محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٣٠ من سورة الأنفال في ١١٥ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، و٣٥ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٣٠ من سورة الأنفال

١١٥ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. .
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ مذكره نعمه عليه : واذكر يا محمد، إذ يمكر بك الذين كفروا من مشركي قومك كي يثبتوك.
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : لِيُثْبِتُوكَ فقال بعضهم : معناه : ليقيدوك. ذكر من قال ذلك.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ يعني : ليوثقوك.
قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : لِيُثْبِتُوكَ ليوثقوك.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَإذْ يَمْكُرُ بك الّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ. . . الآية، يقول : ليشدّوك وثاقا، وأرادوا بذلك نبيّ الله النبيّ ﷺ وهو يومئذٍ بمكة.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ومِقْسم، قالا : قالوا : أوثقوه بالوثاق
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : لِيُثْبِتُوكَ قال : الإثبات : هو الحبس والوثاق.
وقال آخرون : بل معناه الحبس. ذكر من قال ذلك.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : سألت عطاء عن قوله : لِيُثْبِتُوكَ قال : يَسجنوك. وقالها عبد الله بن كثير.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، قالوا : اسجنوه
وقال آخرون : بل معناه : ليسحروك. ذكر من قال ذلك.
حدثني محمد بن إسماعيل البصريّ المعروف بالوساوسي، قال : حدثنا عبد المجيد بن أبي روّاد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير عن المطلب بن أبي وداعة، أن أبا طالب قال لرسول الله ﷺ : ما يأتمر به قومك ؟ قال :«يُرِيدُونَ أنْ يَسْحَرُونِي ويَقْتُلُونِي ويُخْرِجُونِي » فقال : من أخبرك بهذا ؟ قال :«ربي » قال : نعم الربّ ربك، فاستوص به خيرا فقال رسول الله ﷺ :«أنا أسْتَوْصِي بِهِ ؟ بَلْ هُوَ يَسْتَوْصِي بِي خَيْرا ». فنزلت : وَإذْ يَمْكُرُ بك الّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ. . . الاَية.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، قال : قال ابن جريج، قال عطاء : سمعت عبيد بن عمير يقول : لما ائتمروا بالنبيّ ﷺ ليقتلوه أو يثبتوه أو يخرجوه، قال له أبو طالب : هل تدري ما ائتمروا لك ؟ قال :«نَعَمْ ». قال : فأخبره. قال : من أخبرك ؟ قال :«رَبّي ». قال : نعم الربّ ربك، استوص به خيرا قال :«أنا أسْتَوْصِي بِهِ، أوْ هُوَ يَسْتَوْصِي بي ؟ ».
وكان معنى مكر قوم رسول الله ﷺ به ليثبتوه، كما :
حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، قال : ثني أبي، قال : حدثنا محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال : وحدثني الكلبي، عن زاذان مولى أم هانىء، عن ابن عباس : أن نفرا من قريش من أشراف كلّ قبيلة، اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل فلما رأوه قالوا : من أنت ؟ قال : شيخ من نجد، سمعت أنكم اجتمعتم، فأردت أن أحضركم ولن يعدمكم مني رأي ونصح. قالوا : أجل ادخل فدخل معهم، فقال : انظروا في شأن هذا الرجل، والله ليوشِكنّ أن يواثبكم في أموركم بأمره قال : فقال قائل : احبسوه في وثاق، ثم تربصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء، زهير والنابغة، إنما هو كأحدهم قال : فصرخ عدوّ الله الشيخ النجدي، فقال : والله ما هذا لكم رأي، والله ليخرجنه ربه من محبسه إلى أصحابه فليوشكن أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم فيمنعوه منكم، فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم قالوا : فانظروا في غير هذا. قال : فقال قائل : أخرجوه من بين أظهركم تستريحوا منه، فإنه إذا خرج لن يضرّكم ما صنع وأين وقع إذا غاب عنكم أذاه واسترحتم وكان أمره في غيركم فقال الشيخ النجديّ : والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حلاوة قوله وطلاقة لسانه وأخذ القلوب ما تسمع من حديثه ؟ والله لئن فعلتم ثم استعرض العرب، لتجتمعنّ عليكم، ثم ليأتينّ إليكم حتى يخرجكم من بلادكم ويقتل أشرافكم قالوا : صدق والله، فانظروا رأيا غير هذا قال : فقال أبو جهل : والله لأشيرنّ عليكم برأي ما أراكم أبصرتموه بعد ما أرى غيره. قالوا : وما هو ؟ قال : نأخذ من كلّ قبيلة غلاما وسطا شابا نهدا، ثم يعطى كلّ غلام منهم سيفا صارما، ثم يضربونه ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرّق دمه في القبائل كلها، فلا أظنّ هذا الحيّ من بني هاشم يقدرون على حرب قريش كلها، فإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل واسترحنا وقطعنا عنا أذاه. فقال الشيخ النجديّ : هذا والله الرأي القول ما قال الفتى، لا أرى غيره. قال : فتفرّقوا على ذلك وهم مجمعون له. قال : فأتى جبريل النبيّ ﷺ، فأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه تلك الليلة، وأذن الله له عند ذلك بالخروج، وأنزل عليه بعد قدومه المدينة الأنفال يذكره نعمه عليه وبلاءه عنده : وَإذْ يَمْكُرُ بك الّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ خَيْرُ واللّهُ المَاكِرِينَ وأنزل في قولهم :«تَرَبّصُوا بِهِ رَيْبَ المَنُونِ » حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء : أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَربّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ وكان يسمى ذلك اليوم :«يوم الزحمة » للذي اجتمعوا عليه من الرأي.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ومقسم، في قوله : وَإذْ يَمْكُرُ بك الّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ قالا : تشاوروا فيه ليلة وهم بمكة، فقال بعضهم : إذا أصبح فأوثقوه بالوثاق وقال بعضهم : بل اقتلوه وقال بعضهم : بل اخرجوه فلما أصبحوا رأوا عليّا رضي الله عنه، فردّ الله مكرهم.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرني أبي، عن عكرمة، قال : لما خرج النبيّ ﷺ وأبو بكر إلى الغار، أمر عليّ بن أبي طالب، فنام في مضجعه، فبات المشركون يحرسونه. فإذا رأوه نائما حسبوا أنه النبيّ ﷺ، فتركوه. فلما أصبحوا ثاروا إليه وهم يحسبون أنه النبيّ ﷺ، فإذا هم بعليّ، فقالوا : أين صاحبك ؟ قال : لا أدري. قال : فركبوا الصعب والذّلول في طلبه.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، قال : أخبرني عثمان الجريري : أن مقسما مولى ابن عباس أخبره عن ابن عباس، في قوله : وَإذْ يَمْكُرُ بك الّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ قال : تشاورت قريش ليلة بمكة، فقال بعضهم : إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق يريدون النبيّ ﷺ. وقال بعضهم : بل اقتلوه وقال بعضهم : بل اخرجوه فأطلع الله نبيه على ذلك، فبات عليّ رضي الله عنه على فراش النبيّ ﷺ تلك الليلة، وخرج النبيّ ﷺ حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون عليّا، يحسبون أنه النبيّ ﷺ. فلما أصبحوا ثاروا إليه، فلما رأوه عليّا رضي الله عنه، ردّ الله مكرهم، فقالوا : أين صاحبك ؟ قال : لا أدري. فاقتصوا أثره فلما بلغوا الجبل ومرّوا بالغار، رأوا على بابه نسج العنكبوت، قالوا : لو دخل ههنا لم يكن نَسْجٌ على بابه فمكث فيه ثلاثا.
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : وَإذْ يَمْكُرُ بك الّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ قال : اجتمعت مشيخة قريش يتشاورون في النبيّ ﷺ بعدما أسلمت الأنصار وفرقوا أن يتعالى أمره إذا وجد ملجأ لجأ إليه. فجاء إبليس في صورة رجل من أهل نجد، فدخل معهم في دار الندوة فلما أنكروه قالوا : من أنت ؟ فوالله ما كلّ قومنا أعلمناهم مجلسنا هذا قال : أنا رجل من أهل نجد أسمع من حديثكم وأشير عليكم. فاستحيوا فخلوا عنه. فقال بعضهم : خذوا محمدا إذا اصطبح على فراشه، فاجعلوه في بيت نتربص به ريب المنون والريب : هو الموت، والمنون : هو الدهر قال إبليس : بئسما قلت، تجعلونه في بيت فيأتي أصحابه فيخرجونه فيكون بينكم قتال قالوا : صدق الشيخ. قال : أخرجوه من قريتكم قال إبليس : بئسما قلت، تخرجونه من قريتكم وقد أفسد سفهاءكم فيأتي قرية أخرى فيفسد سفهاءهم فيأتيكم بالخيل والرجال. قالوا : صدق الشيخ. قال أبو جهل، وكان أولاهم بطاعة إبليس : بل نعمد إلى كلّ بطن من بطون قريش، فنخرج منهم رجلاً فنعطيهم السلاح، فيشدّون على محمد جميعا فيضربونه ضربة رجل واحد، فلا يستطيع بنو عبد المطلب أن يقتلوا قريشا، فليس لهم إلاّ الدية. قال إبليس : صدق، وهذا الفتى هو أجودكم رأيا. فقاموا على ذلك، وأخبر الله رسوله ﷺ، فنام على الفراش، وجعلوا عليه العيون. فلما كان في بعض الليل، انطلق هو وأبو بكر إلى الغار، ونام عليّ بن أبي طالب على الفراش، فذلك حين يقول الله : لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ والإثبات : هو الحبس والوثاق، وهو قوله : وَإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإذَنْ لا يَلْبَثُونَ خَلْفَكَ إلاّ قَلِيلاً يقول : يهلكهم. فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة لقيه عمر، فقال له : ما فعل القوم ؟ وهو يرى أنهم قد أهلكوا حين خرج النبيّ ﷺ من بين أظهرهم، وكذلك كان يصنع بالأمم، فقال النبيّ ﷺ :«أخّرُوا بالقِتالِ ».
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ قال : كفار قريش أرادوا ذلك بمحمد ﷺ قبل أن يخرج من مكة.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه.
حدثني ابن وكيع، قال : حدثنا هانىء بن سعيد، عن حجاج، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه إلاّ أنه قال : فعلوا ذلك بمحمد.
حدثني محمد بن سعد قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وَإذْ يَمْكُرُ بك الّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ. . . الاَية، هو النبيّ ﷺ مكروا به وهو بمكة.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَإذْ يَمْكُرُ بك الّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ. . . إلى آخر الاَية، قال : اجتمعوا فتش
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
و"الفرقان" في كلام العرب، مصدرٌ من قولهم: "فرقت بين الشيء والشيء أفرُق بينهما فَرْقًا وفُرْقانًا. (١)
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، مذكِّرَه نعمه عليه: واذكر، يا محمد، إذ يمكر بك الذين كفروا من مشركي قومك كي يثبتوك. (٢)
* * *
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: "ليثبتوك".
فقال بعضهم: معناه ليقيِّدوك.
* ذكر من قال ذلك:
١٥٩٥٦- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك"، يعني: ليوثقوك.
١٥٩٥٧ -............ قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "ليثبتوك"، ليوثِقوك.
١٥٩٥٨ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك"، الآية، يقول: ليشدُّوك
(١) انظر ما سلف ١: ٩٨، ٩٩ ٣: ٤٤٨ ٦: ١٦٢، ١٦٣.
(٢) انظر تفسير " المكر " فيما سلف ١٢: ٩٥، ٩٧، ٥٧٩ ١٣: ٣٣
وَثاقًا. وأرادوا بذلك نبيَّ الله ﷺ وهو يومئذ بمكة.
١٥٩٥٩ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ومقسم قالا قالوا: "أوثقوه بالوثاق".
١٥٩٦٠ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: "ليثبتوك"، قال: الإثبات، هو الحبس والوَثَاق.
* * *
وقال آخرون: بل معناه الحبس.
* ذكر من قال ذلك.
١٥٩٦١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، سألت عطاء عن قوله: "ليثبتوك"، قال: يسجنوك= وقالها عبد الله بن كثير.
١٥٩٦٢ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: قالوا: "اسجنوه".
* * *
وقال آخرون: بل معناه: ليسحروك.
* ذكر من قال ذلك.
١٥٩٦٣ - حدثني محمد بن إسماعيل البصري المعروف بالوسواسي قال، حدثنا عبد المجيد بن أبي روّاد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن المطلب بن أبي وَداعة: أن أبا طالب قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يأتمر به قومك؟ قال: يريدون أن يسحروني ويقتلوني ويخرجوني! فقال: من أخبرك بهذا؟ قال: ربي! قال: نعم الرب ربك، فاستوص به خيرًا! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا أستوصي به! بل هو يستوصي بي خيرًا"! فنزلت: "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك"، الآية. (١)
(١) الأثر: ١٥٩٦٣ - " محمد بن إسماعيل البصري "، المعروف ب " الوساوسي " شيخ الطبري، لم أجد النص على أنه "الوساوسي "، والذي يروى عنه أبو جعفر في تاريخه، في مواضع " محمد بن إسماعيل الضراري "، وهو " محمد بن إسماعيل بن أبي ضرار الرازي "، صدوق. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣ ٢ ١٩٠، وذكر في التهذيب أن أبا جعفر محمد بن جرير الطبري، روى عنه، ولم يذكر أنه يعرف بالوساوسي.
وترجم ابن أبي حاتم لأخيه: " أحمد بن إسماعيل بن أبي ضرار الرازي "، ١ ١ ٤١، فوجدت في لباب الأنساب ٢: ٢٧٣: " الوساوسي، عرف بها " أحمد بن إسماعيل الوساوسي البصري "، فدل هذا على ترجيح أن يكون " محمد بن إسماعيل بن أبي ضرار " يقال له " الوساوسي " أيضًا.
و" عبد المجيد بن أبي رواد "، هو " عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد الأزدي "، روى عن ابن جريح وغيره. وثقه أحمد وابن معين. وغيرهما. وضعفه أبو حاتم وابن سعد. ومنهم من قال هو ثبت في حديثه عن ابن جريج، ومنهم من قال: روى عن ابن جريج أحاديث لا يتابع عليها. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣ ١ ٦٤.
" وعبيد بن عمير بن قتادة الليثي " ثقة، مضى برقم: ٩١٨٠، ٩١٨١، ٩١٨٩، ١٥٦٢١.
