي في ذلك، ويخفي حال إخوانه، ولا يشعرن بهم أحدا.

وذكروا المحذور من اطلاع غيرهم عليهم، وظهورهم عليهم، أنهم بين أمرين :

إما الرجم بالحجارة، فيقتلونهم أشنع قتلة، لحنقهم عليهم وعلى دينهم .

وإما أن يفتنوهم عن دينهم، ويردوهم في ملتم، وفي هذه الحال : لا يفلحون أبدا، بل يخسرون في دينهم ودنياهم وأخراهم "، تفسير السعدي: (473).

ثالثًا:

قوله تعالى: (ولن تفلحوا إذا أبدا) [الكهف: 20]، عائد على الرجوع في ملة الكافرين، ولذلك قال الطبري: " ولن تدركوا الفلاح، وهو البقاء الدائم والخلود في الجنان، إذن ؛ أي : إن أنتم عدتم في ملتهم "، جامع البيان: (15/ 215).

فالآية الكريمة تتحدث عن هؤلاء الفتية أن أحد الأمرين سيحصل لهم، إما أن يُرجموا (يقتلوا)، أو يرجعوا إلى ملتهم القديمة، ثم رتبوا على الرجوع في ملتهم فقط : نفي الفلاح في المستقبل .

قال الزجا "(إذا) : يدل على الشرط، أي: ولن تفلحوا إن رجعتم إلى ملتهم أبدًا" . "معاني القرآن" (13/ 570).

والخلاصة
أن هؤلاء الفتية خافوا على أنفسهم ، من ظهور القوم عليهم : أحد الأمرين : إما القتل ، وفيه الهلاك .

وإما أن يكرهوهم على العود إلى ملة الكفر ؛ وفي هذا العود : خسران الدنيا والآخرة .

والله أعلم .

آية ذات علاقة

﴿ إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا

سورة الكهف — الآية 20

فتاوى مشابهة

ذكر في تفسير قوله تعالى (على هدىً من ربهم) : أي على هدىً عظيم ؛ لأن التنكير للتعظيم . هل العبارة الأخيرة على إطلاقها ؟ أليس التعريف فيه زيادة مدح كونهم وصفوا بالمصدر ؟

محمد العزب

قول الله تعالى على لسان يوسف: (وقال للذي ظن انه ناج منها....) ما نوع الظن هنا؟ وهل تفسير يوسف كان ظنا؟

عبد الله العواجي

ما تفسير قول الله جل جلاله عند ذكره سيدنا أيوب - عليه السلام - : « و وهبنا له أهله و مثلهم معهم ...» هل يُبعث الموتى قبل يوم القيامة ، مع العلم بأن أهله هلكوا جميعا إلا امرأته كما ثبت ؟ ج: لعل الصواب في ذلك أن الله أكرمه بأن رد عليه أهله بأعيانهم ف...

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

الآية 153من سورة النساء (يسألك أهل الكتاب..) وآية الأعراف (واختار موسى قومه سبعين...) هل هم نفسهم الذين سألوا موسى أن يروا الله جهرة، وجاء في تفسير آية النساء أنهم بعدما صعقوا عبدوا العجل، كيف نوفق بينهما؟

عبير بنت عبد الله النعيم

في قوله تعالى﴿ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم﴾. لم قال سبحانه: (قد) ولَم تكن مباشرة (يعلم ما أنتم عليه...)، وما المعنى؟

عبد الله العواجي

من المخاطب في قوله عز وجل ( وقرن في بيوتكن ) حيث اختلفت كتب التفسير في بيان المعنى؟

عبد الله العواجي

قال تعالى في سورة المائدة آية [١٣] : (يحرفون الكلم عن مواضعه) وقال تعالى في آية [٤١] : (يحرفون الكلم من بعد مواضعه). فما الفرق بين الآيتين وما الحكمة في اختلافهما؟

دلال بنت كويران بن هويمل السلمي

يتحدث القرآن عن سيدنا يونس انه "فظن ان لن نقدر عليه" ظن أن الله لن يضيق عليه رغم تعجله بترك من أرسل اليهم، فهل هذا يعتبر أنه كان يحسن الظن بالله في غير موضعه؟

عبد الله العواجي

جاء في المختصر في التفسير في قول الله تعالى: ( على الأرائك ينظرون ) على الأسرة المزينة ينظرون إلى ما أعد الله لهم من النعيم الدائم. هل ثبت في هذه الآية رؤية الله؟

محمد الطاسان

ذكر الله في القرآن الكريم أنه خلق الأرض و قدر أقواتها و خلق السماوات في ستة أيام و ذلك في سورة فصلت من يوم الأحد إلى يوم الجمعة كما قرأت في التفسير المختصر، فهل خلق آدم كان في تلك المدة أم كان بعده؟

عبد الرحمن بن معاضة الشهري