عن عبد الله بن مسعود، وناس من أصحاب النبي - ﷺ - -من طريق السدي، عن مُرَّة الهمداني-، وعبد الله بن عباس -من طريق السدي، عن أبي مالك وأبي صالح- في قوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾، قال: لم تكونوا شيئًا، فخلقكم، ثم يُمِيتكم، ثم يُحْيِيكم يوم القيامة
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن جُرَيْج، عن عطاء الخراساني- في قوله: ﴿وكنتم أمواتا﴾ في أصلاب آبائكم، لم تكونوا شيئًا، حتى خلقكم، ثم يميتكم موتة الحق، ثم يحييكم حين يبعثكم. قال: وهي مثل قوله: ﴿ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين﴾ [غافر:١١]
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- في قوله: ﴿ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين﴾ [غافر:١١]، قال: كنتم ترابًا قبل أن يخلقكم؛ فهذه ميتة، ثم أحياكم فخلقكم؛ فهذه حياة، ثم يميتكم فترجعون إلى القبور؛ فهذه ميتة أخرى، ثم يبعثكم يوم القيامة؛ فهذه حياة؛ فهما ميتتان وحياتان، فهو قوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾
عن عبد الله بن مسعود، وناس من أصحاب النبي - ﷺ - -من طريق السدي، عن مُرَّة الهمداني-، وعن عبد الله بن عباس -من طريق السدي، عن أبي مالك وأبي صالح- في قوله: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات﴾، قال: إنّ الله كان عرشُه على الماء، ولم يخلُق شيئًا قبل الماء، فلَمّا أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دُخانًا، فارتفع فوق الماء، فسَما عليه، فسَمّاه سماءً، ثم أيْبَسَ الماء، فجعله أرضًا واحدة، ثم فَتَقَها، فجعلها سبع أرضين في يومين؛ في الأحد والاثنين، فخلق الأرض على حوتٍ، وهو الذي ذكره في قوله:﴿ن والقلم﴾ [القلم: ١]، والحوتُ في الماء، والماءُ على ظهر صَفاةٍ، والصَّفاة على ظهر ملك، والملكُ على صخرة، والصخرةُ في الريح، وهي الصخرةُ التي ذكرها لقمان، ليست في السماء ولا في الأرض، فتحرك الحوت، فاضطرَب، فتزلزلت الأرض، فأرسى عليها الجبالَ، فقرّت، فالجبال تفخر على الأرض، فذلك قوله: ﴿وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم﴾ [النحل: ١٥]. وخلق الجبال فيها، وأقوات أهلها، وشجرها، وما ينبغي لها في يومين؛ في الثلاثاء والأربعاء، وذلك قوله: ﴿إنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض﴾ إلى قوله: ﴿وبارك فيها﴾ [فصلت: ٩ - ١٠]، يقول: أنبت شجرها، ﴿وقدر فيها أقواتها﴾ يقول: أقواتها لأهلها، ﴿في أربعة أيام سواء للسائلين﴾ يقول: من سأل فهكذا الأمر، ﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان﴾ [فصلت: ١١]، وكان ذلك الدخانُ من تَنَفُّسِ الماء حين تَنَفَّس، فجعلها سماءً واحدة، ثم فتقها، فجعلها سبع سموات في يومين؛ في الخميس والجمعة، وإنما سُمِّي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السموات والأرض، ﴿وأوحى في كل سماء أمرها﴾ [فصلت: ١٢] قال: خلق في كل سماء خَلْقَها؛ من الملائكة، والخلق الذي فيها من البحار، وجبال البَرَد، ومما لا يُعلم، ثم زَيَّن السماء الدنيا بالكواكب، فجعلها زينةً وحِفْظًا من الشياطين. فلمّا فرغ من خلق ما أحبَّ استوى على العرش، فذلك حين يقول: ﴿خلق السموات والارض في ستة أيام﴾ [الأعراف: ٥٤]، يقول: ﴿كانتا رتقا ففتقناهما﴾ [الأنبياء: ٣٠]
