عن عبد الله بن عباس -من طريق مِقْسَم- في قوله: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك﴾، قال: تشاوَرَتْ قريش ليلةً بمكة، فقال بعضهم: إذا أصْبَح فأَثْبِتوه بالوَثاق. يريدون النبي ﷺ، وقال بعضهم: بل اقتلوه. وقال بعضهم: بل أخْرِجوه. فأَطْلَع اللهُ نبيَّه ﷺ على ذلك، فبات عليٌّ على فراش النبي ﷺ، وخرج النبي ﷺ حتى لَحِق بالغار، وبات المشركون يَحْرُسون عليًّا يحسبونه النبي ﷺ، فلمّا أصبحوا ثاروا إليه، فلما رَأَوْا عليًّا ردَّ الله مَكْرهم، فقالوا: أين صاحبُك هذا؟ قال: لا أدري. فاقْتَصُّوا أثَره، فلما بلَغوا الجبل اختلَط عليهم، فصَعِدوا في الجبل، فمرُّوا بالغار، فرأَوا على بابه نَسْج العنكبوت، فقالوا: لو دخل هاهنا لم يكن نَسْجُ العنكبوت على بابه. فمكث فيه ثلاث ليال
عن عبد الله بن عباس -من طريق مجاهد-: أنّ نفرًا من قريش ومن أشراف كلِّ قبيلة اجتمَعوا لِيَدْخلوا دار الندوة، واعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رَأَوْه قالوا: مَن أنت؟ قال: شيخٌ من أهل نَجْد، سمعتُ بما اجتمَعْتم له؛ فأرَدْتُ أن أحضُرَكم، ولن يَعْدَمَكم مِنِّي رَأْي ونصح. قالوا: أجل، فادخل. فدخل معهم، فقال: انظروا في شأن هذا الرجل، فواللهِ، لَيُوشِكَنَّ أن يُواتِيَكم في أمركم بأمره. فقال قائل: احبِسوه في وثاق، ثم تَرَبَّصوا به المنون حتى يهلك كما هلك مَن كان قبله مِن الشعراء؛ زُهَيرٌ ونابِغَة، فإنما هو كأحدهم. فقال عدوُّ الله الشيخُ النجدي: لا والله، ما هذا لكم برأْي، والله لَيَخْرُجَنَّ رأْيُه مِن مَحْبِسِه لأصحابه، فلَيُوشِكَنَّ أن يَثِبوا عليه حتى يأخذوه مِن أيديكم، ثم يمنعوه منكم، فما آمَنُ عليكم أن يُخْرِجوكم مِن بلادكم، فانظروا في غير هذا الرَّأْي. فقال قائل منهم: فأخْرِجوه مِن بين أظهركم فاستريحوا منه، فإنه إذا خرج لم يضُرَّكم ما صَنَع وأين وقَع، وإذا غاب عنكم أذاهُ استرحتم منه، وكان أمره في غيركم. فقال الشيخ النجدي: لا والله، ما هذا لكم برأْي، ألَمْ تَرَوْا حلاوة قوله، وطَلاقة لسانه، وأَخْذَه للقلوب بما يُستَمَعُ مِن حديثه، والله لئن فعلتم ثم اسْتَعْرَض العربَ لَتَجْتَمِعَنَّ إليه، ثم لَيَسِيرَنَّ إليكم حتى يُخْرِجَكم مِن بلادكم ويَقْتُلَ أشرافكم. قالوا: صدَق والله، فانظروا رَأْيًا غير هذا. فقال أبو جهل: والله، لَأُشِيرَنَّ عليكم برأيٍ أبْصَرْتُموه بعد، ما أرى غيرَه. قالوا: وما هذا؟ قال: نأخذ مِن كلِّ قبيلة غلامًا وسِيطًا شابًّا نَهْدًا، ثم يُعْطى كلُّ غلام منهم سيفًا صارِمًا، ثم يضربونه، يعني: ضربةَ رجل واحد، فإذا قتلتموه تفرَّق دمُه في القبائل كلِّها، فلا أظنُّ هذا الحيَّ من بني هاشم يَقْدِرون على حرب قريش كلِّهم، وإنّهم إذا رَأَوْا ذلك قَبِلوا العَقْلَ، واسترحنا وقطَعْنا عنّا أذاه. فقال الشيخ النَّجديُّ: هذا والله هو الرأي، القولُ ما قال الفتى، لا أرى غيرَه. فتفرَّقوا على ذلك وهم مُجْمِعُون له، فأتى جبريلُ رسولَ الله ﷺ، فأمَره ألّا يَبِيتَ في مَضْجعِه الذي كان يَبِيتُ فيه، وأخبره بمكر القوم، فلم يَبِتْ رسول الله ﷺ في بيته تلك الليلة، وأَذِن الله له عند ذلك في الخروج، وأمَرهم بالهجرة، وافترَض عليهم القتال، فأنزَل الله: ﴿أذن للذين يقاتلون﴾ [الحج:٣٩]. فكانت هاتان الآيتان أولَ ما نزل في الحرب، وأنزل عليه بعد قدومه المدينة يذكُرُ نعمتَه عليه: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا﴾ الآية
عن عبد الله بن عباس -من طريق عمرو بن ميمون-، قال: شَرى عَلِيٌّ نفسَه، ولَبِس ثوبَ النبي ﷺ، ثم نام مكانه، وكان المشركون يَرْمُون رسول الله ﷺ، وكانت قريش تريد أن تقتل النبي ﷺ، فجعلوا يَرْمُون عليًّا، ويُرَوْنه النبي ﷺ، وجعل عَلِيٌّ يَتَضَوَّرُ، فإذا هو عليٌّ، فقالوا: إنّك لَلَئِيمٌ، إنّك لَتَتَضَوَّرُ، وكان صاحبك لا يَتَضَوَّر، ولقد استنكرناه منك