جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ مذكره نعمه عليه : واذكر يا محمد، إذ يمكر بك الذين كفروا من مشركي قومك كي يثبتوك.
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : لِيُثْبِتُوكَ فقال بعضهم : معناه : ليقيدوك. ذكر من قال ذلك.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ يعني : ليوثقوك.
قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : لِيُثْبِتُوكَ ليوثقوك.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَإذْ يَمْكُرُ بك الّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ. . . الآية، يقول : ليشدّوك وثاقا، وأرادوا بذلك نبيّ الله النبيّ ﷺ وهو يومئذٍ بمكة.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ومِقْسم، قالا : قالوا : أوثقوه بالوثاق
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : لِيُثْبِتُوكَ قال : الإثبات : هو الحبس والوثاق.
وقال آخرون : بل معناه الحبس. ذكر من قال ذلك.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : سألت عطاء عن قوله : لِيُثْبِتُوكَ قال : يَسجنوك. وقالها عبد الله بن كثير.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، قالوا : اسجنوه
وقال آخرون : بل معناه : ليسحروك. ذكر من قال ذلك.
حدثني محمد بن إسماعيل البصريّ المعروف بالوساوسي، قال : حدثنا عبد المجيد بن أبي روّاد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير عن المطلب بن أبي وداعة، أن أبا طالب قال لرسول الله ﷺ : ما يأتمر به قومك ؟ قال :«يُرِيدُونَ أنْ يَسْحَرُونِي ويَقْتُلُونِي ويُخْرِجُونِي » فقال : من أخبرك بهذا ؟ قال :«ربي » قال : نعم الربّ ربك، فاستوص به خيرا فقال رسول الله ﷺ :«أنا أسْتَوْصِي بِهِ ؟ بَلْ هُوَ يَسْتَوْصِي بِي خَيْرا ». فنزلت : وَإذْ يَمْكُرُ بك الّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ. . . الاَية.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، قال : قال ابن جريج، قال عطاء : سمعت عبيد بن عمير يقول : لما ائتمروا بالنبيّ ﷺ ليقتلوه أو يثبتوه أو يخرجوه، قال له أبو طالب : هل تدري ما ائتمروا لك ؟ قال :«نَعَمْ ». قال : فأخبره. قال : من أخبرك ؟ قال :«رَبّي ». قال : نعم الربّ ربك، استوص به خيرا قال :«أنا أسْتَوْصِي بِهِ، أوْ هُوَ يَسْتَوْصِي بي ؟ ».
وكان معنى مكر قوم رسول الله ﷺ به ليثبتوه، كما :
حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، قال : ثني أبي، قال : حدثنا محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال : وحدثني الكلبي، عن زاذان مولى أم هانىء، عن ابن عباس : أن نفرا من قريش من أشراف كلّ قبيلة، اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل فلما رأوه قالوا : من أنت ؟ قال : شيخ من نجد، سمعت أنكم اجتمعتم، فأردت أن أحضركم ولن يعدمكم مني رأي ونصح. قالوا : أجل ادخل فدخل معهم، فقال : انظروا في شأن هذا الرجل، والله ليوشِكنّ أن يواثبكم في أموركم بأمره قال : فقال قائل : احبسوه في وثاق، ثم تربصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء، زهير والنابغة، إنما هو كأحدهم قال : فصرخ عدوّ الله الشيخ النجدي، فقال : والله ما هذا لكم رأي، والله ليخرجنه ربه من محبسه إلى أصحابه فليوشكن أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم فيمنعوه منكم، فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم قالوا : فانظروا في غير هذا. قال : فقال قائل : أخرجوه من بين أظهركم تستريحوا منه، فإنه إذا خرج لن يضرّكم ما صنع وأين وقع إذا غاب عنكم أذاه واسترحتم وكان أمره في غيركم فقال الشيخ النجديّ : والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حلاوة قوله وطلاقة لسانه وأخذ القلوب ما تسمع من حديثه ؟ والله لئن فعلتم ثم استعرض العرب، لتجتمعنّ عليكم، ثم ليأتينّ إليكم حتى يخرجكم من بلادكم ويقتل أشرافكم قالوا : صدق والله، فانظروا رأيا غير هذا قال : فقال أبو جهل : والله لأشيرنّ عليكم برأي ما أراكم أبصرتموه بعد ما أرى غيره. قالوا : وما هو ؟ قال : نأخذ من كلّ قبيلة غلاما وسطا شابا نهدا، ثم يعطى كلّ غلام منهم سيفا صارما، ثم يضربونه ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرّق دمه في القبائل كلها، فلا أظنّ هذا الحيّ من بني هاشم يقدرون على حرب قريش كلها، فإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل واسترحنا وقطعنا عنا أذاه. فقال الشيخ النجديّ : هذا والله الرأي القول ما قال الفتى، لا أرى غيره. قال : فتفرّقوا على ذلك وهم مجمعون له. قال : فأتى جبريل النبيّ ﷺ، فأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه تلك الليلة، وأذن الله له عند ذلك بالخروج، وأنزل عليه بعد قدومه المدينة الأنفال يذكره نعمه عليه وبلاءه عنده : وَإذْ يَمْكُرُ بك الّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ خَيْرُ واللّهُ المَاكِرِينَ وأنزل في قولهم :«تَرَبّصُوا بِهِ رَيْبَ المَنُونِ » حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء : أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَربّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ وكان يسمى ذلك اليوم :«يوم الزحمة » للذي اجتمعوا عليه من الرأي.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ومقسم، في قوله : وَإذْ يَمْكُرُ بك الّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ قالا : تشاوروا فيه ليلة وهم بمكة، فقال بعضهم : إذا أصبح فأوثقوه بالوثاق وقال بعضهم : بل اقتلوه وقال بعضهم : بل اخرجوه فلما أصبحوا رأوا عليّا رضي الله عنه، فردّ الله مكرهم.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرني أبي، عن عكرمة، قال : لما خرج النبيّ ﷺ وأبو بكر إلى الغار، أمر عليّ بن أبي طالب، فنام في مضجعه، فبات المشركون يحرسونه. فإذا رأوه نائما حسبوا أنه النبيّ ﷺ، فتركوه. فلما أصبحوا ثاروا إليه وهم يحسبون أنه النبيّ ﷺ، فإذا هم بعليّ، فقالوا : أين صاحبك ؟ قال : لا أدري. قال : فركبوا الصعب والذّلول في طلبه.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، قال : أخبرني عثمان الجريري : أن مقسما مولى ابن عباس أخبره عن ابن عباس، في قوله : وَإذْ يَمْكُرُ بك الّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ قال : تشاورت قريش ليلة بمكة، فقال بعضهم : إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق يريدون النبيّ ﷺ. وقال بعضهم : بل اقتلوه وقال بعضهم : بل اخرجوه فأطلع الله نبيه على ذلك، فبات عليّ رضي الله عنه على فراش النبيّ ﷺ تلك الليلة، وخرج النبيّ ﷺ حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون عليّا، يحسبون أنه النبيّ ﷺ. فلما أصبحوا ثاروا إليه، فلما رأوه عليّا رضي الله عنه، ردّ الله مكرهم، فقالوا : أين صاحبك ؟ قال : لا أدري. فاقتصوا أثره فلما بلغوا الجبل ومرّوا بالغار، رأوا على بابه نسج العنكبوت، قالوا : لو دخل ههنا لم يكن نَسْجٌ على بابه فمكث فيه ثلاثا.