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله -حيث ذكر خلق الأرض قبل السماء، ثم ذكر السماء قبل الأرض، وذلك أن الله خَلَق الأرض بأقواتها من غير أن يدحوها قبل السماء-: ﴿ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات﴾، ثم دحا الأرض بعد ذلك، فذلك قوله: ﴿والأرض بعد ذلك دحاها﴾ [النازعات:٣٠]
عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح- في قوله: ﴿فسواهن﴾، يعني: خلق سبع سموات. قال: أجرى النار على الماء، فبَخَرَ البحر، فصعد في الهواء، فجعل السموات منه
عن عبد الله بن مسعود، وناس من أصحاب النبي - ﷺ - -من طريق السُّدِّيّ، عن مُرَّة الهمداني-، وعبد الله بن عباس -من طريق السُّدِّيّ، عن أبي مالك وأبي صالح-: لَمّا فَرَغَ اللهُ مِن خَلْق ما أحبَّ استوى على العرش، فجعل إبليسُ على مُلْك سماء الدنيا، وكان من قبيلةٍ من الملائكة يقال لهم: الجن؛ وإنما سموا الجِنَّ لأنهم خُزّان الجنة، وكان إبليس مع مُلْكِه خازِنًا، فوقع في صدره كِبْر، وقال: ما أعطاني الله هذا إلا لمزيد لي على الملائكة، فلما وقع ذلك الكِبْرُ في نفسه اطَّلَع الله على ذلك منه، فقال الله للملائكة: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾. قالوا: ربَّنا، وما يكون ذلك الخليفة؟ قال: يكون له ذريةٌ، يُفْسِدون في الأرض، ويَتَحاسَدُون، ويقتل بعضهم بعضًا. قالوا: ربنا، أتجعل فيها من يفسد فيها، ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟! قال: إني أعلم ما لا تعلمون. يعني: من شأن إبليس. فبعث جبريلَ - عليه السلام - إلى الأرض؛ ليأتيه بطِين منها، فقالت الأرض: إنِّي أعوذ بالله منك أن تنقص مني، أو تُشِينَنِي. فرجع، ولم يأخذ، وقال: ربِّ، إنها عاذتْ بك؛ فأعذتُها. فبعث الله ميكائيل، فعاذت منه، فأعاذها، فرجع، فقال كما قال جبريل، فبعث ملك الموت، فعاذت منه، فقال: وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره. فأخذ من وجه الأرض، وخلط، فلم يأخذ من مكان واحد، وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء؛ فلذلك خرج بنو آدم مختلفين، فصعد به، فبلَّ التراب حتى عاد طينًا لازِبًا -واللازِب: هو الذي يلتزق بعضه ببعض-، ثم تُرِك حتى أنتَن وتَغَيَّر، وذلك حين يقول: ﴿من حمإٍ مسنون﴾ [الحجر: ٢٦]، قال: مُنتِن. ثم قال للملائكة: ﴿إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين﴾ [ص: ٧٢]، فخلقه الله بيديه لكيلا يتكبر إبليس عليه؛ ليقول له: تتكبَّر عما عَمِلْتُ بيَدَيَّ ولم أتكبر أنا عنه؟ فخلقه بشرًا، فكان جسدًا من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة، فمَرَّت بهالملائكة، ففزِعوا منه لَمّا رَأَوْه، وكان أشدهم منه فَزَعًا إبليس، فكان يَمُرُّ فيضربه، فيُصَوِّت الجسدُ كما يُصَوِّت الفَخّارُ، وتكون له صَلْصَلَة، فذلك حين يقول: ﴿من صلصال كالفخار﴾ [الرحمن: ١٤]، ويقول: لأمر ما خُلِقْتَ. ودخل من فِيه، فخرج من دُبُرِه، فقال للملائكة: لا ترهبوا من هذا، فإن ربكم صَمَد، وهذا أجْوَف، لئن سُلِّطت عليه لأُهْلِكَنَّه. فلما بلغ الحينُ الذي يريد الله -جل ثناؤه- أن ينفخ فيه الروح، قال للملائكة: إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له. فلما نفخ فيه الروح، فدخل الروح في رأسه عَطَس، فقالت له الملائكة: قل: الحمد لله. فقال: الحمد لله. فقال له الله: رحمك ربك. فلما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام، فوثب قبل أن تبلغ الروح رجليه عَجْلان إلى ثمار الجنة، فذلك حين يقول: ﴿خلق الإنسان من عجل﴾ [الأنبياء: ٣٧]. ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين﴾ [الحجر: ٣٠ - ٣١]، أي: استكبر، وكان من الكافرين. قال الله له: ما منعك أن تسجد إذ أمرتك لما خَلَقْتُ بيَدَيَّ؟ قال: أنا خير منه، لم أكن لأسجد لبشر خلقتَه من طين. قال الله له: اخرج منها ﴿فما يكون لك﴾ يعني: ما ينبغي لك ﴿أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين﴾ [الأعراف: ١٣]. والصَّغار هو الذُّلُّ. قال: ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾، ثم عَرَض الخلق على الملائكة، فقال: ﴿أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين﴾ أنّ بني آدم يُفْسِدون في الأرض، ويسفكون الدماء. فقالوا له: ﴿سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم﴾. قال الله: ﴿يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون﴾. قال: قولهم: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾، فهذا الذي أبدوا، وأعلم ما كنتم تكتمون، يعني: ما أسَرَّ إبليسُ في نفسه من الكِبْر
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- قال: كان إبليس مِن حَيٍّ من أحياء الملائكة، يقال لهم: الجن، خُلِقوا من نار السَّمُوم من بين الملائكة، قال: وكان اسمه: الحارث. قال: وكان خازِنًا من خُزّان الجنة. قال: وخُلِقَت الملائكة كلهم من نورٍ غير هذا الحي. قال: وخُلِقَت الجِنُّ الذين ذُكِروا في القرآن من مارج من نار -وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا أُلهِبَت-. قال: وخُلِق الإنسان من طين، فأول من سكن الأرضَ الجنُّ، فأفسدوا فيها، وسفكوا الدماء، وقتل بعضهم بعضًا. قال: فبعث الله إليهم إبليسَ في جُندٍ من الملائكة -وهم هذا الحي الذين يقال لهم: الجن-، فقتلهم إبليسُ ومن معه، حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال، فلمّا فعل إبليس ذلك اغْتَرَّ في نفسه، وقال: قد صنعتُ شيئًا لم يصنعه أحد. قال: فاطَّلع اللهُ على ذلك مِن قلبه، ولم تَطَّلِع عليه الملائكةُ الذين كانوا معه؛ فقال الله للملائكة الذين معه: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾. فقالت الملائكة مجيبين له: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾، كما أفسدت الجنُّ، وسفكت الدماء، وإنما بعثتنا عليهم لذلك. فقال: ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾. يقول: إني قد اطَّلَعْتُ مِن قَلْب إبليس على ما لم تَطَّلِعوا عليه من كِبْره واغْتِراره. قال: ثم أمر بتربة آدم فرُفِعَت، فخلق الله آدم من طين لازِب -واللازب: اللَّزِج الطيِّب- من حَمَأٍ مَسْنُون مُنتِن. قال: وإنما كان حَمَأً مسنونًا بعد التراب. قال: فخلق منه آدم عليه السلام بيده. قال: فمكث أربعين ليلة جسدًا مُلْقًى، فكان إبليس يأتيه، فيضربه برجله، فيُصَلْصِل -أي: فيُصَوِّت-. قال: فهو قول الله -تعالى ذِكْرُه-: ﴿من صلصال كالفخار﴾ [الرحمن:١٤]. يقول: كالشيء المنفوخ الذي ليس بمُصْمَت. قال: ثم يدخل في فِيه، ويَخْرُج من دُبُرِه، ويدخل من دُبُره، ويَخْرُج مِن فيه. ثم يقول: لَسْتَ شيئًا للصَّلْصَلَة، ولشيء ما خُلِقت! لَئِن سُلِّطتُّ عليك لأُهْلِكَنَّك، ولئن سُلِّطتَّ عَليَّ لأَعْصِيَنَّك. قال: فلمّا نفخ الله فيه من روحه، أتت النفخة من قِبل رأسه، فجعل لا يجري شيء منها في جسده إلا صار لحمًا ودَمًا، فلما انتهت النفخة إلى سُرَّتِه نظر إلى جسده، فأعجبه ما رأى من حُسْنه، فذهب لينهض فلم يَقْدِر، فهو قول الله: ﴿وكان الإنسان عجولا﴾ [الإسراء:١١]. قال: ضَجِرًا، لا صبر له على سراء ولا ضراء. قال: فلمّا تَمَّت النفخة في جسده عَطَس، فقال: الحمد لله رب العالمين. بإلهام الله له. فقال الله له: يرحمك الله، يا آدم. قال: ثم قال الله للملائكة الذين كانوا مع إبليس خاصة دون الملائكة الذين في السموات: اسجدوا لآدم. فسجدوا كلهم أجمعون، إلا إبليس أبى واستكبر، لِما كان حدَّث به نفسَه من كِبْرِه واغْتِراره، فقال: لا أسجد له، وأنا خير منه، وأكبر سِنًّا، وأقوى خَلْقًا، خلقتني من نار وخلقته من طين. يقول: إنّ النار أقوى من الطين. قال: فلَمّا أبى إبليسُ أن يسجد أبْلَسَه الله، أي: آيَسَه من الخيرِ كُلِّه، وجعله شيطانًا رجيمًا؛ عقوبة لمعصيته. ثُمَّ عَلَّم آدم الأسماء كلها، وهي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس: إنسان، ودابة، وأرض، وسهل، وبحر، وجبل، وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها. ثم عرض هذه الأسماء على أولئك الملائكة -يعني: الملائكة الذين كانوا مع إبليس الذين خُلِقوا من نار السَّموم-، وقال لهم: ﴿أنبئوني بأسماء هؤلاء﴾ يقول: أخبروني بأسماء هؤلاء، ﴿إن كنتم صادقين﴾: إن كنتم تعلمون لِمَ أجعل في الأرض خليفة. قال: فلَمّا علمت الملائكةُ مؤاخذة الله عليهم فيما تكلموا به من علم الغيب الذي لا يعلمه غيره، الذي ليس لهم به علم، قالوا: ﴿سبحانك﴾ تنزيهًا لله من أن يكون أحد يعلم الغيب غيره، تُبْنا إليك، ﴿لا علم لنا إلا ما علمتنا﴾ تَبَرِّيًا منهم من علم الغيب ﴿إلا ما علمتنا﴾ كما علمتَ آدم. فقال: ﴿يا آدم أنبئهم بأسمائهم﴾ يقول: أخْبِرْهم بأسمائهم، ﴿فلما أنبأهم بأسمائهم﴾ يقول: أخبرهم بأسمائهم، ﴿قال ألم أقل لكم﴾ أيها الملائكة خاصة: ﴿إني أعلم غيب السموات والأرض﴾، ولا يعلمه غيري، ﴿وأعلم ما تبدون﴾ يقول: ما تظهرون، ﴿وما كنتم تكتمون﴾ يقول: أعلم السر كما أعلم العلانية، يعني: ما كَتَم إبليسُ في نفسه من الكِبْر والاغْتِرار