السؤال

يقول سبحانه وتعالى في سورة النور الآية /61:( لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا ۚ فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تعقلون ). سؤالي لماذا كرر الله سبحانه وتعالى كلمة حرج وكلمة بيوتكم مع أن البلاغة تتضمن القدرة على إيصال المعنى بوضوح بأقل عدد من الكلمات ؟ وقال أيضا في آية أخرى : (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) . مع الملاحظة أن الله سبحانه لم يكرر كلمة حرج للضعفاء والمرضى . أرجو التوضيح لماذا كررها في الآية الأولى ولم يكررها في الآية الثانية ؟ هل من بلاغة في هاتين الآيتين حتى جعلتها تأتي بهذه الصيغة ؟


الإجابة


الحمد لله

أولًا:

التكرار في القرآن الكريم جاء على طريقة العرب في البيان، فإن "للتكرار مواضع يحسن فيها، ومواضع يقبح فيها، فأكثر ما يقع التكرار في الألفاظ دون المعاني، وهو في المعاني دون الألفاظ أقلّ".

أما وجوده في القرآن " فحكمته التصرف في الكلام وإتيانه على ضروب؛ ليُعلمهم عجزهم عن جميع طرق ذلك: مبتدأ به ومتكرر".

انظر : العمدة، لابن رشيق: (2/ 73)، والبرهان، للزركشي: (1/ 112).

والبلاغة ليست هي مجرد الإيجاز في الكلام ، كما ذكر في السؤال ؛ بل هي مراعاة الكلام لمقتضى الحال، فقد يقتضي الحال طول الكلام وبسطه، فتكون البلاغة في بسطه ، على طرائق البيان والفصاحة ، ومجاري لسان العرب . وقد يقتضي المقام إيجاز القول ، فتكون البلاغة في إيجازه ، مع بلوغ الغرض ، وإصابة المعنى ، وفصاحة اللفظ ، واستقامة النظم .

قال السبكي: " اعلم أن إخراج الكلام على مقتضى الحال، يكون تارة بالإيجاز والإطناب، وتارة بالمساواة، على خلاف في المساواة " عروس الأفراح: ( 1/ 575).

ثانيًا:

هذه الآية الكريمة تتحدث عن نفي الحرج عن هؤلاء الثلاثة: (الأعمى - الأعرج - المريض)، وحرج كل واحد من هؤلاء الثلاثة يختلف عن حرج الآخر، فلذلك وقع التكرار هنا .

قال العلامة ابن عاشور رحمه الله : " هذه الآية نفي للحرج عن هؤلاء الثلاثة ، فيما تجره ضرارتهم إليهم من الحرج من الأعمال ؛ فالحرج مرفوع عنهم في كل ما تضطرهم إليه أعذارهم، فتقتضي نيتهم الإتيان فيه بالإكمال ، ويقتضي العذر أن يقع منهم.

فالحرج منفي عن الأعمى في التكليف الذي يشترط فيه البصر، وعن الأعرج فيما يشترط فيه المشي والركوب، وعن المريض في التكليف الذي يؤثر المرض في إسقاطه كالصوم وشروط الصلاة والغزو" التحرير والتنوير: (18/ 300).

و"المناسبة في ذكر هذه الرخصة عقب الاستئذان: أن المقصد الترخيص للأعمى أنه لا يتعين عليه استئذان لانتفاء السبب الموجبة، ثم ذكر الأعرج والمريض إدماجا ، وإتماما لحكم الرخصة لهما للمناسبة بينهما وبين الأعمى.

وقد أذن الله للأعمى والأعرج والمريض أن يدخلوا البيوت للأكل لأنهم محاويج ، لا يستطيعون التكسب ، وكان التكسب زمانئذ بعمل الأبدان ؛ فرخص لهؤلاء أن يدخلوا بيوت المسلمين لشبع بطونهم"، انظر: المصدر السابق .

ولم يقع هذا التكرار في الآية الأخرى لاشتراكهم في نفس الحكم، وهو نفي الحرج عنهم في النفقة والغزو .