وكان في المخطوطة والمطبوعة: " عبيد بن عمير بن المطلب بن أبي وداعة "، وهو خطأ لا شك فيه.
و" المطلب بن أبي وداعة السهمي القرشي "، له صحبة - مترجم في التهذيب، والكبير ٤ ٢ ٧، وابن أبي حاتم ٤ ١ ٣٨٥، ولم يذكر لعبيد بن عمير رواية عنه.
وهذا الخبر رواه ابن كثير في تفسيره ٤: ٤٦، ٤٧، وقال: " وذكر أبي طالب في هذا، غريب جدًا، بل منكر لأن هذه الآية مدنية. ثم إن هذه القصة، واجتماع قريش على هذا الائتمار والمشاورة على الإثبات أو النفي أو القتل، إنما كانت ليلة الهجرة سواء. وكان ذلك بعد موت أبي طالب بنحو من ثلاث سنين، لما تمكنوا منه واجترأوا عليه بسبب موت عمه أبي طالب، الذي كان يحوطه وينصره ويقوم بأعبائه ".
فلو صح ما قاله ابن كثير، كان هذا الخبر من الأخبار التي دعتهم إلى أن يقولوا في " عبد المجيد ابن أبي رواد " أنه روى عن ابن جريج أحاديث لا يتابع عليها. ومع ذلك فإن حجاجًا قد روى عنه مثل رواية عبد المجيد. انظر التعليق على الأثر التالي، فإني اذهب مذهبًا غير مذهب ابن كثير في الخبر. وانظر أيضًا رقم: ١٥٩٧٦، فإن ابن جريج سيقول: إن هذه الآية مكية، لا مدنية.
١٥٩٦٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج قال عطاء: سمعت عبيد بن عمير يقول: لما ائتمروا بالنبي ﷺ ليقتلوه أو يثبتوه أو يخرجوه، قال له أبو طالب: هل تدري ما ائتمروا بك؟ قال: نعم! قال: فأخبره، قال: من أخبرك؟ قال: ربي! قال: نعم الرب ربك، استوص به خيرًا! قال: "أنا أستوصي به، أو هو يستوصي بي؟ (١)
(١) الأثر: ١٥٩٦٤ - انظر التعليق على الأثر السالف. سلف ما قاله ابن كثير في نقد هذا الخبر. والذي دفعه أن يقول ما قال، من انه كان ليلة الهجرة، ما رواه ابن جرير في الأثر الذي يليه، والذي ترجم له بقوله:
" وكأن معنى مكر قوم رسول الله ﷺ به ليثبتوه، كما حدثني" وساق خبر ائتمارهم به ليلة الهجرة.
ولكن جائز أن يكون الخبران الأولان، في شأن آخر، وليلة أخرى، بل أكاد أقطع أن الخبر الذي رواه ابن جريج، لا علاقة له بأمر الهجرة، وأن ابن كثير تابع للطبري فيما ظنه ظنًا وذلك أن ابن إسحاق وغيره، رووا أن أشراف قريش اجتمعوا يوما في الحجر، فذكروا رسول الله، وزعموا أنهم صبروا منه على أمر عظيم. فبينا هم في ذلك إذ طلع عليهم رسول الله، فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفًا بالبيت، فغمزوه ببعض القول. فعرف الغضب في وجهه صلى الله عليه وسلم. فلما مر بهم الثانية، غمزوه بمثلها، ثم مر الثالثة، ففعلوا فعلتهم، فوقف ثم قال: " أتسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بالذبح ". فاستكانوا ورفأوه بأحسن القول رهبة ورغبة. فلما كان الغد، اجتمعوا في الحجر فقال بعضهم لبعض: " ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه، حتى إذا باداكم بما تكرهون تركتموه ". فبينا هم كذلك، طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوثبوا إليه رجل واحد، وأحاطوا به يقولون: " أنت الذي تقول كذا وكذا؟ "، لما كان من عيب آلهتهم، فيقول: " نعم، أنا الذي أقول ذلك "، فأخذ بعضهم بمجمع ردائه، فقام أبو بكر دونه وهو يبكي ويقول: " أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله "! (سيرة ابن هشام ١: ٣٠٩، ٣١٠)، وانظر الخبر التالي رقم: ١٥٩٧٤، والتعليق عليه.
وكان هذا قبل الهجرة بزمان طويل، في حياة أبي طالب. فكأن هذا الخبر، هو الذي قال عبيد بن عمير في روايته عن المطلب بن أبي وداعة أنه ائتمار قومه به. فإذا صح ذلك، لم يكن لما قال ابن كثير وجه، ولصح هذا الخبر لصحة إسناده.
وكأنّ معنى مكر قوم رسول الله ﷺ به ليثبتوه، كما:-
١٥٩٦٥ - حدثنا سعيد بن يحيى الأموي قال، حدثني أبي قال، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس= قال وحدثني الكلبي، عن زاذان مولى أم هانئ، عن ابن عباس: أن نفرًا من قريش من أشراف كل قبيلة، اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، (١) فلما رأوه قالوا: من أنت؟ قال شيخ من نجد، سمعت أنكم اجتمعتم، فأردت أن أحضركم، ولن يعدمكم مني رأيٌ ونصحٌ. (٢) قالوا: أجل، ادخل! فدخل معهم، فقال: انظروا إلى شأن هذا الرجل، (٣) والله
(١) في المخطوطة: " في صورة جليل "، وفوق " جليل " حرف (ط) دليلا على الخطأ، والصواب ما في المطبوعة، مطابقًا لما في سيرة ابن هشام.
(٢) " لن يعدمكم "، أي: لا يعدوكم ويخطئكم مني رأي ونصح.
(٣) في المطبوعة: " في شأن "، وأثبت ما في المخطوطة.
ليوشكن أن يُواثبكم في أموركم بأمره. (١) قال: فقال قائل: احبسوه في وَثاق، ثم تربصوا به ريبَ المنون، حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء، زهير والنابغة، إنما هو كأحدهم! قال: فصرخ عدوُّ الله الشيخ النجدي فقال: والله، ما هذا لكم برأي! (٢) والله ليخرجنه ربه من محبسه إلى أصحابه، فليوشكن أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم فيمنعوه منكم، فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم! قالوا: فانظروا في غير هذا. قال: فقال قائل: أخرجوه من بين أظهركم تستريحوا منه، فإنه إذا خرج لن يضركم ما صنع وأين وقع، إذا غاب عنكم أذاه واسترحتم، وكان أمره في غيركم. فقال الشيخ النجدي: والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حلاوة قوله، وطلاقة لسانه، وأخذَ القلوب ما تسمع من حديثه؟ والله لئن فعلتم، ثم استعرَض العرب، لتجتمعن عليكم، ثم ليأتين إليكم حتى يخرجكم من بلادكم ويقتل أشرافكم! قالوا: صدق والله! فانظروا رأيًا غير هذا! قال: فقال أبو جهل: والله لأشيرن عليكم برأي ما أراكم أبصرتموه بعد، ما أرى غيره! قالوا: وما هو؟ قال: نأخذ من كل قبيلة غلامًا وَسيطا شابًّا نَهْدًا، (٣) ثم يعطى كل غلام منهم سيفًا صارمًا، ثم يضربوه ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل كلها، فلا أظن هذا الحي من بني هاشم يقدرون على حرب قريش كلها، فإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل، (٤) واسترحنا وقطعنا عنا أذاه. فقال الشيخ النجدي: هذا والله الرأي، القولُ ما قال الفتى، لا أرى غيره! قال: فتفرقوا على ذلك وهم مُجْمعون له، قال: فأتى جبريل النبيَّ ﷺ فأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه تلك الليلة، وأذِن الله له عند ذلك بالخروج، وأنزل عليه بعد قدومه المدينة "الأنفال"، يذكره نعمه عليه، وبلاءه عنده: "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين"، وأنزل في قولهم: "تربصوا به ريبَ المنون" حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء": أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ، [سورة الطور: ٣٠]. وكان يسمى ذلك اليوم: "يوم الزحمة" للذي اجتمعوا عليه من الرأي. (٥)
١٥٩٦٦ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى (٦) قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ومقسم، في قوله: "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك" قالا تشاوروا فيه ليلة وهم بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبع فأوثقوه بالوثاق. وقال بعضهم: بل اقتلوه. وقال بعضهم: بل اخرجوه. فلما أصبحوا رأوا عليًّا رحمة الله عليه، فردَّ الله مكرهم.
١٥٩٦٧ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عيد الرزاق قال، أخبرني أبي، عن عكرمة قال: لما خرج النبي ﷺ وأبو بكر إلى الغار، أمر عليَّ بن أبي طالب، فنام في مضجعه، فبات المشركون يحرسونه، فإذا رأوه نائمًا حسبوا أنه النبي ﷺ فتركوه. فلما أصبحوا ثاروا إليه وهم يحسبون أنه النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا هم بعليّ، فقالوا: أين صاحبك؟ قال:
(١) في المطبوعة: " أن يواتيكم في أموركم "، وهو لا معنى له، وأثبت ما في المخطوطة، وهي غير منقوطة، وصواب قراءتها ما أثبت.
(٢) في المطبوعة: " رأي " بغير باء، والصواب من المخطوطة.
(٣) " الوسيط ": حسيبًا في قومه، من أكرمهم حسبًا ونسبًا ومجدًا. وكان في المطبوعة " وسطا ً "، والصواب ما في المخطوطة. و " غلام نهد ": كريم، ينهض إلى معالي الأمور. واصل " النهد ": المرتفع.
(٤) " العقل "، الدية.
(٥) الأثر: ١٥٩٦٥ - سيرة ابن هشام ٢: ١٢٤ - ١٢٨، وإسناد هناك " قال ابن إسحاق، فحدثني من لا أتهم من أصحابنا، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد بن جبير أبي الحجاج، وغيره ممن لا أتهم، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما "، ثم ساق الخبر بغير هذا اللفظ.
ومما اعترض به على هذا الخبر أن آية " سورة الطور "، آية مكية، نزلت قبل الهجرة بزمان، وسياق ابن إسحاق للآية بعد الخبر، يوهم أنها نزلت ليلة الهجرة، أو بعد الهجرة، وهذا لا يكاد يصح.
(٦) سقط من المطبوعة: " محمد " وكتب " بن عبد الأعلى "، وهي ثابتة في المخطوطة.
لا أدري! قال: فركبوا الصعب والذَّلول في طلبه. (١)
١٥٩٦٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر قال، أخبرني عثمان الجزريّ: أن مقسمًا مولى ابن عباس أخبره، عن ابن عباس في قوله: "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك"، قال: تشاورت قريش ليلة بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق= يريدون النبي صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: بل اقتلوه. وقال بعضهم: بل أخرجوه. فأطلع الله نبيه على ذلك، فبات على رحمه الله على فراش النبي ﷺ تلك الليلة، (٢) وخرج النبي ﷺ حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون عليًّا يحسبون أنه النبي صلى الله عليه وسلم. فلما أصبحوا ثاروا إليه، فلما رأوا عليًّا رحمة الله عليه، ردّ الله مكرهم، فقالوا: أين صاحبك؟ قال: لا أدري! فاقتصُّوا أثره، فلما بلغوا الجبل ومرُّوا بالغار، رأوا على بابه نسج العنكبوت، قالوا: لو دخل ههنا لم يكن نَسْجٌ على بابه! فمكث فيه ثلاثا. (٣)
(١) " الصعب " من الإبل، هو الذي لم يركب قط، لأنه لا ينقاد لراكبه، ونقيضه " الذلول "، وهو السهل المنقاد. مثل لركوب كل مركب في طلب ما يريده المرء، سهل المركب أو صعب.
(٢) في المخطوطة، سقط من الناسخ " الليلة "، وزادتها المطبوعة.
(٣) الأثر: ١٥٩٦٨ - " عثمان الجزري "، يقال له: " عثمان المشاهد ". روى عن مقسم، روى عنه معمر، والنعمان بن راشد. قال أبو حاتم: " لا أعلم روى عنه غير معمر، والنعمان ". وسئل عنه أحمد فقال: " روى أحاديث مناكير، زعموا أنه ذهب كتابه ". مترجم في ابن أبي حاتم ٣ ١ ١٧٤.
وكان في المطبوعة: " عثمان الجريري "، والمخطوطة، كما أثبتها، غير أنه غير منقوط.
وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده برقم: ٣٢٥١، وقال أخي: " في إسناده نظر، من أجل عثمان الجزري، كالإسناد ٢٥٦٢ "، وقد استظهر هناك أن " عثمان الجزري " هو " عثمان بن ساج "، ولكن ما قاله ابن أبي حاتم، يرجح أن " عثمان الجزري "، غير " عثمان بن ساج ".
وقد وجدت بعد في مجمع الزوائد ٧: ٢٧، هذا الخبر، بنحوه ثم قال: " رواه أحمد والطبراني، وفيه " عثمان بن عمرو الجزري "، وثقه ابن حبان، وضعفه غيره، وبقية رجاله رجال الصحيح ".
ولا أزال أشك في أن " عثمان الجزري "، غير " عثمان بن عمرو بن ساج "
١٥٩٦٩ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين"، قال: اجتمعت مشيخة قريش يتشاورون في النبيّ ﷺ بعد ما أسلمت الأنصار، وفَرِقوا أن يتعالى أمره إذا وجد ملجأ لجأ إليه. (١) فجاء إبليس في صورة رجل من أهل نجد، فدخل معهم في دار الندوة، فلما أنكروه قالوا: من أنت؟ فوالله ما كل قومنا أعلمناهم مجلسنا هذا! قال: أنا رجل من أهل نجد، أسمع من حديثكم وأشير عليكم! فاستحيَوْا، فخلَّوا عنه. فقال بعضهم: خذوا محمدًا إذا اضطجع على فراشه، (٢) فاجعلوه في بيت نتربص به ريبَ المنون = و"الريب"، هو الموت، و"المنون"، هو الدهر = قال إبليس: بئسما قلت! تجعلونه في بيت، فيأتي أصحابه فيخرجونه، فيكون بينكم قتال! قالوا: صدق الشيخ! قال: أخرجوه من قريتكم! قال إبليس: بئسما قلت! تخرجونه من قريتكم، وقد أفسد سفهاءكم، فيأتي قرية أخرى فيفسد سفهاءهم، فيأتيكم بالخيل والرجال! قالوا: صدق الشيخ! قال أبو جهل= وكان أولاهم بطاعة إبليس=: بل نعمد إلى كل بطن من بطون قريش، فنخرج منهم رجلا فنعطيهم السلاح، فيشدُّون على محمد جميعًا فيضربونه ضربة رجل واحد، فلا يستطيع بنو عبد المطلب أن يقتلوا قريشًا، فليس لهم إلا الدية! قال إبليس: صدق، وهذا الفتى هو أجودكم رأيًا! فقاموا على ذلك. وأخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم، فنام على الفراش، وجعلوا عليه العيون. فلما كان في بعض الليل، انطلق هو وأبو بكر إلى الغار، ونام علي بن أبي طالب على الفراش، فذلك حين يقول الله: "ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك"= و"الإثبات"،: هو الحبس والوثاق= وهو قوله: وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ
(١) " فرقوا "، خافوا وفزعوا.
(٢) في المطبوعة: " إذا اصطبح على فراشه "، لا أدري من أين جاء بها!.
مِنْهَا وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلا قَلِيلا [سورة الإسراء: ٧٦]، يقول: يهلكهم.
فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، لقيه عمر فقال له: ما فعل القوم؟ وهو يرى أنهم قد أهلكوا حين خرج النبي ﷺ من بين أظهرهم، وكذلك كان يُصنع بالأمم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أخِّروا بالقتال".
١٥٩٧٠ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "ليثبتوك أو يقتلوك"، قال: كفار قريش، أرادوا ذلك بمحمد ﷺ قبل أن يخرج من مكة.
١٥٩٧١ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه.
١٥٩٧٢- حدثني ابن وكيع قال: حدثنا هانئ بن سعيد، عن حجاج، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه; إلا أنه قال: فعلوا ذلك بمحمد.
١٥٩٧٣ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك"، الآية، هو النبي صلى الله عليه وسلم، مكروا به وهو بمكة.