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : وَإذْ يَمْكُرُ بك الّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ قال : اجتمعت مشيخة قريش يتشاورون في النبيّ ﷺ بعدما أسلمت الأنصار وفرقوا أن يتعالى أمره إذا وجد ملجأ لجأ إليه. فجاء إبليس في صورة رجل من أهل نجد، فدخل معهم في دار الندوة فلما أنكروه قالوا : من أنت ؟ فوالله ما كلّ قومنا أعلمناهم مجلسنا هذا قال : أنا رجل من أهل نجد أسمع من حديثكم وأشير عليكم. فاستحيوا فخلوا عنه. فقال بعضهم : خذوا محمدا إذا اصطبح على فراشه، فاجعلوه في بيت نتربص به ريب المنون والريب : هو الموت، والمنون : هو الدهر قال إبليس : بئسما قلت، تجعلونه في بيت فيأتي أصحابه فيخرجونه فيكون بينكم قتال قالوا : صدق الشيخ. قال : أخرجوه من قريتكم قال إبليس : بئسما قلت، تخرجونه من قريتكم وقد أفسد سفهاءكم فيأتي قرية أخرى فيفسد سفهاءهم فيأتيكم بالخيل والرجال. قالوا : صدق الشيخ. قال أبو جهل، وكان أولاهم بطاعة إبليس : بل نعمد إلى كلّ بطن من بطون قريش، فنخرج منهم رجلاً فنعطيهم السلاح، فيشدّون على محمد جميعا فيضربونه ضربة رجل واحد، فلا يستطيع بنو عبد المطلب أن يقتلوا قريشا، فليس لهم إلاّ الدية. قال إبليس : صدق، وهذا الفتى هو أجودكم رأيا. فقاموا على ذلك، وأخبر الله رسوله ﷺ، فنام على الفراش، وجعلوا عليه العيون. فلما كان في بعض الليل، انطلق هو وأبو بكر إلى الغار، ونام عليّ بن أبي طالب على الفراش، فذلك حين يقول الله : لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ والإثبات : هو الحبس والوثاق، وهو قوله : وَإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإذَنْ لا يَلْبَثُونَ خَلْفَكَ إلاّ قَلِيلاً يقول : يهلكهم. فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة لقيه عمر، فقال له : ما فعل القوم ؟ وهو يرى أنهم قد أهلكوا حين خرج النبيّ ﷺ من بين أظهرهم، وكذلك كان يصنع بالأمم، فقال النبيّ ﷺ :«أخّرُوا بالقِتالِ ».
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ قال : كفار قريش أرادوا ذلك بمحمد ﷺ قبل أن يخرج من مكة.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه.
حدثني ابن وكيع، قال : حدثنا هانىء بن سعيد، عن حجاج، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه إلاّ أنه قال : فعلوا ذلك بمحمد.
حدثني محمد بن سعد قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وَإذْ يَمْكُرُ بك الّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ. . . الاَية، هو النبيّ ﷺ مكروا به وهو بمكة.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَإذْ يَمْكُرُ بك الّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ. . . إلى آخر الاَية، قال : اجتمعوا فتش
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، مذكِّرَه نعمه عليه: واذكر، يا محمد، إذ يمكر بك الذين كفروا من مشركي قومك كي يثبتوك. (٢)
* * *
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: "ليثبتوك".
فقال بعضهم: معناه ليقيِّدوك.
* ذكر من قال ذلك:
١٥٩٥٦- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك"، يعني: ليوثقوك.
١٥٩٥٧ -............ قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "ليثبتوك"، ليوثِقوك.
١٥٩٥٨ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك"، الآية، يقول: ليشدُّوك
(٢) انظر تفسير " المكر " فيما سلف ١٢: ٩٥، ٩٧، ٥٧٩ ١٣: ٣٣
١٥٩٥٩ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ومقسم قالا قالوا: "أوثقوه بالوثاق".
١٥٩٦٠ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: "ليثبتوك"، قال: الإثبات، هو الحبس والوَثَاق.
* * *
وقال آخرون: بل معناه الحبس.
* ذكر من قال ذلك.
١٥٩٦١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، سألت عطاء عن قوله: "ليثبتوك"، قال: يسجنوك= وقالها عبد الله بن كثير.
١٥٩٦٢ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: قالوا: "اسجنوه".
* * *
وقال آخرون: بل معناه: ليسحروك.
* ذكر من قال ذلك.
١٥٩٦٣ - حدثني محمد بن إسماعيل البصري المعروف بالوسواسي قال، حدثنا عبد المجيد بن أبي روّاد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن المطلب بن أبي وَداعة: أن أبا طالب قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يأتمر به قومك؟ قال: يريدون أن يسحروني ويقتلوني ويخرجوني! فقال: من أخبرك بهذا؟ قال: ربي! قال: نعم الرب ربك، فاستوص به خيرًا! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا أستوصي به! بل هو يستوصي بي خيرًا"! فنزلت: "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك"، الآية. (١)
وترجم ابن أبي حاتم لأخيه: " أحمد بن إسماعيل بن أبي ضرار الرازي "، ١ ١ ٤١، فوجدت في لباب الأنساب ٢: ٢٧٣: " الوساوسي، عرف بها " أحمد بن إسماعيل الوساوسي البصري "، فدل هذا على ترجيح أن يكون " محمد بن إسماعيل بن أبي ضرار " يقال له " الوساوسي " أيضًا.