ثالثًا:

أما تكرر كلمة (بيوت) في الآية الكريمة، فلعله - والله أعلم - لئلا يتوهم اشتراك الجميع في بيت واحد، فبيت كل واحد من الأصناف المذكورة مستقل عن بيت الآخر .

والخلاصة
نفى الله عز وجل الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض، وكرر الله ذكر الحرج، لأن الله تعالى أراد رفع التكليف عنهم كل بحسب المشقة التي تلحقه جراء الضر الذي أصابه، ونفى الله عنهم الحرج مجتمعين في أمر الجهاد، لأنهم اشتركوا في نفس المسألة .

وكرر الله ذكر البيوت لئلا يوهم اشتراك الجميع في بيت واحد، فلكل بيته، وكل منهم يجري على بيته ذكر الحكم .

وينظر للاستزادة جواب السؤال رقم (258415) .
والله أعلم

آية ذات علاقة

﴿ لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا ۚ فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ

سورة النور — الآية 61

فتاوى مشابهة

ذكر في تفسير قوله تعالى (على هدىً من ربهم) : أي على هدىً عظيم ؛ لأن التنكير للتعظيم . هل العبارة الأخيرة على إطلاقها ؟ أليس التعريف فيه زيادة مدح كونهم وصفوا بالمصدر ؟

محمد العزب

قول الله تعالى على لسان يوسف: (وقال للذي ظن انه ناج منها....) ما نوع الظن هنا؟ وهل تفسير يوسف كان ظنا؟

عبد الله العواجي

ما تفسير قول الله جل جلاله عند ذكره سيدنا أيوب - عليه السلام - : « و وهبنا له أهله و مثلهم معهم ...» هل يُبعث الموتى قبل يوم القيامة ، مع العلم بأن أهله هلكوا جميعا إلا امرأته كما ثبت ؟ ج: لعل الصواب في ذلك أن الله أكرمه بأن رد عليه أهله بأعيانهم ف...

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

الآية 153من سورة النساء (يسألك أهل الكتاب..) وآية الأعراف (واختار موسى قومه سبعين...) هل هم نفسهم الذين سألوا موسى أن يروا الله جهرة، وجاء في تفسير آية النساء أنهم بعدما صعقوا عبدوا العجل، كيف نوفق بينهما؟

عبير بنت عبد الله النعيم

في قوله تعالى﴿ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم﴾. لم قال سبحانه: (قد) ولَم تكن مباشرة (يعلم ما أنتم عليه...)، وما المعنى؟

عبد الله العواجي

من المخاطب في قوله عز وجل ( وقرن في بيوتكن ) حيث اختلفت كتب التفسير في بيان المعنى؟

عبد الله العواجي

قال تعالى في سورة المائدة آية [١٣] : (يحرفون الكلم عن مواضعه) وقال تعالى في آية [٤١] : (يحرفون الكلم من بعد مواضعه). فما الفرق بين الآيتين وما الحكمة في اختلافهما؟

دلال بنت كويران بن هويمل السلمي

يتحدث القرآن عن سيدنا يونس انه "فظن ان لن نقدر عليه" ظن أن الله لن يضيق عليه رغم تعجله بترك من أرسل اليهم، فهل هذا يعتبر أنه كان يحسن الظن بالله في غير موضعه؟

عبد الله العواجي

جاء في المختصر في التفسير في قول الله تعالى: ( على الأرائك ينظرون ) على الأسرة المزينة ينظرون إلى ما أعد الله لهم من النعيم الدائم. هل ثبت في هذه الآية رؤية الله؟

محمد الطاسان

ذكر الله في القرآن الكريم أنه خلق الأرض و قدر أقواتها و خلق السماوات في ستة أيام و ذلك في سورة فصلت من يوم الأحد إلى يوم الجمعة كما قرأت في التفسير المختصر، فهل خلق آدم كان في تلك المدة أم كان بعده؟

عبد الرحمن بن معاضة الشهري