١٥٩٧٤ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، في قوله: "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك"، إلى آخر الآية، قال: اجتمعوا فتشاوروا في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: اقتلوا هذا الرجل. فقال بعضهم: لا يقتله رجل إلا قُتل به! قالوا: خذوه فاسجنوه، واجعلوا عليه حديدًا. قالوا: فلا يدعكم أهل بيته! قالوا: أخرجوه. قالوا: إذًا يستغوي الناس عليكم. (١)
(١) " يستغوي الناس "، أي: يدعوهم إلى التجمع. يقال: " تغاووا عليه حتى قتلوه "، إذا تجمعوا وتعاونوا في الشر. والأجود عندي: " يستعوى " (بالعين المهملة). يقال: " استعوى فلان جماعة "، إذا نعق بهم على الفتنة. ويقال: " تعاوى بنو فلان على فلان " و " تغاووا " (بالغين المعجمة)، إذا تجمعوا عليه. و " استعوى القوم "، استغاث بهم. وأصله من " العواء "، عواء الكلب، فتجاوبه كلاب الحي.
قال: وإبليس معهم في صورة رجل من أهل نجد، واجتمع رأيهم أنه إذا جاء يطوف البيت ويستلم، أن يجتمعوا عليه فيغمُّوه ويقتلوه، (١) فإنه لا يدري أهله من قتله، فيرضون بالعقل، فنقتله ونستريح ونعقِله! فلما أن جاء يطوف بالبيت، اجتمعوا عليه فغمُّوه، فأتى أبو بكر فقيل له ذاك، فأتى فلم يجد مدخلا. فلما أن لم يجد مدخلا قال: أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ، [سورة غافر: ٢٨]. قال: ثم فرَّجها الله عنه. فلما أن حطّ الليل، (٢) أتاه جبريل عليه السلام فقال، من أصحابك؟ فقال: فلان وفلان وفلان. فقال: لا نحن أعلم بهم منك، (٣) يا محمد، هو ناموس ليل! (٤) قال: وأخِذ أولئك من مضاجعهم وهم نيام، فأتى بهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقدِّم أحدهم إلى جبريل، فكحَله ثم أرسله، فقال: ما صورته يا جبريل؟ قال: كُفِيتَه يا نبي الله!
(١) في المطبوعة والمخطوطة: " فيعموه " بالعين المهملة، ولها وجه ضعيف عندي، وصوابها بالغين المعجمة. يقال: " غم الشيء يغمه "، إذا علاه وغطاه وستره حتى لا فرجة فيه، ومنه قول النمر بن تولب، يصف اجتماع المقاتلة العرب في الحرب:
زَبَنَتْكَ أَرْكَانُ العَدُوِّ فأَصْبَحتْأَجَأ وَحَيَّة مِنْ قَرَارِ ديارها
وَكأَنَّهَا دَقَرَى، تَخَايَلَ نَبْتُهاأُنُفٌ يَغُمُّ الضَّالَ نَبْتُ بِحَارِهَا
ومنه قيل للغمة " غمة "، وقيل: " سحاب أغم "، لا فرجة فيه. وانظر بعد ذلك صفة اجتماعهم عليه ﷺ بأبي هو وأمي، وأن أبا بكر لم يجد مدخلا، وقوله أيضًا: " ثم فرجها الله عنه ". فكل هذا يدل على صواب قراءتها كما أثبتها. وهذه الصفحة من المخطوطة، يكاد أكثرها يكون غير منقوط.
(٢) في المطبوعة: " فلما أن كان الليل "، غير ما في المخطوطة، وكان فيها " فلما أن حبط " وصواب قراءتها إن شاء الله ما أثبت. و " حط الليل "، نزل وأطبق.
(٣) في المخطوطة: " فقال: فلان وفلان وفلان، فقال لا. فقال جبريل عليه السلام: نحن أعلم بهم منك... "، أخشى أن يكون سقط من الكلام شيء، والذي في المطبوعة اجتهاد من الناشر، تركه على حاله.
(٤) في المطبوعة والمخطوطة: " هو ناموس ليل "، والسياق يقتضي ما أثبت.
و" الناموس " دويبة أغبر، كهنة الذرة، تلكع الناس وتلسعهم. وقولهم: " هم ناموس ليل "، يعني حقارتهم وقلة شأنهم.
ثم قدِّم آخر، فنقر فوق رأسه. بعصًا نقرة ثم أرسله، فقال: ما صورته يا جبريل؟ فقال: كُفِيته يا نبي الله! ثم أتي بآخر فنقر في ركبته، فقال: ما صورته يا جبريل؟ قال: كفيته! ثم أتي بآخر فسقاه مَذْقة، (١) فقال: ما صورته يا جبريل؟ قال: كفيته يا نبي الله! وأتي بالخامس، (٢) فلما غدا من بيته، مرّ بنبّال فتعلق مِشْقَص بردائه، (٣) فالتوى، فقطع الأكحل من رجله. (٤) وأما الذي كحلت عيناه، فأصبح وقد عمي. وأما الذي سقي مَذْقةً، فأصبح وقد استسقى بطنه. وأما الذي نقر فوق رأسه، فأخذته النقبة = و"النقبة"، قرحة عظيمة (٥)
= أخذته في رأسه. وأما الذي طعن في ركبته، فأصبح وقد أقعد. فذلك قول الله: "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين".
١٥٩٧٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قوله: "ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين"، أي: فمكرت لهم بكيدي المتين، حتى خلّصك منهم. (٦)
(١) " المذقة "، الطائفة من اللبن الممزوج بالماء.
(٢) لم يذكر ما فعل جبريل عليه السلام بالخامس، وإن كان ذكر ما آل إليه أمره، فأخشى أن يكون سقط من الكلام شيء.
(٣) في المطبوعة " مر " حذف الفاء، وهو صواب، فأثبتها من المخطوطة. و " المشقص "، نصل السهم إذا كان طويلا غير عريض.
(٤) " الأكحل "، عرق الحياة، ويقال له: " نهر البدن "، وهو عرق في اليد ووسط الذراع، وفي كل عضو منه شعبة، لها اسم على حدة، إذا قطع لم يرقأ الدم.
(٥) في المطبوعة: " النقدة "، في الموضعين. وأما المخطوطة، فالأولى، يوشك أن يكتبها " النقبة " إلا أنه يزيد في رأس الباء، ثم كتب بعد " النقدة " ولم أجد في القروح ما يقال له: " نقدة ".
و" النقبة " (بضم فسكون) أول بدء الجرب، ترى الرقعة مثل الكف بجنب البعير أو وركه أو بمشفرة، ثم تتمشى فيه تشريه كله، أي تملؤه كله. فلعل هذه هي المرادة هنا.
(٦) الأثر: ١٥٩٧٥ - سيرة ابن هشام ١: ٣٢٥، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٥٩٥٥.
وكان في المطبوعة والمخطوطة: " فمكرت لهم "، وأثبت ما في سيرة ابن هشام، وهي أجود.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة :﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ [ أي ] :(١) ليقيدوك.
وقال عطاء، وابن زيد : ليحبسوك.
وقال السُّدِّيّ :" الإثبات ". هو الحبس والوثاق.
وهذا يشمل ما قاله هؤلاء وهؤلاء، وهو مجمع الأقوال(٢) وهو الغالب من صنيع من أراد غيره بسوء.
وقال سُنَيْد، عن حجاج، عن ابن جُرَيْج، قال عطاء : سمعت عُبَيْد بن عُمَيْر يقول : لما ائتمروا بالنبي ﷺ ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه، قال له عمه أبو طالب : هل تدري ما ائتمروا بك ؟ قال :" يريدون أن يسحروني(٣) أو يقتلوني أو يخرجوني "، فقال : من أخبرك(٤) بهذا ؟ قال :" ربي "، قال : نعم الرب ربك، استوص به خيرا فقال :" أنا أستوصي به ؟ ! بل هو يستوصي بي " (٥)
وقال أبو جعفر بن جرير : حدثني محمد بن إسماعيل البصري، المعروف بالوساوسي، أخبرنا عبد الحميد بن أبي رَوَّاد(٦) عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن المطلب بن أبي وَدَاعةِ، أن أبا طالب قال لرسول الله ﷺ : ما يأتمر بك قومك ؟ قال :" يريدون أن يسحروني(٧) أو يقتلوني أو يخرجوني ". فقال : من أخبرك بهذا ؟ قال :" ربي "، قال : نعم الرب ربك، فاستوص به خيرا، " قال : أنا أستوصي به ؟ ! بل هو يستوصي بي ". قال : فنزلت :﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ الآية(٨)
وذِكر أبي طالب في هذا، غريب جدا، بل منكر ؛ لأن هذه الآية مدنية، ثم إن هذه القصة واجتماع قريش على هذا الائتمار والمشاورة على الإثبات أو النفي أو القتل، إنما كان ليلة الهجرة سواء، وكان ذلك بعد موت أبي طالب بنحو من ثلاث سنين لما تمكنوا منه واجترءوا عليه بعد موت عمه أبي طالب، الذي كان يحوطه وينصره ويقوم بأعبائه. والدليل على صحة ما قلنا : ما رواه الإمام محمد بن إسحاق بن يَسَار صاحب " المغازي " عن عبد الله بن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن ابن عباس قال : وحدثني الكلبي، عن باذان مولى أم هانئ، عن ابن عباس ؛ أن نفرًا من قريش من أشراف كل قبيلة، اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة، فاعترضهم(٩) إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رأوه قالوا : من أنت ؟ قال : شيخ من نجد، سمعت أنكم اجتمعتم، فأردت أن أحضركم ولن يعدمكم رأيي ونصحي. قالوا : أجل، ادخل فدخل معهم فقال : انظروا في شأن هذا الرجل، والله ليوشكن أن يواثبكم في أمركم بأمره. قال : فقال قائل منهم : احبسوه في وثاق، ثم تربصوا به ريب المنون، حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء : زهير والنابغة، إنما هو كأحدهم، قال : فصرخ عدو الله الشيخ النجدي فقال : والله ما هذا لكم برأي، والله ليخرجنه ربه من محبسه(١٠) إلى أصحابه، فليوشكن أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم، فيمنعوه منكم، فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم. قال : فانظروا في غير هذا.
قال : فقال قائل منهم : أخرجوه من بين أظهركم تستريحوا منه، فإنه إذا خرج لن يضركم ما صنع وأين وقع، إذا غاب عنكم أذاه واسترحتم، وكان أمره في غيركم، فقال الشيخ النجدي : والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حلاوة [ قوله ](١١) وطلاوة لسانه، وأخذ القلوب ما تسمع(١٢) من حديثه ؟ والله لئن فعلتم، ثم استعرض العرب، ليجتمعن عليكم(١٣) ثم ليأتين إليكم حتى يخرجكم من بلادكم ويقتل أشرافكم. قالوا : صدق والله، فانظروا بابا غير هذا.
قال : فقال أبو جهل، لعنه الله : والله لأشيرن عليكم برأي ما أراكم تصرمونه(١٤) بعد، ما أرى غيره. قالوا : وما هو ؟ قال : نأخذ من كل قبيلة غلاما شابا وسيطا نهدًا، ثم يعطى كل غلام منهم سيفا صارما، ثم يضربونه ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل [ كلها ](١٥) فلا أظن هذا الحي من بني هاشم يقوون على حرب قريش كلها. فإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل، واسترحنا وقطعنا عنا أذاه.
قال : فقال الشيخ النجدي : هذا والله الرأي. القول ما قال الفتى لا رأي غيره، قال : فتفرقوا على ذلك وهم مجمعون له(١٦)
فأتى جبريل النبي ﷺ، فأمره ألا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه، وأخبره بمكر القوم.
فلم يبت رسول الله ﷺ في بيته تلك الليلة، وأذن الله له عند ذلك بالخروج، وأنزل الله عليه بعد قدومه المدينة " الأنفال " يذكر نعمه(١٧) عليه وبلاءه عنده :﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ وأنزل [ الله ](١٨) في قولهم :" تربصوا به ريب المنون، حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء "، ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] وكان ذلك اليوم يسمى " يوم الزحمة " (١٩) للذي اجتمعوا عليه من الرأي(٢٠)
وعن السُّدِّيّ نحو هذا السياق، وأنزل الله في إرادتهم إخراجه قوله تعالى :﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٧٦].
وكذا روى العَوْفي، عن ابن عباس. وروي عن مجاهد، وعُرْوة بن الزبير، وموسى بن عُقْبَة، وقتادة، ومِقْسَم، وغير واحد، نحو ذلك.
وقال يونس بن بُكَيْر، عن ابن إسحاق : فأقام رسول الله ﷺ ينتظر أمر الله، حتى إذا اجتمعت قريش فمكرت به، وأرادوا به ما أرادوا، أتاه جبريل، عليه السلام، فأمره ألا يبيت في مكانه الذي كان يبيت فيه(٢١) فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب، فأمره أن يبيت على فراشه وأن يتسجى ببُرد له أخضر، ففعل. ثم خرج رسول الله ﷺ على القوم وهم على بابه، وخَرَج معه بحفنة من تراب، فجعل يذرها على رؤوسهم، وأخذ الله بأبصارهم عن نبيه محمد ﷺ وهو يقرأ :﴿يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ إلى قوله :﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ١ - ٩].
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي : روي عن عكرمة ما يؤكد هذا(٢٢)
وقد روى [ أبو حاتم ](٢٣) ابن حِبَّان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، من حديث عبد الله بن عثمان بن خُثَيْم، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس قال : دخلت فاطمةُ على رسول الله ﷺ وهي تبكي، فقال :" ما يبكيك يا بُنَيَّة ؟ " قالت : يا أبت، [ و ](٢٤) ما لي لا أبكي، وهؤلاء الملأ من قريش في الحجْر يتعاقدون باللات والعُزَّى ومناة الثالثة الأخرى، لو قد رأوك لقاموا إليك فيقتلونك، وليس منهم إلا من قد عرف نصيبه من دمك. فقال :" يا بنية، ائتني بوَضُوء ". فتوضأ رسول الله ﷺ، ثم خرج إلى المسجد. فلما رأوه قالوا : إنما هو ذا(٢٥) فطأطؤوا رؤوسهم، وسقطت أذقانهم بين أيديهم، فلم يرفعوا أبصارهم. فتناول رسول الله ﷺ قبضة من تراب فحصبهم بها، وقال :" شاهت الوجوه ". فما أصاب رجلا منهم حَصَاة من حصياته إلا قُتل يوم بدر كافرا.
ثم قال الحاكم : صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، ولا أعرف له علة(٢٦)
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر، أخبرني عثمان الجَزَري، عن مِقْسَم مولى ابن عباس أخبره عن ابن عباس في قوله :﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ﴾ قال : تشاورت قريش ليلة بمكة، فقال بعضهم : إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق - يريدون النبي ﷺ - وقال بعضهم : بل اقتلوه. وقال بعضهم : بل أخرجوه. فأطلع الله نبيه على ذلك، فبات علي رضي الله عنه على فراش رسول الله ﷺ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم(٢٧) حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون عليًّا يحسبونه النبي ﷺ، فلما أصبحوا ثاروا إليه، فلما رأوا عليًّا رَدَّ الله تعالى مكرهم، فقالوا : أين صاحبك هذا ؟ قال : لا أدري. فاقتصا(٢٨) أثره، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم، فصعدوا في الجبل فمرّوا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا : لو دخل هاهنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليال(٢٩)
وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عُرْوَة بن الزبير في قوله :﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ أي : فمكرت بهم بكيدي المتين، حتى خلصتك منهم.
١ زيادة من أ..
٢ في د: "وهذا يجمع الأقوال"، وفي ك، م: "وهو تجمع الأقوال"..
٣ في د: "يسجنونني"، وفي أ: "يسخروني"..
٤ في ك، م، أ: "خبرك"..
٥ رواه الطبري في تفسيره (١٣/٤٩٣)..
٦ في د، م: "داود"..
٧ في د: "يسجنونني"، وفي أ: "يسخروني"..
٨ تفسير الطبري (١٣/٤٩٢).
.