و" عبد المجيد بن أبي رواد "، هو " عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد الأزدي "، روى عن ابن جريح وغيره. وثقه أحمد وابن معين. وغيرهما. وضعفه أبو حاتم وابن سعد. ومنهم من قال هو ثبت في حديثه عن ابن جريج، ومنهم من قال: روى عن ابن جريج أحاديث لا يتابع عليها. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣ ١ ٦٤.
" وعبيد بن عمير بن قتادة الليثي " ثقة، مضى برقم: ٩١٨٠، ٩١٨١، ٩١٨٩، ١٥٦٢١.
وكان في المخطوطة والمطبوعة: " عبيد بن عمير بن المطلب بن أبي وداعة "، وهو خطأ لا شك فيه.
و" المطلب بن أبي وداعة السهمي القرشي "، له صحبة - مترجم في التهذيب، والكبير ٤ ٢ ٧، وابن أبي حاتم ٤ ١ ٣٨٥، ولم يذكر لعبيد بن عمير رواية عنه.
وهذا الخبر رواه ابن كثير في تفسيره ٤: ٤٦، ٤٧، وقال: " وذكر أبي طالب في هذا، غريب جدًا، بل منكر لأن هذه الآية مدنية. ثم إن هذه القصة، واجتماع قريش على هذا الائتمار والمشاورة على الإثبات أو النفي أو القتل، إنما كانت ليلة الهجرة سواء. وكان ذلك بعد موت أبي طالب بنحو من ثلاث سنين، لما تمكنوا منه واجترأوا عليه بسبب موت عمه أبي طالب، الذي كان يحوطه وينصره ويقوم بأعبائه ".
فلو صح ما قاله ابن كثير، كان هذا الخبر من الأخبار التي دعتهم إلى أن يقولوا في " عبد المجيد ابن أبي رواد " أنه روى عن ابن جريج أحاديث لا يتابع عليها. ومع ذلك فإن حجاجًا قد روى عنه مثل رواية عبد المجيد. انظر التعليق على الأثر التالي، فإني اذهب مذهبًا غير مذهب ابن كثير في الخبر. وانظر أيضًا رقم: ١٥٩٧٦، فإن ابن جريج سيقول: إن هذه الآية مكية، لا مدنية.
| " وكأن معنى مكر قوم رسول الله ﷺ به ليثبتوه، كما حدثني | " وساق خبر ائتمارهم به ليلة الهجرة. |
وكان هذا قبل الهجرة بزمان طويل، في حياة أبي طالب. فكأن هذا الخبر، هو الذي قال عبيد بن عمير في روايته عن المطلب بن أبي وداعة أنه ائتمار قومه به. فإذا صح ذلك، لم يكن لما قال ابن كثير وجه، ولصح هذا الخبر لصحة إسناده.
١٥٩٦٥ - حدثنا سعيد بن يحيى الأموي قال، حدثني أبي قال، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس= قال وحدثني الكلبي، عن زاذان مولى أم هانئ، عن ابن عباس: أن نفرًا من قريش من أشراف كل قبيلة، اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، (١) فلما رأوه قالوا: من أنت؟ قال شيخ من نجد، سمعت أنكم اجتمعتم، فأردت أن أحضركم، ولن يعدمكم مني رأيٌ ونصحٌ. (٢) قالوا: أجل، ادخل! فدخل معهم، فقال: انظروا إلى شأن هذا الرجل، (٣) والله
(٢) " لن يعدمكم "، أي: لا يعدوكم ويخطئكم مني رأي ونصح.
(٣) في المطبوعة: " في شأن "، وأثبت ما في المخطوطة.
١٥٩٦٦ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى (٦) قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ومقسم، في قوله: "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك" قالا تشاوروا فيه ليلة وهم بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبع فأوثقوه بالوثاق. وقال بعضهم: بل اقتلوه. وقال بعضهم: بل اخرجوه. فلما أصبحوا رأوا عليًّا رحمة الله عليه، فردَّ الله مكرهم.
