الفتاوى

شخص يعتقد بأن الأولياء حماة لنا، ويستدل بآية من القرآن
لدي صديق يؤمن بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس الأتقياء ـ الذين يسميهم أولياء ـ مثل عبد القادر الجيلاني ، هم أولياء وحماة ومساعدين لنا في هذا العالم ، بالإضافة لله سبحانه وتعالى ، واستدل بقوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) آية/55 سورة المائدة لدعم اعتقاده. أرجو توضيح المعنى الحقيقي للآية .

الإجابة

الحمد لله

أولا:

قال الله تعالى: ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) المائدة /55.

والولي: معناه المحب والصديق والنصير؛ ويدل على هذا اللغة وسياق الآية.

فأما اللغة؛ فجاء في "القاموس المحيط" (ص 1344):

" الوَلْيُ: القُرْبُ، والدُّنُوُّ ...

والوَلِيُّ: الاسمُ منه، والمُحِبُّ، والصَّدِيقُ، والنَّصيرُ " انتهى.

وأما سياق الآية؛ فإن ما سبقها من الآيات ينهى عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء؛ حيث قال الله تعالى:

( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ * وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ ) المائدة /51 - 53.

قال ابن عطية رحمه الله تعالى:

" الخطاب بقوله: ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ ) الآية ، للقوم الذين قيل لهم ( لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ ) " انتهى، من "المحرر الوجيز" (2 / 208).

والنهي عن اتخاذهم أولياء؛ أي النهي عن مناصرتهم وصداقتهم ومحبتهم؛ كما قال الله تعالى:

( لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) المجادلة (22).

ولا يستقيم المعنى إذا فسرت بمعنى النهي عن طلب مساعدتهم في جلب النفع ودفع الضر، فهذا لا يتصوره عاقل.

فالحاصل؛ أن سياق الآية يدل على أن الولاية هنا بمعنى المحبة والصداقة والنصرة، وعلى هذا نص أئمة التفسير.

قال الطبري رحمه الله تعالى:

" يعني تعالى ذكره بقوله: ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ): ليس لكم أيها المؤمنون، ناصر إلا الله ورسوله، والمؤمنون الذين صفتهم ما ذكر تعالى ذكره، فأما اليهود والنصارى الذين أمركم الله أن تبرأوا من وَلايتهم، ونهاكم أن تتخذوا منهم أولياء، فليسوا لكم أولياء ولا نُصرَاء، بل بعضهم أولياء بعض، ولا تتخذوا منهم وليًّا ولا نصيرًا " انتهى، من "تفسير الطبري" (8 / 529).

ثانيا:

تخصيص هذا الشخص للولي في هذه الآية بأشخاص معينين اشتهروا بالصلاح كالشيخ عبد القادر الجيلاني، هو تخصيص للآية بلا دليل، وقول على الله بلا علم؛ لأن الآية نصت أن الولي من المؤمنين هو كل من آمن وأقام الصلاة وحافظ عليها وآتى الزكاة، حيث قال الله تعالى: ( وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ). المائدة/ 55.

قال القرطبي رحمه الله تعالى:

" والذين" عام في جميع المؤمنين؛ وقد سئل أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم عن معنى ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ): هل هو علي بن أبي طالب؟ فقال: علي من المؤمنين، يذهب إلى أن هذا لجميع المؤمنين. قال النحاس: وهذا قول بيِّن، لأن "الذين" لجماعة " انتهى. "تفسير القرطبي" (8 / 54).

كما أن تفسير هذا الشخص هو تفسير شركي يبطله ما تقرر في نصوص الكتاب والسنة وما تقرر عند جميع المسلمين من عقيدة الإسلام، من أن الضر والنفع كله بيد الله تعالى، فلا يطلب نفع ولا دفع ضر إلا من الله تعالى وحده.

كما قال الله تعالى، مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم:

( قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) الأعراف /188.

قال أبو حيان الأندلسي رحمه الله تعالى :

" وهذا منه عليه السلام إظهار للعبودية ، وانتفاء عما يختص بالربوبية ، من القدرة وعلم الغيب ، ومبالغة في الاستسلام ؛ فلا أملك لنفسي اجتلاب نفع ولا دفع ضر، فكيف أملك علم الغيب؟ كما قال في سورة يونس : ( وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ) " انتهى، من "البحر المحيط" (4 / 552).

وقال الله تعالى:

( وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ، قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا ، قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا ، قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا ، إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ، حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا ، قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا ، عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا ، لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا ) الجن /19 - 28.

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى:

" ( قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا ) فإني عبد ؛ ليس لي من الأمر ولا من التصرف شيء.

( قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ ) أي: لا أحد أستجير به ينقذني من عذاب الله .

وإذا كان الرسول الذي هو أكمل الخلق، لا يملك ضرا ولا رشدا، ولا يمنع نفسه من الله شيئا إن أراده بسوء، فغيره من الخلق من باب أولى وأحرى " انتهى. "تفسير السعدي" (891).

وراجع للأهمية، الفتوى رقم (133081) ورقم (200862) ورقم (153666).

والله أعلم.

Icon