٩ في د: "واعترضهم"..
١٠ في أ: "من حبسه"..
١١ زيادة من أ..
١٢ في أ: "ما نشبع"..
١٣ في د، ك، م: "عليه"..
١٤ في أ: "بصرتموه".
١٥ زيادة من د، ك، م، أ..
١٦ زيادة من د، ك، م.
.

١٧ في ك، م: "نعمته"..
١٨ زيادة من د، ك، أ..
١٩ في د، ك، م، أ: "الرحمة"..
٢٠ رواه الطبري في تفسيره (١٣/٤٩٤) من طريق ابن إسحاق به..
٢١ في د، ك، م: "به"..
٢٢ دلائل النبوة للبيهقي (٢/٤٦٩، ٤٧٠)..
٢٣ زيادة من ك، م..
٢٤ زيادة من د..
٢٥ في د، ك، م: "ها هو ذا"..
٢٦ صحيح ابن حبان برقم (١٦٩١) "موارد" والمستدرك (٣/١٥٧).
.

٢٧ في ك، م: "النبي"..
٢٨ في د، ك، م: "فاقتصوا"..
٢٩ المسند (١/٣٤٨) قال الهيثمي في المجمع (٧/٢٧): "فيه عثمان بن عمرو الجزري وثقه ابن حبان وضعفه غيره، وبقية رجاله رجال الصحيح"..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
مَخْرَجًا. زَادَ مُجَاهِدٌ: فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فُرْقَانًا﴾ نَجَاةً. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: نَصْرًا.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: ﴿فُرْقَانًا﴾ أَيْ: فَصْلًا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ.
وَهَذَا التَّفْسِيرُ مِنِ ابْنِ إِسْحَاقَ أَعَمُّ مِمَّا تَقَدَّمَ وَقَدْ يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ كُلَّهُ؛ فَإِنَّ مَنِ اتَّقَى اللَّهَ بِفِعْلِ أَوَامِرِهِ وَتَرْكِ زَوَاجِرِهِ، وُفِّقَ لِمَعْرِفَةِ الْحَقِّ مِنَ الْبَاطِلِ، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ نَصْرِهِ (١) وَنَجَاتِهِ وَمَخْرَجِهِ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، وَسَعَادَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَتَكْفِيرِ ذُنُوبِهِ -وَهُوَ مَحْوُهَا -وَغَفْرُهَا: سَتْرُهَا عَنِ النَّاسِ -سَبَبًا لِنَيْلِ ثَوَابِ اللَّهِ الْجَزِيلِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الْحَدِيدِ: ٢٨].
﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وقَتَادَةُ: ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ [أَيْ] :(٢) لِيُقَيِّدُوكَ.
وَقَالَ عَطَاءٌ، وَابْنُ زَيْدٍ: لِيَحْبِسُوكَ.
وَقَالَ السُّدِّيّ: "الْإِثْبَاتُ". هُوَ الْحَبْسُ وَالْوَثَاقُ.
وَهَذَا يَشْمَلُ مَا قَالَهُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، وَهُوَ مَجْمَعُ الْأَقْوَالِ (٣) وَهُوَ الْغَالِبُ مِنْ صَنِيعِ مَنْ أَرَادَ غَيْرَهُ بِسُوءٍ.
وَقَالَ سُنَيْد، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، قَالَ عَطَاءٌ: سَمِعْتُ عُبَيْد بْنَ عُمَيْر يَقُولُ: لَمَّا ائْتَمَرُوا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُثْبِتُوهُ أَوْ يَقْتُلُوهُ أَوْ يُخْرِجُوهُ، قَالَ لَهُ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ: هَلْ تَدْرِي مَا ائْتَمَرُوا بِكَ؟ قَالَ: "يُرِيدُونَ أَنْ يَسْحَرُونِي (٤) أَوْ يَقْتُلُونِي أَوْ يُخْرِجُونِي"، فَقَالَ: مَنْ أَخْبَرَكَ (٥) بِهَذَا؟ قَالَ: "رَبِّي"، قَالَ: نِعْمَ الرَّبُّ رَبُّكَ، اسْتَوْصِ بِهِ خَيْرًا فَقَالَ: "أَنَا أَسْتَوْصِي بِهِ؟ ! بَلْ هُوَ يَسْتَوْصِي بِي" (٦)
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبَصْرِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِالْوَسَاوِسِيِّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ أَبِي رَوَّاد (٧) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعةِ، أَنَّ أَبَا طَالِبٍ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا يَأْتَمِرُ بِكَ قَوْمُكَ؟ قَالَ: "يُرِيدُونَ أَنْ يَسْحَرُونِي (٨) أَوْ يَقْتُلُونِي أَوْ يُخْرِجُونِي". فَقَالَ: مَنْ أَخْبَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: "رَبِّي"، قَالَ: نِعْمَ الرَّبُّ رَبُّكَ، فَاسْتَوْصِ بِهِ خَيْرًا، "قَالَ: أَنَا أَسْتَوْصِي بِهِ؟! بَلْ هُوَ يَسْتَوْصِي بِي". قَالَ: فَنَزَلَتْ: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ الْآيَةَ (٩)
(١) في أ: "نصرته".
(٢) زيادة من أ.
(٣) في د: "وهذا يجمع الأقوال"، وفي ك، م: "وهو تجمع الأقوال".
(٤) في د: "يسجنونني"، وفي أ: "يسخروني".
(٥) في ك، م، أ: "خبرك".
(٦) رواه الطبري في تفسيره (١٣/٤٩٣).
(٧) في د، م: "داود".
(٨) في د: "يسجنونني"، وفي أ: "يسخروني".
(٩) تفسير الطبري (١٣/٤٩٢).
وذِكر أَبِي طَالِبٍ فِي هَذَا، غَرِيبٌ جِدًّا، بَلْ مُنْكَرٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَدَنِيَّةٌ، ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ وَاجْتِمَاعَ قُرَيْشٍ عَلَى هَذَا الِائْتِمَارِ وَالْمُشَاوَرَةِ عَلَى الْإِثْبَاتِ أَوِ النَّفْيِ أَوِ الْقَتْلِ، إِنَّمَا كَانَ لَيْلَةَ الْهِجْرَةِ سَوَاءً، وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ أَبِي طَالِبٍ بِنَحْوٍ مِنْ ثَلَاثِ سِنِينَ لَمَّا تَمَكَّنُوا مِنْهُ وَاجْتَرَءُوا عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، الَّذِي كَانَ يَحُوطُهُ وَيَنْصُرُهُ وَيَقُومُ بِأَعْبَائِهِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا: مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَار صَاحِبُ "الْمُغَازِي" عَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَحَدَّثَنِي الْكَلْبِيُّ، عَنْ بَاذَانَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ نَفَرًا مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ أَشْرَافِ كُلِّ قَبِيلَةٍ، اجْتَمَعُوا لِيَدْخُلُوا دَارَ النَّدْوَةِ، فَاعْتَرَضَهُمْ (١) إِبْلِيسُ فِي صُورَةِ شَيْخٍ جَلِيلٍ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: شَيْخٌ مِنْ نَجْدٍ، سَمِعْتُ أَنَّكُمُ اجْتَمَعْتُمْ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَحْضُرَكُمْ وَلَنْ يُعْدِمَكُمْ رَأْيِي وَنُصْحِي. قَالُوا: أَجَلْ، ادْخُلْ فَدَخَلَ مَعَهُمْ فَقَالَ: انْظُرُوا فِي شَأْنِ هَذَا الرَّجُلِ، وَاللَّهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يُوَاثِبَكُمْ فِي أَمْرِكُمْ بِأَمْرِهِ. قَالَ: فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: احْبِسُوهُ فِي وِثَاقٍ، ثُمَّ تَرَبَّصُوا بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ، حَتَّى يَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ مِنَ الشُّعَرَاءِ: زُهَيْرٌ وَالنَّابِغَةٌ، إِنَّمَا هُوَ كَأَحَدِهِمْ، قَالَ: فَصَرَخَ عَدُوُّ اللَّهِ الشَّيْخُ النَّجْدِيُّ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا هَذَا لَكُمْ بِرَأْيٍ، وَاللَّهِ لَيُخْرِجَنَّهُ رَبُّهُ مِنْ مَحْبِسِهِ (٢) إِلَى أَصْحَابِهِ، فَلَيُوشِكَنَّ أَنْ يَثِبُوا عَلَيْهِ حَتَّى يَأْخُذُوهُ مِنْ أَيْدِيكُمْ، فَيَمْنَعُوهُ مِنْكُمْ، فَمَا آمَنُ عَلَيْكُمْ أَنْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ بِلَادِكُمْ. قَالَ: فَانْظُرُوا فِي غَيْرِ هَذَا.
قَالَ: فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: أَخْرِجُوهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ تَسْتَرِيحُوا مِنْهُ، فَإِنَّهُ إِذَا خَرَجَ لَنْ يَضُرَّكُمْ مَا صَنَعَ وَأَيْنَ وَقَعَ، إِذَا غَابَ عَنْكُمْ أَذَاهُ وَاسْتَرَحْتُمْ، وَكَانَ أَمْرُهُ فِي غَيْرِكُمْ، فَقَالَ الشَّيْخُ النَّجْدِيُّ: وَاللَّهِ مَا هَذَا لَكُمْ بِرَأْيٍ، أَلَمْ تَرَوْا حَلَاوَةَ [قَوْلِهِ] (٣) وَطَلَاوَةَ لِسَانِهِ، وَأَخْذَ الْقُلُوبِ مَا تَسْمَعُ (٤) مِنْ حَدِيثِهِ؟ وَاللَّهِ لَئِنْ فَعَلْتُمْ، ثُمَّ اسْتَعْرَضَ الْعَرَبَ، لَيَجْتَمِعَنَّ عَلَيْكُمْ (٥) ثُمَّ لَيَأْتِيَنَّ إِلَيْكُمْ حَتَّى يُخْرِجَكُمْ مِنْ بِلَادِكُمْ وَيَقْتُلَ أَشْرَافَكُمْ. قَالُوا: صَدَقَ وَاللَّهِ، فَانْظُرُوا بَابًا غَيْرَ هَذَا.
قَالَ: فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ، لَعَنَهُ اللَّهُ: وَاللَّهِ لَأُشِيرَنَّ عَلَيْكُمْ بِرَأْيٍ مَا أَرَاكُمْ تَصْرِمُونَهُ (٦) بَعْدُ، مَا أَرَى غَيْرَهُ. قَالُوا: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: نَأْخُذُ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ غُلَامًا شَابًّا وَسِيطًا نَهِدًا، ثُمَّ يُعْطَى كُلُّ غُلَامٍ مِنْهُمْ سَيْفًا صَارِمًا، ثُمَّ يَضْرِبُونَهُ ضَرْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَإِذَا قَتَلُوهُ تَفَرَّقَ دَمُهُ فِي الْقَبَائِلِ [كُلِّهَا] (٧) فَلَا أَظُنُّ هَذَا الْحَيَّ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ يَقْوَوْنَ عَلَى حَرْبِ قُرَيْشٍ كُلِّهَا. فَإِنَّهُمْ إِذَا رَأَوْا ذَلِكَ قَبِلُوا الْعَقْلَ، وَاسْتَرَحْنَا وَقَطَعْنَا عَنَّا أَذَاهُ.
قَالَ: فَقَالَ الشَّيْخُ النَّجْدِيُّ: هَذَا وَاللَّهِ الرَّأْيُ. الْقَوْلُ مَا قَالَ الْفَتَى لَا رَأْيَ غَيْرَهُ، قَالَ: فَتَفَرَّقُوا عَلَى ذَلِكَ وَهُمْ مُجْمِعُونَ لَهُ (٨)
فَأَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَرَهُ أَلَّا يَبِيتَ فِي مَضْجَعِهِ الَّذِي كَانَ يَبِيتُ فِيهِ، وَأَخْبَرَهُ بمكر القوم.
(١) في د: "واعترضهم".
(٢) في أ: "من حبسه".
(٣) زيادة من أ.
(٤) في أ: "ما نشبع".
(٥) في د، ك، م: "عليه".
(٦) في أ: "بصرتموه"
(٧) زيادة من د، ك، م، أ.
(٨) زيادة من د، ك، م.
فَلَمْ يَبِتْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَأَذِنَ اللَّهُ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ بِالْخُرُوجِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَعْدَ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ "الْأَنْفَالَ" يَذْكُرُ نِعَمَهُ (١) عَلَيْهِ وَبَلَاءَهُ عِنْدَهُ: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ وَأَنْزَلَ [اللَّهُ] (٢) فِي قَوْلِهِمْ: "تَرَبَّصُوا بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ، حَتَّى يَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ مِنَ الشُّعَرَاءِ"، ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطَّوْرِ: ٣٠] وَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يُسَمَّى "يَوْمَ الزَّحْمَةِ" (٣) لِلَّذِي اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ مِنَ الرَّأْيِ (٤)
وَعَنِ السُّدِّيّ نَحْوُ هَذَا السِّيَاقِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي إِرَادَتِهِمْ إِخْرَاجَهُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلا قَلِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٧٦].
وَكَذَا رَوَى العَوْفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وعُرْوة بْنِ الزُّبَيْرِ، وَمُوسَى بْنِ عُقْبَة، وقَتَادَةَ، ومِقْسَم، وَغَيْرِ وَاحِدٍ، نَحْوُ ذَلِكَ.
وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْر، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْتَظِرُ أَمْرَ اللَّهِ، حَتَّى إِذَا اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ فَمَكَرَتْ بِهِ، وَأَرَادُوا بِهِ مَا أَرَادُوا، أَتَاهُ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَأَمَرَهُ أَلَّا يَبِيتَ فِي مَكَانِهِ الَّذِي كَانَ يَبِيتُ فِيهِ (٥) فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَبِيتَ عَلَى فِرَاشِهِ وَأَنْ يَتَسَجَّى ببُرد لَهُ أَخْضَرَ، فَفَعَلَ. ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْقَوْمِ وَهُمْ عَلَى بَابِهِ، وخَرَج مَعَهُ بِحَفْنَةٍ مِنْ تُرَابٍ، فَجَعَلَ يذرها على رؤوسهم، وَأَخَذَ اللَّهُ بِأَبْصَارِهِمْ عَنْ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقْرَأُ: ﴿يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ١-٩].
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ: رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ مَا يُؤَكِّدُ هَذَا (٦)
وَقَدْ رَوَى [أَبُو حَاتِمِ] (٧) ابْنُ حِبَّان فِي صَحِيحِهِ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْم، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلَتْ فاطمةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ تَبْكِي، فَقَالَ: "مَا يُبْكِيكِ يَا بُنَيَّة؟ " قَالَتْ: يَا أَبَتِ، [وَ] (٨) مَا لِي لَا أَبْكِي، وَهَؤُلَاءِ الْمَلَأُ مِنْ قُرَيْشٍ فِي الحجْر يَتَعَاقَدُونَ بِاللَّاتِ والعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةِ الْأُخْرَى، لَوْ قَدْ رَأَوْكَ لَقَامُوا إِلَيْكَ فَيَقْتُلُونَكَ، وَلَيْسَ مِنْهُمْ إِلَّا مَنْ قَدْ عَرَفَ نَصِيبَهُ مِنْ دَمِكَ. فَقَالَ: "يَا بُنَيَّةُ، ائْتِنِي بوَضُوء". فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ. فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: إِنَّمَا هُوَ ذَا (٩) فطأطؤوا رؤوسهم، وَسَقَطَتْ أَذْقَانُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، فَلَمْ يَرْفَعُوا أَبْصَارَهُمْ. فَتَنَاوَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ فَحَصَبَهُمْ بِهَا، وَقَالَ: "شَاهَتِ الْوُجُوهُ". فَمَا أَصَابَ رَجُلًا مِنْهُمْ حَصَاة مِنْ حَصَيَاتِهِ إِلَّا قُتل يَوْمَ بَدْرٍ كَافِرًا.
ثُمَّ قَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، ولا أعرف له علة (١٠)
(١) في ك، م: "نعمته".
(٢) زيادة من د، ك، أ.
(٣) في د، ك، م، أ: "الرحمة".
(٤) رواه الطبري في تفسيره (١٣/٤٩٤) من طريق ابن إسحاق به.
(٥) في د، ك، م: "به".
(٦) دلائل النبوة للبيهقي (٢/٤٦٩، ٤٧٠).
(٧) زيادة من ك، م.
(٨) زيادة من د.
(٩) في د، ك، م: "ها هو ذا".
(١٠) صحيح ابن حبان برقم (١٦٩١) "موارد" والمستدرك (٣/١٥٧).