١٥٩٦٧ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عيد الرزاق قال، أخبرني أبي، عن عكرمة قال: لما خرج النبي ﷺ وأبو بكر إلى الغار، أمر عليَّ بن أبي طالب، فنام في مضجعه، فبات المشركون يحرسونه، فإذا رأوه نائمًا حسبوا أنه النبي ﷺ فتركوه. فلما أصبحوا ثاروا إليه وهم يحسبون أنه النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا هم بعليّ، فقالوا: أين صاحبك؟ قال:
(٢) في المطبوعة: " رأي " بغير باء، والصواب من المخطوطة.
(٣) " الوسيط ": حسيبًا في قومه، من أكرمهم حسبًا ونسبًا ومجدًا. وكان في المطبوعة " وسطا ً "، والصواب ما في المخطوطة. و " غلام نهد ": كريم، ينهض إلى معالي الأمور. واصل " النهد ": المرتفع.
(٤) " العقل "، الدية.
(٥) الأثر: ١٥٩٦٥ - سيرة ابن هشام ٢: ١٢٤ - ١٢٨، وإسناد هناك " قال ابن إسحاق، فحدثني من لا أتهم من أصحابنا، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد بن جبير أبي الحجاج، وغيره ممن لا أتهم، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما "، ثم ساق الخبر بغير هذا اللفظ.
ومما اعترض به على هذا الخبر أن آية " سورة الطور "، آية مكية، نزلت قبل الهجرة بزمان، وسياق ابن إسحاق للآية بعد الخبر، يوهم أنها نزلت ليلة الهجرة، أو بعد الهجرة، وهذا لا يكاد يصح.
(٦) سقط من المطبوعة: " محمد " وكتب " بن عبد الأعلى "، وهي ثابتة في المخطوطة.
١٥٩٦٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر قال، أخبرني عثمان الجزريّ: أن مقسمًا مولى ابن عباس أخبره، عن ابن عباس في قوله: "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك"، قال: تشاورت قريش ليلة بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق= يريدون النبي صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: بل اقتلوه. وقال بعضهم: بل أخرجوه. فأطلع الله نبيه على ذلك، فبات على رحمه الله على فراش النبي ﷺ تلك الليلة، (٢) وخرج النبي ﷺ حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون عليًّا يحسبون أنه النبي صلى الله عليه وسلم. فلما أصبحوا ثاروا إليه، فلما رأوا عليًّا رحمة الله عليه، ردّ الله مكرهم، فقالوا: أين صاحبك؟ قال: لا أدري! فاقتصُّوا أثره، فلما بلغوا الجبل ومرُّوا بالغار، رأوا على بابه نسج العنكبوت، قالوا: لو دخل ههنا لم يكن نَسْجٌ على بابه! فمكث فيه ثلاثا. (٣)
(٢) في المخطوطة، سقط من الناسخ " الليلة "، وزادتها المطبوعة.
(٣) الأثر: ١٥٩٦٨ - " عثمان الجزري "، يقال له: " عثمان المشاهد ". روى عن مقسم، روى عنه معمر، والنعمان بن راشد. قال أبو حاتم: " لا أعلم روى عنه غير معمر، والنعمان ". وسئل عنه أحمد فقال: " روى أحاديث مناكير، زعموا أنه ذهب كتابه ". مترجم في ابن أبي حاتم ٣ ١ ١٧٤.
وكان في المطبوعة: " عثمان الجريري "، والمخطوطة، كما أثبتها، غير أنه غير منقوط.
وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده برقم: ٣٢٥١، وقال أخي: " في إسناده نظر، من أجل عثمان الجزري، كالإسناد ٢٥٦٢ "، وقد استظهر هناك أن " عثمان الجزري " هو " عثمان بن ساج "، ولكن ما قاله ابن أبي حاتم، يرجح أن " عثمان الجزري "، غير " عثمان بن ساج ".
وقد وجدت بعد في مجمع الزوائد ٧: ٢٧، هذا الخبر، بنحوه ثم قال: " رواه أحمد والطبراني، وفيه " عثمان بن عمرو الجزري "، وثقه ابن حبان، وضعفه غيره، وبقية رجاله رجال الصحيح ".
ولا أزال أشك في أن " عثمان الجزري "، غير " عثمان بن عمرو بن ساج "
(٢) في المطبوعة: " إذا اصطبح على فراشه "، لا أدري من أين جاء بها!.
فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، لقيه عمر فقال له: ما فعل القوم؟ وهو يرى أنهم قد أهلكوا حين خرج النبي ﷺ من بين أظهرهم، وكذلك كان يُصنع بالأمم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أخِّروا بالقتال".
١٥٩٧٠ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "ليثبتوك أو يقتلوك"، قال: كفار قريش، أرادوا ذلك بمحمد ﷺ قبل أن يخرج من مكة.
١٥٩٧١ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه.
١٥٩٧٢- حدثني ابن وكيع قال: حدثنا هانئ بن سعيد، عن حجاج، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه; إلا أنه قال: فعلوا ذلك بمحمد.
١٥٩٧٣ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك"، الآية، هو النبي صلى الله عليه وسلم، مكروا به وهو بمكة.
١٥٩٧٤ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، في قوله: "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك"، إلى آخر الآية، قال: اجتمعوا فتشاوروا في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: اقتلوا هذا الرجل. فقال بعضهم: لا يقتله رجل إلا قُتل به! قالوا: خذوه فاسجنوه، واجعلوا عليه حديدًا. قالوا: فلا يدعكم أهل بيته! قالوا: أخرجوه. قالوا: إذًا يستغوي الناس عليكم. (١)
| زَبَنَتْكَ أَرْكَانُ العَدُوِّ فأَصْبَحتْ | أَجَأ وَحَيَّة مِنْ قَرَارِ ديارها |
| وَكأَنَّهَا دَقَرَى، تَخَايَلَ نَبْتُها | أُنُفٌ يَغُمُّ الضَّالَ نَبْتُ بِحَارِهَا |
(٢) في المطبوعة: " فلما أن كان الليل "، غير ما في المخطوطة، وكان فيها " فلما أن حبط " وصواب قراءتها إن شاء الله ما أثبت. و " حط الليل "، نزل وأطبق.
(٣) في المخطوطة: " فقال: فلان وفلان وفلان، فقال لا. فقال جبريل عليه السلام: نحن أعلم بهم منك... "، أخشى أن يكون سقط من الكلام شيء، والذي في المطبوعة اجتهاد من الناشر، تركه على حاله.
(٤) في المطبوعة والمخطوطة: " هو ناموس ليل "، والسياق يقتضي ما أثبت.
و" الناموس " دويبة أغبر، كهنة الذرة، تلكع الناس وتلسعهم. وقولهم: " هم ناموس ليل "، يعني حقارتهم وقلة شأنهم.
= أخذته في رأسه. وأما الذي طعن في ركبته، فأصبح وقد أقعد. فذلك قول الله: "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين".
١٥٩٧٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قوله: "ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين"، أي: فمكرت لهم بكيدي المتين، حتى خلّصك منهم. (٦)
(٢) لم يذكر ما فعل جبريل عليه السلام بالخامس، وإن كان ذكر ما آل إليه أمره، فأخشى أن يكون سقط من الكلام شيء.
(٣) في المطبوعة " مر " حذف الفاء، وهو صواب، فأثبتها من المخطوطة. و " المشقص "، نصل السهم إذا كان طويلا غير عريض.
(٤) " الأكحل "، عرق الحياة، ويقال له: " نهر البدن "، وهو عرق في اليد ووسط الذراع، وفي كل عضو منه شعبة، لها اسم على حدة، إذا قطع لم يرقأ الدم.
(٥) في المطبوعة: " النقدة "، في الموضعين. وأما المخطوطة، فالأولى، يوشك أن يكتبها " النقبة " إلا أنه يزيد في رأس الباء، ثم كتب بعد " النقدة " ولم أجد في القروح ما يقال له: " نقدة ".
و" النقبة " (بضم فسكون) أول بدء الجرب، ترى الرقعة مثل الكف بجنب البعير أو وركه أو بمشفرة، ثم تتمشى فيه تشريه كله، أي تملؤه كله. فلعل هذه هي المرادة هنا.
(٦) الأثر: ١٥٩٧٥ - سيرة ابن هشام ١: ٣٢٥، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٥٩٥٥.
وكان في المطبوعة والمخطوطة: " فمكرت لهم "، وأثبت ما في سيرة ابن هشام، وهي أجود.