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
٣٠ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ.
أي : و أذكر أيها الرسول، ما منَّ اللّه به(١) عليك. إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا حين تشاور المشركون في دار الندوة فيما يصنعون بالنبي ﷺ، إما أن يثبتوه عندهم بالحبس ويوثقوه.
وإما أن يقتلوه فيستريحوا - بزعمهم - من شره.
وإما أن يخرجوه ويجلوه من ديارهم.
فكلُّ أبدى من هذه الآراء رأيا رآه، فاتفق رأيهم على رأي : رآه شريرهم أبو جهل لعنه اللّه، وهو أن يأخذوا من كل قبيلة من قبائل قريش فتى ويعطوه سيفا صارما، ويقتله الجميع قتلة رجل واحد، ليتفرق دمه في القبائل. فيرضى بنو هاشم [ ثَمَّ ] بديته، فلا يقدرون على مقاومة سائر قريش(٢)، فترصدوا للنبي ﷺ في الليل ليوقعوا به إذا قام من فراشه.
فجاءه الوحي من السماء، وخرج عليهم، فذرَّ على رءوسهم التراب وخرج، وأعمى اللّه أبصارهم عنه، حتى إذا استبطؤوه جاءهم آت وقال : خيبكم اللّه، قد خرج محمد وذَرَّ على رءوسكم التراب.
فنفض كل منهم التراب عن رأسه، ومنع اللّه رسوله منهم، وأذن له في الهجرة إلى المدينة، فهاجر إليها، وأيده اللّه بأصحابه المهاجرين والأنصار، ولم يزل أمره يعلو حتى دخل مكة عنوة، وقهر أهلها، فأذعنوا له وصاروا تحت حكمه، بعد أن خرج مستخفيا منهم، خائفا على نفسه.
فسبحان اللطيف بعبده الذي لا يغالبه مغالب.
١ - في النسختين: ما من الله بك عليك..
٢ - في ب: جميع..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٣٠} ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.
أي: ﴿و﴾ أذكر أيها الرسول، ما منَّ الله به (١) عليك. ﴿إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ حين تشاور المشركون في دار الندوة فيما يصنعون بالنبي صلى الله عليه وسلم، إما أن يثبتوه عندهم بالحبس ويوثقوه.
وإما أن يقتلوه فيستريحوا - بزعمهم - من شره.
وإما أن يخرجوه ويجلوه من ديارهم.
فكلُّ أبدى من هذه الآراء رأيا رآه، فاتفق رأيهم على رأي: رآه شريرهم أبو جهل لعنه الله، وهو أن يأخذوا من كل قبيلة من قبائل قريش فتى ويعطوه سيفا صارما، ويقتله الجميع قتلة رجل واحد، ليتفرق دمه في القبائل. فيرضى بنو هاشم [ثَمَّ] بديته، فلا يقدرون على مقاومة سائر (٢) قريش، فترصدوا للنبي ﷺ في الليل ليوقعوا به إذا قام من فراشه.
فجاءه الوحي من السماء، وخرج عليهم، فذرَّ على رءوسهم التراب وخرج، وأعمى الله أبصارهم عنه، حتى إذا استبطؤوه جاءهم آت وقال: خيبكم الله، قد خرج محمد وذَرَّ على رءوسكم التراب.
فنفض كل منهم التراب عن رأسه، ومنع الله رسوله منهم، وأذن له في الهجرة إلى المدينة، فهاجر إليها، وأيده الله بأصحابه المهاجرين والأنصار، ولم يزل أمره يعلو حتى دخل مكة عنوة، وقهر أهلها، فأذعنوا له وصاروا تحت حكمه، بعد أن خرج -[٣٢٠]- مستخفيا منهم، خائفا على نفسه.
فسبحان اللطيف بعبده الذي لا يغالبه مغالب.
(١) في النسختين: ما من الله بك عليك.
(٢) في ب: جميع.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٥ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى تفسير القرآن — الصنعاني غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير — الشنقيطي - العذب النمير تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير سفيان الثوري — عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
لِيُثْبِتُوكَ
لِيَحْبِسُوكَ.

إعراب الآية ٣٠ من سورة الأنفال

من كتاب: إعراب القرآن

[سورة الأنفال (٨) : آية ٢٣]

وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)
وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ أي لأسمعهم جواب كلّ ما يسألون عنه ودلّ على هذا ولو أسمعهم لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ فخبر بالغيب عنهم.

[سورة الأنفال (٨) : آية ٢٤]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)
إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ حذفت الضمّة من الياء لثقلها ولا يجوز الإدغام.
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ (أنّ) في موضع نصب باعلموا، وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ عطف. قال الفراء «١» : ولو استؤنف فكسرت «وإنّه» لكان صوابا.
قال أبو جعفر: وقد ذكرنا لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً «٢».

[سورة الأنفال (٨) : آية ٢٦]

وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)
إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ ابتداء وخبر. مُسْتَضْعَفُونَ نعت وكذا تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ في موضع نصب.

[سورة الأنفال (٨) : آية ٢٧]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)
لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ بغلول الغنائم ونسبها إلى الله جلّ وعزّ لأنه أمر بقسمها، وإلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم لأنه المؤدّي عن الله جلّ وعزّ والقيّم بها. وَتَخُونُوا في موضع جزم نسقا على الأول وقد يكون نصبا على الجواب كما يقال: لا تأكل السمك وتشرب اللّبن.

[سورة الأنفال (٨) : آية ٢٩]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)
إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً أي يجعل بينكم وبين الكفار فرقانا بأن ينصركم ويعزّكم ويخذلهم ويذلّهم.

[سورة الأنفال (٨) : آية ٣٠]

وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٣٠)
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي واذكر هذا لِيُثْبِتُوكَ نصب بلام كي قيل معناه
(١) انظر معاني الفراء ١/ ٤٠٧، والبحر المحيط ٤/ ٤٧٦.
(٢) انظر البحر المحيط ٤/ ٤٧٨.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ٣٠ من سورة الأنفال

من كتاب: المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة

٩٥ - قال اللَّه تعالى: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج أحمد عن ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - في قوله: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ) قال: تشاورت قريش ليلةً بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح، فأثبتوه بالوثاق. يريدون النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقال بعضهم: بل اقتلوه. وقال بعضهم: بل أخرجوه. فأطلع الله - عَزَّ وَجَلَّ - نبيه على ذلك، فبات عليَّ على فراش النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تلك الليلة، وخرج النبي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون علياً يحسبونه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلما أصبحوا ثاروا إليه، فلما رأوا علياً، رد الله مكرهم، فقالوا: أين صاحبك هذا؟ قال: لا أدري. فاقتصوا أثره، فلما بلغوا الجبل خُلِط عليهم فصعدوا في الجبل، فمرُّوا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخل هاهنا، لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليالٍ.
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في تفسير الآية الكريمة، وقد أورد الطبري وابن كثير الحديث بنصه.
قال ابن العربي مصرحًا بسبب نزولها: (قد بينا أنها مكية، وسبب نزولها والمراد بها ما روي أن قريشًا اجتمعت في دار الندوة، وقالت: إن أمر محمد قد طال علينا. فماذا ترون؟ فأخذوا في كل جانب من القول فذكر الحديث... ) اهـ.
وقال ابن عطية: (وهذا المكر الذي ذكره اللَّه في هذه الآية هو بإجماع من المفسرين إشارة إلى اجتماع قريش في دار الندوة بمحضر إبليس في صورة شيخ نجدي على ما نص ابن إسحاق في سيره، الحديث بطوله وهو الذي كان خروج رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من مكة بسببه) اهـ.
وقال القرطبي: (هذا إخبار بما اجتمع عليه المشركون من المكر بالنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في دار الندوة فاجتمع رأيهم على قتله فبيتوه، ورصدوه على باب منزله طول ليلتهم ليقتلوه إذا خرج... حتى ذكر الحديث) اهـ.
وقال السعدي: (واذكر أيها الرسول ما منّ الله به عليك إذ يمكر بك الذين كفروا حين تشاور المشركون في دار الندوة فيما يصنعون بالنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إما أن يثبتوه عندهم بالحبس ويوثقوه، وإما أن يقتلوه فيستريحوا - بزعمهم من دعوته - وإما أن يخرجوه ويجلوه من ديارهم، فكل أبدى من هذه الآراء رأيا رآه.
فاتفق رأيهم على رأي رآه شريرهم، أبو جهل - لعنه اللَّه - وهو أن يأخذوا من كل قبيلة من قبائل قريش فتى ويعطوه سيفاً صارمًا ويقتله الجميع قتلة رجل واحد ليتفرق دمه في القبائل، فيرضى بنو هاشم ثمَّ بديته فلا يقدرون على مقاومة جميع قريش، فترصدوا للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الليل ليوقعوا به إذا قام من فراشه، فجاء الوحي من السماء، وخرج عليهم فذر على رؤوسهم التراب
وخرج وأعمى الله أبصارهم عنه، حتى إذا استبطأوه جاءهم آتٍ وقال: خيبكم الله قد خرج محمد وذرَّ على رؤوسكم التراب فنفض كلٌّ منهم التراب عن رأسه ومنع الله رسوله منهم وأذن له في الهجرة إلى المدينة) اهـ.
وقال ابن عاشور: (أشارت الآية إلى تردد قريش في أمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حين اجتمعوا للتشاور في ذلك بدار الندوة في الأيام الأخيرة قُبيل هجرته) اهـ.
وبما تقدم من نصوص العلماء يتبين أن ابن العربي وحده ذهب إلى أن القصة سبب لنزول الآية، وما عداه من العلماء لم يذكروا السببية، لكنهم أشاروا إلى أن الآية تتحدث عن مكر قريش بالنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حبساً أو قتلاً أو نفياً وإخراجاً وهذا هو الصحيح فإنه لا شيء يدل على أن الآية نزلت بسبب تلك القصة بل الدليل يدل على عكس ذلك فإن هذا المكر والتشاور كان بمكة، والآية التي تتحدث عن ذلك مدنية ولهذا قال البغوي:
(واذكر إذ يمكر بك الذين كفروا وإذ قالوا اللهم؛ لأن هذه السورة مدنية وهذا المكر والقول إنما كانا بمكة ولكن الله ذكرهم بالمدينة كقوله تعالى: (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ) اهـ.
وإذا كان الأمر كذلك فكيف تنزل آية مدنية بسبب قصة مكية هذا خلاف المعهود عند العلماء في سبب النزول.
ثم يضاف إلى هذا أمران آخران:
الأول: أن ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - لم يذكر سبب النزول ولم يصرح به بل ذكر الآية من باب التفسير لها.
الثاني: أن الحديث ضعيف الإسناد فلا يحتج به على سبب النزول.
* النتيجة:
أن الحديث ليس سبباً لنزول الآية، لضعف سنده، وطول الأمد بين القصة ونزول الآية، مع ترك جل المفسرين الاحتجاج به على السببية واللَّه أعلم.

الموضوعات القرآنية للآية ٣٠ من سورة الأنفال

٥ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٣٥ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

١٧ قولًا
١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿ليثبتوك﴾: لِيُوثِقُوك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏١٣٢.
٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق منصور- ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾، قال: يُوبِقُوك١ ذلك٢
التخريج
  1. ١وبَقَ: هلك. النهاية (وبق).
  2. ٢أخرجه سفيان الثوري ص١١٨.
٣
عن عطاء [بن أبي رباح] -من طريق ابن جريج- في قوله: ﴿ليثبتوك﴾، قال: لِيَسجِنوك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏١٣٢-١٣٣، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٦٨٨. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ.
٤
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ﴾ الآية، يقول: لِيَشُدُّوك وثاقًا، وأرادوا بذلك نبيَّ الله ﷺ وهو يومئذ بمكة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏١٣٢، وبنحوه من طريق مَعْمَر. وعلَّق ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٦٨٨ نحوه.
٥
عن عبد الله بن كثير -من طريق ابن جريج- قوله: ﴿ليثبتوك﴾، قال: يسجنوك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏١٣٢، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٦٨٨.
٦
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- ﴿ليثبتوك﴾، قال: الإثْبات: هو الحبس والوَثاق١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏١٣٢. وعلَّقه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٦٨٨.
٧
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من قريش؛ ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ يعني: ليحبسوك في بيت، يعني: أبا البَخْتَرِيِّ ابن هشام، ﴿أوْ يَقْتُلُوكَ﴾ يعني: أبا جهل، ﴿أوْ يُخْرِجُوكَ﴾ من مكة، يعني به: هشام بن عمرو١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏١١٢.
٨
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب-: قالوا: اسجنوه١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏١٣٣.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ كثير (٧/٥٩) مَن قال بأن معنى ﴿ليثبتوك﴾: لِيُقَيِّدوك. ومن قال بأن المعنى: لِيَحْبِسُوك. ثم علَّق على قول السدي قائلًا: «وهذا يشمل ما قاله هؤلاء وهؤلاء، وهو مَجْمَع الأقوال، وهو الغالب من صنيع من أراد غيره بسوء». وزاد ابنُ عطية (٤/١٧٣) قولًا نقله عن الطبري أن المعنى: «ليسحروك».
٩
عن عروة بن الزبير -من طريق ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر- قال: ﴿ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾، أي: فمكرت بهم بِكَيْدِي المتين حتى خَلَّصْتُك منهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٥‏/‏١٦٨٨.
١٠
قال الضحاك بن مزاحم: ﴿ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ﴾ ويصنعون ويصنع الله١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٤‏/‏٣٥٠، وتفسير البغوي ٣‏/‏٣٥٠.
١١
قال الحسن البصري: ﴿ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ﴾ ويقولون ويقول الله١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٤‏/‏٣٥٠.
١٢
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قوله: ﴿ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾، أي: فمكرتُ لهم بكَيْدِي المتين حتى خَلَّصْتُك منهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏١٤٠.
١٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويَمْكُرُونَ﴾ بالنبي ﷺ الشَّرَّ، ﴿ويَمْكُرُ اللَّهُ﴾ بهم حين أخرجهم من مكة فقتلهم ببدر، فذلك قوله: ﴿واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ أفضل مكرًا منهم. وأنزل الله: ﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا﴾ [الزخرف:٧٩]، يقول: أم أجمعوا على أمر، ﴿فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ يقول: لَنُخْرِجَنَّهم إلى بدر؛ فنقتلهم، أو نُعَجِّل أرواحهم إلى النار١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏١١٠-١١٢.
١٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- قوله: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ﴾ الآية، هو النبي ﷺ، مكروا به وهو بمكة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏١٣٩.
١٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- ﴿ليثبتوك﴾، يعني: ليُوثِقوك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏١٣٢، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٦٨٨. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
١٦
عن مِقْسَمِ بنِ بُجْرَةَ -من طريق مَعْمَر- قال: قالوا: أوْثِقُوه بالوَثاق١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏١٣٢.
١٧
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- في قوله: ﴿ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك﴾، قال: كفار قريش، أرادوا ذلك بمحمد ﷺ قبل أن يَخْرُج من مكة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏١٣٨. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وأبي الشيخ.

آثار متعلقة بالآية

قول واحد
١
عن عليِّ بن الحسين، قال: إن أوَّلَ من شَرى نفسَه ابتغاء رضوان الله عليٌّ، وقال في ذلك: وقَيتُ بنفسي خيرَ مَن وطِئ الحصى ومَن طاف بالبيتِ العتيقِ وبالحِجْرِ رسولَ الإله خاف أن يَمْكُروا بهِ فنَجّاهُ ذو الطَّوْلِ الإله من المكرِ وبات رسولُ الله في الغار آمِنًا مُوَقًّى وفي حفظِ الإله وفي سِترِ وبِتُّ أراعيهمْ وما يَتْهِمُونَني وقد وُطِّنَتْ نفسي على القتلِ والأسرِ١
التخريج
  1. ١أخرجه الحاكم ٣‏/‏٤.

نزول الآية، وقصتها

١٧ قولًا
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عمرو بن ميمون-، قال: شَرى عَلِيٌّ نفسَه، ولَبِس ثوبَ النبي ﷺ، ثم نام مكانه، وكان المشركون يَرْمُون١ رسول الله ﷺ، وكانت قريش تريد أن تقتل النبي ﷺ، فجعلوا يَرْمُون عليًّا، ويُرَوْنه النبي ﷺ، وجعل عَلِيٌّ يَتَضَوَّرُ٢، فإذا هو عليٌّ، فقالوا: إنّك لَلَئِيمٌ، إنّك لَتَتَضَوَّرُ، وكان صاحبك لا يَتَضَوَّر، ولقد استنكرناه منك٣
التخريج
  1. ١أي: يريدون. اللسان (رمى).
  2. ٢التضوُّر: التقلُّب ظهرًا لبطن مِن جوع أو غيره. اللسان (ضور).
  3. ٣أخرجه الحاكم ٣‏/‏٥ (٤٢٦٣). قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخَرِّجاه». ووافقه الذهبي.
٢
عن عبدالله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: دخلت فاطمة على رسول الله ﷺ وهي تبكي، فقال: «ما يُبكِيكِ، يا بُنَيَّةُ؟». قالت: يا أبتِ، و ما لي لا أبكي، وهؤلاء الملأ مِن قريش في الحجر يتعاقدون باللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى لو قد رأوك لقاموا إليك فيقتلونك، وليس منهم إلا مَن قد عرف نصيبه من دمك! فقال: «يا بُنَيَّة، ائتني بوضوء». فتوضأ رسول الله ﷺ، ثم خرج إلى المسجد، فلما رأوه قالوا: إنما هو ذا. فطأطؤوا رؤوسهم، وسقطت أذقانهم بين أيديهم، فلم يرفعوا أبصارهم. فتناول رسول الله ﷺ قبضة من تراب، فحصبهم بها، وقال: «شاهَت الوجوه». فما أصاب رجلًا منهم حصاةٌ مِن حصياته إلا قُتِل يوم بدر كافرًا١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٤‏/‏٤٨٦-٤٨٧ (٢٧٦٢)، ٥‏/‏٤٤٢ (٣٤٨٥)، وابن حبان ١٤‏/‏٤٣٠ (٦٥٠٢)، والحاكم ١‏/‏٢٦٨ (٥٨٣). قال الحاكم: «هذا حديث صحيح... ، ولم يخرجاه». وقال الهيثمي في المجمع ٨‏/‏٢٢٨ (١٣٨٧٢): «رواه أحمد بإسنادين، ورجال أحدهما رجال الصحيح». وقال الألباني في الصحيحة ٦‏/‏٧٨١-٧٨٢ (٢٨٢٤): «وهذا إسناد جيد رجاله ثقات رجال الصحيح إلا أن يحيى بن سليم، وهو الطائفي، فيه كلام من جهة حفظه، لكنه قد تُوبع مِن جَمْعٍ، فأمنّا بذلك سوء حفظه، وصحّ الحديث والحمد لله».
٣
عن المُطَّلِبِ بن أبي وداعَةَ -من طريق عُبَيْد بن عُمَيْر- قال: إنّ أبا طالب قال للنبي ﷺ: ما يَأْتَمِرُ بك قومُك؟ قال: «يُريدون أن يَسجُنوني، أو يَقْتلوني، أو يُخْرجوني». قال: مَن حَدَّثك بهذا؟ قال: «رَبِّي». قال: نِعْمَ الربُّ ربُّك، فاستوصِ به خيرًا. قال: «أنا أستوصِي به! بل هو يستوصِي بي». فنزلت: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏١٣٣.
٤
عن عُبَيْد بن عُمَيْر -من طريق عطاء- قال: لَمّا ائْتَمَروا بالنبي ﷺ ليُثبِتوه، أو يَقْتُلوه، أو يُخْرِجوه، قال له عمُّه أبو طالب: هل تَدري ما ائْتَمروا بك؟ قال: «يريدون أن يسجُنوني، أو يَقْتلوني، أو يُخْرجوني». قال: مَن حدَّثك بهذا؟ قال: «ربِّي». قال: نِعْم الربُّ ربُّك، استوصِ به خيرًا. قال: «أنا أستوصِي به! بل هو يستوصِي بي»١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏١٣٣-١٣٤، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٦٨٨ (٨٩٩٨) مرسلا.
تعليقات المحققين
  1. ٢انتقد ابن كثير (٧/٥٩) مستندًا إلى مخالفة التاريخ، ومستندًا إلى الدلالة العقلية، وأقوال السلف قولَ المطلب بن أبي وداعة، وعبيد بن عمير، فقال: «وذِكْر أبي طالب في هذا غريبٌ جدًّا، بل منكر؛ لأن هذه الآية مدنية، ثم إن هذه القصة، واجتماع قريش على هذا الائتِمار والمشاورة على الإثبات أو النفي أو القتل، إنما كان ليلة الهجرة سواء، وكان ذلك بعد موت أبي طالب بنحو من ثلاث سنين، لَمّا تمكنوا منه واجترءوا عليه بعد موت عمه أبي طالب، الذي كان يحوطه وينصره ويقوم بأعبائه، والدليل على صحة ما قلنا: ما رواه الإمام محمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي...». وذكر أثر ابن عباس بأنّ نفرًا من قريش ومن أشراف كل قبيلة اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة... إلخ. واستدرك ابن عطية (٤/١٧٢) على قولهما، فقال: «وهذا المَكْرُ الذي ذَكَره الله في هذه الآية هو بإجماع من المفسرين إشارةٌ إلى اجتماع قريش في دار النَّدْوَة بمَحْضَر إبليس في صورة شَيْخٍ نَجْدِيٍّ على ما نَصَّ ابن إسحاق في سِيَرِه. الحديث بطوله، وهو الذي كان خروج النبي ﷺ من مكة بسببه، ولا خلاف أن ذلك كان بعد موت أبي طالب».
٥
عن مِقْسَمِ بنِ بُجْرَةَ -من طريق معمر- في قوله: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك﴾، قالا: تشاوَروا فيه ليلة وهم بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح فأَوْثِقوه بالوَثاق. وقال بعضهم: بل اقتلوه. وقال بعضهم: بل أخْرِجوه. فلما أصْبَحوا رَأَوْا عَلِيًّا، فرَدَّ الله مَكْرهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏١٣٦.
٦
قال مجاهد بن جبر -من طريق ابن جُرَيْج-: هذه مكية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏١٤٠.
٧
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق ابن جريج- ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا﴾، قال: هي مكِّية١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏١٤٠-١٤١. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
تعليقات المحققين
  1. ٢رجّح ابن عطية (٤/١٧١) أنّ هذه الآية مدنية كسائر السورة بقوله: «وهذا هو الصواب». ولم يذكر مستندًا. ثم وجَّه ابنُ عطية (٤/١٧١) قولَ مجاهد، وعكرمة من طريق ابن جريج قائلًا: «ويحتمل عندي قول عكرمة ومجاهد: هذه مكية. أنْ أشارا إلى القصة لا إلى الآية».
٨
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق عبد الرزاق، عن أبيه-، قال: لَمّا خرج النبي ﷺ وأبو بكر إلى الغار، أمَرَ عَلَيّ بن أبي طالب، فنام في مَضْجَعِهِ، فبات المشركون يحرسونه، فإذا رأوه نائمًا حسبوا أنه النبي ﷺ فتركوه، فلما أصبحوا ثاروا إليه وهم يحسبون أنّه النبي ﷺ فإذا هم بعلي، فقالوا: أين صاحبك؟ قال: لا أدري. قال: فرَكِبوا الصَّعْب والذَّلُول في طلبه١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٢٧٩، وابن جرير ١١‏/‏١٣٦.
٩
عن معاوية بن قُرَّةَ: أنّ قريشًا اجتمَعتْ في بيتٍ، وقالوا: لا يَدْخُلْ معكم اليوم إلا مَن هو منكم. فجاء إبليس، فقالوا له: مَن أنت؟ قال: شيخٌ مِن أهل نجد، وأنا ابن أختكم. فقالوا: ابن أخت القوم منهم. فقال بعضهم: أوْثِقوه. فقال: أيَرْضى بنو هاشم بذلك؟ فقال بعضهم: أخْرِجوه. فقال: يُؤْوِيه غيرُكم. فقال أبو جهل: لِيَجْتَمِعْ مِن كلِّ بني أبٍ رجلٌ فيَقتُلوه. فقال إبليس: هذا الأمرُ الذي قال الفتى. فأنزل الله هذه الآية: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك﴾ إلى آخر الآية١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
١٠
عن قتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر- قال: دَخَلوا دار النَّدْوَة يَأْتَمِرون بالنبي ﷺ، فقالوا: لا يدخُلْ معكم أحدٌ ليس منكم. فدخل معهم الشيطان في صورة شيخٍ مِن أهل نجد، فتشاوروا، فقال رجل منهم: أرى أن تُرْكِبوه بعيرًا، ثم تُخرِجوه. فقال الشيطان: بِئْسَما رأى هذا، هو قد كاد أن يُفْسِدَ فيما بينكم وهو بين أظهُرِكم، فكيف إذا أخْرَجتُموه فأَفْسَد الناس، ثم حَمَلهم عليكم يُقاتِلونكم؟! قالوا: نِعْمَ ما رأى هذا الشيخ. فقال قائل آخر: فإنِّي أرى أن تجعلوه في بيتٍ، وتُطَيِّنوا عليه بابَه، وتَدَعوه فيه حتى يموت. فقال الشيطان: بِئْسَما رأى هذا، فتَرى قومَه يَتْرُكونه فيه؟! لا بُدَّ أن يغضبوا له فيُخرِجوه. فقال أبو جهل: فإني أرى أن تُخرِجوا من كلِّ قبيلة رجلًا، ثم يأخذوا أسيافَهم، فيَضرِبونه ضربةً واحدة، فلا يُدرى مَن قتَله، فتَدُونَه١. فقال الشيطان: نِعْمَ ما رأى هذا. فأطلع الله نبيَّه ﷺ على ذلك؛ فخرج هو وأبو بكر إلى غارٍ في جبل يقال له: ثَوْر. وقام عَلِيٌّ عَلى فراش النبي ﷺ، وباتوا يَحْرُسونه يحسَبون أنه النبي ﷺ، فلما أصبحوا ثاروا إليه، فإذا هم بعليٍّ، فقالوا: أين صاحبك؟ فقال: لا أدري. فاقْتَصُّوا أثَرَه حتى بلَغُوا الغار، ثم رجَعوا، ومكث فيه هو وأبو بكر ثلاث ليالٍ٢
التخريج
  1. ١أي: تعطون ديته. النهاية (ودا).
  2. ٢أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٩٧٤٣). وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد. كما أخرجه ابن جرير ١١‏/‏١٣٦ بنحوه مختصرًا جدًّا. مرسلًا.
١١
عن إسماعيل السُّدِّي -من طريق أسباط -: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾، قال: اجتمعت مَشْيَخَةُ قريش يتشاورون في النبي ﷺ بعد ما أسْلَمَت الأنصار، وفَرِقُوا١ أن يَتَعالى أمرُه إذا وجَد مَلْجَأً لَجَأَ إليه. فجاء إبليس في صورة رجل من أهل نجد، فدخل معهم في دار النَّدْوَة، فلَمّا أنكروه قالوا: من أنت؟! فوالله ما كلّ قومنا أعْلَمْناهم مَجْلِسَنا هذا. قال: أنا رجل من أهل نجد، أسمع من حديثكم، وأُشِير عليكم. فاستحيوا، فخَلّوا عنه. فقال بعضهم: خذوا محمدًا إذا اصطبح على فراشه، فاجعلوه في بيت نتربص به رَيْبَ المَنُون -والرَّيْب: هو الموت، والمَنُون: هو الدهر-. قال إبليس: بِئْسَما قلتَ، تجعلونه في بيت فيأتي أصحابه فيخرجونه؛ فيكون بينكم قتال، قالوا: صدق الشيخ. قال: أخْرِجوه من قريتكم. قال إبليس: بِئْسَما قلتَ، تخرجونه من قريتكم وقد أفْسَد سفهاءكم، فيأتي قريةً أخرى فيفسد سفهاءهم، فيأتيكم بالخيل والرجال. قالوا: صدق الشيخ. قال أبو جهل -وكان أوْلاهم بطاعة إبليس-: بل نَعْمِدُ إلى كل بَطْن من بُطُون قريش، فنُخْرِج منهم رَجُلًا، فنعطيهم السلاح، فيَشِدُّون على محمد جميعًا، فيضربونه ضربة رجل واحد، فلا يستطيع بنو عبد المطلب أن يقتلوا قريشًا، فليس لهم إلا الدِّيَة. قال إبليس: صدق هذا الفتى، هو أجْوَدُكم رأيًا. فقاموا على ذلك، وأخبر اللهُ رسولَه ﷺ، فنام على الفراش، وجعلوا عليه العيون. فلما كان في بعض الليل، انطلق هو وأبو بكر إلى الغار، ونام عليُّ بن أبي طالب على الفراش، فذلك حين يقول الله: ﴿ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك﴾. والإثْبات: هو الحبس والوَثاق، وهو قوله: ﴿وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا﴾ [الإسراء:٧٦]، يقول: يهلكهم. فلَمّا هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة لَقِيَه عمر، فقال له: ما فَعَل القوم؟ وهو يرى أنهم قد أُهْلِكوا حين خَرَج النبي ﷺ من بين أظْهُرهم، وكذلك كان يُصْنَع بالأمم، فقال النبي ﷺ: «أُخِّرُوا بالقتال»٢
التخريج
  1. ١أي: فزعوا. النهاية (فرق).
  2. ٢أخرجه ابن جرير ١١‏/‏١٣٧ مرسلا.
١٢
قال محمد بن السائب الكلبي: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا﴾ الآية، بَلَغَنا: أنّ عِصابة من قريش اجتمعوا في دار النَّدْوَة يمكرون بنبي الله، فدخل معهم إبليس، عليه ثياب، له أظفار، في صورة شيخ كبير، فجلس معهم، فقالوا: ما أدْخَلَك في جماعتنا بغير إذننا؟ فقال لهم: أنا رجل من أهل نجد، قدمت مكة، فأحببت أن أسمع من حديثكم، وأقتبس منكم خيرًا، ورأيت وجوهكم حسنة وريحكم طيبة؛ فإن أحببتم جلست معكم، وإذا كرهتم مجلسي خرجت. فقال بعضهم لبعض: هذا رجل من أهل نجد ليس من أهل تهامة، فلا بأس عليكم منه تتكلموا بالمكر بنبي الله، فقال البَخْتَرِيُّ بنُ هشام -أحد بني أسَد بن عبد العُزّى-: أمّا أنا فأرى لكم من الرَّأْي أن تأخذوا محمدًا، فتجعلوه في بيت، ثم تَسُدُّوا عليه بابَه، وتجعلوا فيه كُوَّة يُدْخَل إليه منها طعامه وشرابه، ثم تَذَرُوه فيه حتى يموت، فقال القوم: نِعْمَ الرَّأْيُ رَأَيْتَ. فقال إبليس: بِئْسَ الرَّأْيُ رَأَيْتُم، تعمدون إلى رجل له فيكم صَغْوٌ، وقد سَمِع به من حولكم، فتحبسونه، وتطعمونه وتسقونه، فيوشك الصَّغْوُ الذي له فيكم أن يقاتلوكم عليه، فتفسد فيه جماعتكم، وتسفك فيه دماؤكم. فقالوا: صدق والله. ثم تكلم أبو الأسود -وهو هاشم بن عمير بن ربيعة أحد بني عامر بن لؤي- فقال: أمّا أنا، فأرى أن تحملوا محمدًا على بعير، ثم تُخْرِجوه من أرضكم، فيذهب حيث شاء، ويليه غيركم. فقالوا: نِعْمَ الرَّأْيُ رَأَيْت. فقال إبليس: بِئْسَ الرَّأْيُ رأيتم، تعمدون إلى رجل أفسد جماعتكم، واتَّبَعَتْه منكم طائفة، فتخرجونه إلى غيركم، فيأتيهم فيفسدهم كما أفسدكم، يوشك والله أن يميل بهم عليكم. قالوا: صدق والله. ثم تكلم أبو جهل، فقال: أمّا أنا فأرى من الرَّأْيِ أن تأخذوا من كل بطنٍ من قريش رجلًا، ثم تُعْطُوا كلَّ رجل منهم سيفًا، فيأتونه فيضربونه جميعًا، فلا يدري قومُه مَن يَأْخُذُون به، وتُودِي قريش دِيَتَه. فقال إبليس: صدق والله هذا الشاب؛ إن الأمر لكَما قال. فاتَّفَقُوا على ذلك، فنزل جبريل على النبي ﷺ فأخبره، وأمره بالخروج، فخرج من ليلته إلى المدينة، فدخل الغار. قال الله: ﴿ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٢‏/‏١٧٤-١٧٥-.
١٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وذلك أن نفرًا من قريش؛ منهم أبو جهل بن هشام، وعُتْبَة بن ربيعة، وهشام بن عمرو، وأبو البَخْتَرِيِّ بن هشام، وأُمَيَّة بن خلف، وعُقْبَة بن أبى مُعَيْط، وعُيَيْنَة بن حِصْن الفزاري، والوليد بن المغيرة، والنَّضْر بن الحارث، وأُبَيّ بن خلف، اجتمعوا في دار الندوة بمكة [يومًا] -وهو يوم السبت-؛ ليمكروا بالنبي ﷺ، فأتاهم إبليس في صورة رجل شيخ كبير، فجلس معهم. فقالوا: ما أدْخَلَك في جماعتنا بغير إذننا؟ قال: إنَّما أنا رجل من أهل نجد، ولست من أهل تهامة، قدمت مكة، فرأيتكم حسنة وجوهكم، طيّبة ريحكم، نَقِيَّة ثيابكم، فأحببت أن أسمع من حديثكم، وأستر عليكم، فإن كرهتم مجلسي خرجت من عندكم. فقالوا: هذا رجل من أهل نجد، وليس من أهل تهامة؛ فلا بأس عليكم منه، فتَعَمَّلوا بالمكر بمحمد. فقال أبو البَخْتَرِيِّ بن هشام من بني أسد بن عبد العُزّى: أما أنا فرأيي أن تأخذوا محمدًا فتجعلوه في بيت، وتَسُدُّوا بابَه، وتَدَعُوا له كُوَّة يُدْخَل منها طعامه وشرابه حتى يموت. قال إبليس: بِئْسَ والله الرأَّيُ رأيتم، تعمدون إلى رجل له فيكم صَغْوٌ قد سمع به من حولكم فتحبسونه، فتطعمونه وتسقونه، فيوشك الصَّغْوُ الذي له فيكم أن يقاتلكم عليه، فيفسد جماعتكم، ويسفك دماءكم. فقالوا: صدق والله الشيخ. فقال هشام بن عمرو من بني عامر بن لُؤَيّ: أمّا أنا فرأيي أن تحملوا محمدًا على بعير، فيُخْرَج من أرضكم، فيَذْهَب حيث شاء، ٣ويليه غيرُكم. قال إبليس: بِئْسَ والله الرأيُ رأيتم، تعمدون إلى رجل قد شَتَّت وأفسد جماعتكم، واتَّبعه منكم طائفة، فتُخرجوه إلى غيركم، فيفسدهم كما أفسدكم، فيوشك والله أن يُقْبِل بهم عليكم، ويتولى الصَّغْوُ الذي له فيكم. قالوا: صدق والله الشيخ. فقال أبو جهل بن هشام المخزومي: أما أنا فرأيي أن تعمدوا إلى كل بطن من قريش، فتأخذوا من كل بَطْن رجلًا، ثم تُعْطُوا كلَّ رجل منهم سيفًا، فيضربونه جميعًا بأسيافهم، فلا يدري قومُه من يأخذون به، وتُؤَدِّي قريشٌ دِيَتَه. قال إبليس: صدق والله الشاب، إن الأمر لَكَما قال. فتَفَرَّقوا على قول أبي جهل، فنزل جبريل عليه السلام، فأخبره بما ائتمر به القوم، وأمره بالخروج، فخرج النبي ﷺ من ليلته إلى الغار، وأنزل الله عز وجل: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏١١٠-١١٢.
١٤
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك﴾ إلى آخر الآية، قال: اجْتَمَعوا، فتَشاوَرُوا في رسول الله ﷺ، فقالوا: اقتلوا هذا الرجل. فقال بعضهم: لا يقتله رجل إلا قُتِل به. قالوا: خذوه فاسجنوه، واجعلوا عليه حديدًا. قالوا: فلا يدعكم أهلُ بيته. قالوا: أخْرِجُوه. قالوا: إذًا يَسْتَغْوِي الناسَ عليكم. قال: وإبليس معهم في صورة رجلٍ من أهل نجد، واجتمع رأيُهم أنّه إذا جاء يطوف البيت ويستلم أن يجتمعوا عليه فَيَغُمُّوهُ١ ويقتلوه، فإنه لا يدري أهلُه مَن قتله، فيرضون بالعَقْل، فنقتله ونستريح ونَعْقِله. فلَمّا أن جاء يطوف بالبيت اجتمعوا عليه، فَغَمَّوهُ، فأتى أبو بكر، فقيل له ذاك، فأتى فلم يجد مدخلًا، فلَمّا أن لم يجد مدخلًا قال: ﴿أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم﴾ [غافر:٢٨]؟ قال: ثم فَرَّجَها اللهُ عنه، فلَمّا أن كان الليل أتاه جبريل عليه السلام، فقال: مَن أصحابُك؟ فقال: فلان، وفلان، وفلان. فقال: لا، نحن أعلم بهم منك يا محمد، هو ناموس ليل. قال: وأُخِذَ أولئك من مضاجعهم وهم نيام، فأُتِي بهم النبي ﷺ، فقَدِم أحدُهم إلى جبريل، فكَحَلَه، ثم أرسله، فقال: ما صورته، يا جبريل؟ قال: كُفِيتَه، يا نبي الله. ثم قدم آخر، فنَقَر فوق رأسه بِعَصًا نقرةً، ثم أرسله، فقال: ما صورته، يا جبريل؟ فقال: كُفِيتَه يا نبي الله. ثم أُتِيَ بآخر، فنقر في ركبته، فقال: ما صورته، يا جبريل؟ قال: كُفِيتَه. ثم أُتِي بآخر، فسقاه مَذْقَةً٢، فقال: ما صورته، يا جبريل؟ قال: كُفِيتَه، يا نبي الله. وأُتِيَ بالخامس، فلما غَدا من بيته مَرَّ بنِبالٍ، فتَعَلَّق مِشْقَصٌ٣ برِدائِه فالتَوى، فقطع الأَكْحَلَ٤ مِن رجله، وأَمّا الذي كُحِّلَت عيناه فأصبح وقد عَمِي، وأما الذي سُقِي مَذْقَةً فأصبح وقد اسْتَسْقى بطنُه، وأما الذي نُقِرَ فوق رأسه فأخذته النَّقْرَة –والنَّقْرَة: قُرْحَة عظيمة-، أخذته في رأسه، وأما الذي طُعِن في رُكْبَتِه فأَصْبَح وقد أُقْعِد. فذلك قول الله: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾٥
التخريج
  1. ١أي: يُغَطُّوه. اللسان (غم).
  2. ٢المَذْقَة: الشربَةُ من اللبن المَمْذُوق. النهاية (مذق).
  3. ٣المِشْقَص: نَصْلُ السهم إذا كان طويلًا غير عريض. النهاية (شقص).
  4. ٤الأَكْحَل: عِرْق في وسط الذِّراع يكثر فَصْدُه. النهاية (كحل).
  5. ٥أخرجه ابن جرير ١١‏/‏١٣٩-١٤٠.
١٥
عن أنس بن مالك، قال: سُئل النَّبِيّ ﷺ عن الأيام؛ سُئِل عن يوم السبت، فقال: «هو يومُ مَكْر وخَدِيعة». قالوا: وكيف ذاك، يا رسول الله؟ قال: «فيه مَكَرتْ قريشٌ في دار الندوة، إذ قال الله: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾»١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
١٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق مِقْسَم- في قوله: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك﴾، قال: تشاوَرَتْ قريش ليلةً بمكة، فقال بعضهم: إذا أصْبَح فأَثْبِتوه بالوَثاق. يريدون النبي ﷺ، وقال بعضهم: بل اقتلوه. وقال بعضهم: بل أخْرِجوه. فأَطْلَع اللهُ نبيَّه ﷺ على ذلك، فبات عليٌّ على فراش النبي ﷺ، وخرج النبي ﷺ حتى لَحِق بالغار، وبات المشركون يَحْرُسون عليًّا يحسبونه النبي ﷺ، فلمّا أصبحوا ثاروا إليه، فلما رَأَوْا عليًّا ردَّ الله مَكْرهم، فقالوا: أين صاحبُك هذا؟ قال: لا أدري. فاقْتَصُّوا أثَره، فلما بلَغوا الجبل اختلَط عليهم، فصَعِدوا في الجبل، فمرُّوا بالغار، فرأَوا على بابه نَسْج العنكبوت، فقالوا: لو دخل هاهنا لم يكن نَسْجُ العنكبوت على بابه. فمكث فيه ثلاث ليال١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٥‏/‏٣٠١ (٣٢٥١)، وابن جرير ١١‏/‏١٣٦-١٣٧. قال ابن كثير في البداية والنهاية ٤‏/‏٤٥١: «وهذا إسناد حسن، وهو من أجود ما روي في قصة نَسْج العنكبوت على فَمِ الغار، وذلك من حماية الله رسوله ﷺ». وقال الهيثمي في المجمع ٧‏/‏٢٧ (١١٠٢٨): «فيه عثمان بن عمرو الجزري، وثَّقه ابن حبان، وضَعَّفه غيره، وبقية رجاله رجال الصحيح». وضعفه الألباني في الضعيفة ٣‏/‏٢٦٢.
١٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق مجاهد-: أنّ نفرًا من قريش ومن أشراف كلِّ قبيلة اجتمَعوا لِيَدْخلوا دار الندوة، واعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رَأَوْه قالوا: مَن أنت؟ قال: شيخٌ من أهل نَجْد، سمعتُ بما اجتمَعْتم له؛ فأرَدْتُ أن أحضُرَكم، ولن يَعْدَمَكم مِنِّي رَأْي ونصح. قالوا: أجل، فادخل. فدخل معهم، فقال: انظروا في شأن هذا الرجل، فواللهِ، لَيُوشِكَنَّ أن يُواتِيَكم١ في أمركم بأمره. فقال قائل: احبِسوه في وثاق، ثم تَرَبَّصوا به المنون حتى يهلك كما هلك مَن كان قبله مِن الشعراء؛ زُهَيرٌ ونابِغَة، فإنما هو كأحدهم. فقال عدوُّ الله الشيخُ النجدي: لا والله، ما هذا لكم برأْي، والله لَيَخْرُجَنَّ رأْيُه مِن مَحْبِسِه لأصحابه، فلَيُوشِكَنَّ أن يَثِبوا عليه حتى يأخذوه مِن أيديكم، ثم يمنعوه منكم، فما آمَنُ عليكم أن يُخْرِجوكم مِن بلادكم، فانظروا في غير هذا الرَّأْي. فقال قائل منهم: فأخْرِجوه مِن بين أظهركم فاستريحوا منه، فإنه إذا خرج لم يضُرَّكم ما صَنَع وأين وقَع، وإذا غاب عنكم أذاهُ استرحتم منه، وكان أمره في غيركم. فقال الشيخ النجدي: لا والله، ما هذا لكم برأْي، ألَمْ تَرَوْا حلاوة قوله، وطَلاقة لسانه، وأَخْذَه للقلوب بما يُستَمَعُ مِن حديثه، والله لئن فعلتم ثم اسْتَعْرَض العربَ لَتَجْتَمِعَنَّ إليه، ثم لَيَسِيرَنَّ إليكم حتى يُخْرِجَكم مِن بلادكم ويَقْتُلَ أشرافكم. قالوا: صدَق والله، فانظروا رَأْيًا غير هذا. فقال أبو جهل: والله، لَأُشِيرَنَّ عليكم برأيٍ أبْصَرْتُموه بعد، ما أرى غيرَه. قالوا: وما هذا؟ قال: نأخذ مِن كلِّ قبيلة غلامًا وسِيطًا٢ شابًّا نَهْدًا٣، ثم يُعْطى كلُّ غلام منهم سيفًا صارِمًا، ثم يضربونه، يعني: ضربةَ رجل واحد، فإذا قتلتموه تفرَّق دمُه في القبائل كلِّها، فلا أظنُّ هذا الحيَّ من بني هاشم يَقْدِرون على حرب قريش كلِّهم، وإنّهم إذا رَأَوْا ذلك قَبِلوا العَقْلَ٤، واسترحنا وقطَعْنا عنّا أذاه. فقال الشيخ النَّجديُّ: هذا والله هو الرأي، القولُ ما قال الفتى، لا أرى غيرَه. فتفرَّقوا على ذلك وهم مُجْمِعُون له، فأتى جبريلُ رسولَ الله ﷺ، فأمَره ألّا يَبِيتَ في مَضْجعِه الذي كان يَبِيتُ فيه، وأخبره بمكر القوم، فلم يَبِتْ رسول الله ﷺ في بيته تلك الليلة، وأَذِن الله له عند ذلك في الخروج، وأمَرهم بالهجرة، وافترَض عليهم القتال، فأنزَل الله: ﴿أذن للذين يقاتلون﴾ [الحج:٣٩]. فكانت هاتان الآيتان أولَ ما نزل في الحرب، وأنزل عليه بعد قدومه المدينة يذكُرُ نعمتَه عليه: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا﴾ الآية٥
التخريج
  1. ١المُواتاةُ: حسنُ المُطاوعة والموافقة. النهاية (أتى).
  2. ٢الوسيط: الحسيب في قومه. النهاية (وسط).
  3. ٣النهد: القوي الضخم. النهاية (نهد).
  4. ٤العقل: الدية. النهاية (عقل).
  5. ٥أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ٢‏/‏٤٦٨-٤٦٩، وأبو نعيم في دلائل النبوة ٢٠٠-٢٠٤ (١٥٤)، وابن جرير ١١‏/‏١٣٤- ١٣٥، وابن أبي حاتم ٥‏/‏١٦٨٦-١٦٨٧ (٨٩٩٤). وأورده الثعلبي ٤‏/‏٣٤٨-٣٤٩. إسناده حسن، وقد احتج بالحديث ابن كثير في تفسيره ٤‏/‏٤٤.
التفسير بالمأثور لسورة الأنفال كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٣٠ من سورة الأنفال

١٦ وقفةً في هذه الآية

  • -إنما يرتفع المرء على أكتاف حساده، يريدون أن يسقطوه ويريد الله أن يرفعه بهم "ويمكرون ويمكر الله”

    — نوال العيد

  • اتفاق الروم والفرس اجتمع المشركون في دار الندوة على رسول الله فكان ذلك الاجتماع بداية النصر بالهجرة{ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين}

    — محمد الربيعة

  • الصراع مستمر .... لكن القلب يطمئن حين يقرأ : " ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين "

    — نايف الفيصل

  • لا يغرنّك انتفاش الطغاة ففي قمّة ثقتهم بالنصر يقلب الله الموازين وتأتي الهزيمة من حيث لم يحتسبوا ﴿ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾"

    — إبراهيم العقيل

  • ﴿ يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ﴾ الله أكبر .. كم يمكرون ويخططون ، والله يحفظ دينه وينصر عباده . توكلنا على الله .

    — بدون مصدر

  • كل أنبياء الله تعالى هددوا بالقتل أو الإخراج أو السجن ! (ليقتلوك فاخرج) (أو يقتلوك أو يخرجوك) (لنخرجنك يا شعيب) (لتكونن من المخرجين) (لتكونن من المسجونين) (ليسجننّ....) (لنخرجنّكم من أرضنا) (أخرجوهم من قريتكم) (لنبيتنّه وأهله...) الحق والباطل لا يجتمعان !.

    — من لطائف قرآنية

  • ما من مصيبة او كربة أصابت الأمة إلا فرقتها ومزقتها. ما عدا مصابنا في #القدس سيجمع الأمة. وسيأتي صبح ينجلي فيه الظلام. (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}

    — أحمد عيسى المعصراوى

  • ﴿ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ﴾ التحليلات المتصنعة للعقلانية تغيب من المشهد تدبير الله فهي كالتفسير المادي للتاريخ. يحلل﴿ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ وينسى ﴿وَيَمْكُرُ اللَّهُ ﴾.

    — عبدالله بلقاسم

  • تأملات في سورة الأنفال تأمل في أية 30

    — محمد الربيعة

  • مكر الكفار وأعداء الدعوة ببسيد ولد آدم قديم، فمن ظنّ أنه ينجو من الأذى حينما يسلك طريق الدعوة فهو واهم، ولم يعرف حقيقة الطريق: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا)

    — عمر المقبل

  • قال تعالى ﴿وَإِذ يَمكُرُ بِكَ الَّذينَ كَفَروا لِيُثبِتوكَ أَو يَقتُلوكَ أَو يُخرِجوكَ وَيَمكُرونَ وَيَمكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيرُ الماكِرينَ﴾ إذا كان الله معك فلا تخشى مكر وخطط وعداوات الأعداء ...

    — مجالس التدبر

  • ( ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ) : - - لو كنت وحدك و العالم ضدك ومعك الله ربحت كل شي . - ولو كنت مع العالم أجمع والله ليس معك خسرت كل شي . - كن مع الله و لا تبالي . - دع طموحك يتجاوز حدود العالم ، بل يتجاوز حدود البشر أجمع تضيق بك إلى حد اليأس فيرسل الله لك رحمة منه فرجا .

    — أحمد عيسى المعصراوى

و٤ وقفات أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

فتاوى متعلقة بالآية ٣٠ من سورة الأنفال

فتوى واحدة تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ٣٠ من سورة الأنفال

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(30) And [remember, O Muḥammad], when those who disbelieved plotted against you to restrain you or kill you or evict you [from Makkah]. But they plan, and Allāh plans. And Allāh is the best of planners.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال