جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. .
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ مذكره نعمه عليه : واذكر يا محمد، إذ يمكر بك الذين كفروا من مشركي قومك كي يثبتوك.
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : لِيُثْبِتُوكَ فقال بعضهم : معناه : ليقيدوك. ذكر من قال ذلك.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ يعني : ليوثقوك.
قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : لِيُثْبِتُوكَ ليوثقوك.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَإذْ يَمْكُرُ بك الّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ. . . الآية، يقول : ليشدّوك وثاقا، وأرادوا بذلك نبيّ الله النبيّ ﷺ وهو يومئذٍ بمكة.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ومِقْسم، قالا : قالوا : أوثقوه بالوثاق
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : لِيُثْبِتُوكَ قال : الإثبات : هو الحبس والوثاق.
وقال آخرون : بل معناه الحبس. ذكر من قال ذلك.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : سألت عطاء عن قوله : لِيُثْبِتُوكَ قال : يَسجنوك. وقالها عبد الله بن كثير.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، قالوا : اسجنوه
وقال آخرون : بل معناه : ليسحروك. ذكر من قال ذلك.
حدثني محمد بن إسماعيل البصريّ المعروف بالوساوسي، قال : حدثنا عبد المجيد بن أبي روّاد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير عن المطلب بن أبي وداعة، أن أبا طالب قال لرسول الله ﷺ : ما يأتمر به قومك ؟ قال :«يُرِيدُونَ أنْ يَسْحَرُونِي ويَقْتُلُونِي ويُخْرِجُونِي » فقال : من أخبرك بهذا ؟ قال :«ربي » قال : نعم الربّ ربك، فاستوص به خيرا فقال رسول الله ﷺ :«أنا أسْتَوْصِي بِهِ ؟ بَلْ هُوَ يَسْتَوْصِي بِي خَيْرا ». فنزلت : وَإذْ يَمْكُرُ بك الّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ. . . الاَية.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، قال : قال ابن جريج، قال عطاء : سمعت عبيد بن عمير يقول : لما ائتمروا بالنبيّ ﷺ ليقتلوه أو يثبتوه أو يخرجوه، قال له أبو طالب : هل تدري ما ائتمروا لك ؟ قال :«نَعَمْ ». قال : فأخبره. قال : من أخبرك ؟ قال :«رَبّي ». قال : نعم الربّ ربك، استوص به خيرا قال :«أنا أسْتَوْصِي بِهِ، أوْ هُوَ يَسْتَوْصِي بي ؟ ».
وكان معنى مكر قوم رسول الله ﷺ به ليثبتوه، كما :
حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، قال : ثني أبي، قال : حدثنا محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال : وحدثني الكلبي، عن زاذان مولى أم هانىء، عن ابن عباس : أن نفرا من قريش من أشراف كلّ قبيلة، اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل فلما رأوه قالوا : من أنت ؟ قال : شيخ من نجد، سمعت أنكم اجتمعتم، فأردت أن أحضركم ولن يعدمكم مني رأي ونصح. قالوا : أجل ادخل فدخل معهم، فقال : انظروا في شأن هذا الرجل، والله ليوشِكنّ أن يواثبكم في أموركم بأمره قال : فقال قائل : احبسوه في وثاق، ثم تربصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء، زهير والنابغة، إنما هو كأحدهم قال : فصرخ عدوّ الله الشيخ النجدي، فقال : والله ما هذا لكم رأي، والله ليخرجنه ربه من محبسه إلى أصحابه فليوشكن أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم فيمنعوه منكم، فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم قالوا : فانظروا في غير هذا. قال : فقال قائل : أخرجوه من بين أظهركم تستريحوا منه، فإنه إذا خرج لن يضرّكم ما صنع وأين وقع إذا غاب عنكم أذاه واسترحتم وكان أمره في غيركم فقال الشيخ النجديّ : والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حلاوة قوله وطلاقة لسانه وأخذ القلوب ما تسمع من حديثه ؟ والله لئن فعلتم ثم استعرض العرب، لتجتمعنّ عليكم، ثم ليأتينّ إليكم حتى يخرجكم من بلادكم ويقتل أشرافكم قالوا : صدق والله، فانظروا رأيا غير هذا قال : فقال أبو جهل : والله لأشيرنّ عليكم برأي ما أراكم أبصرتموه بعد ما أرى غيره. قالوا : وما هو ؟ قال : نأخذ من كلّ قبيلة غلاما وسطا شابا نهدا، ثم يعطى كلّ غلام منهم سيفا صارما، ثم يضربونه ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرّق دمه في القبائل كلها، فلا أظنّ هذا الحيّ من بني هاشم يقدرون على حرب قريش كلها، فإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل واسترحنا وقطعنا عنا أذاه. فقال الشيخ النجديّ : هذا والله الرأي القول ما قال الفتى، لا أرى غيره. قال : فتفرّقوا على ذلك وهم مجمعون له. قال : فأتى جبريل النبيّ ﷺ، فأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه تلك الليلة، وأذن الله له عند ذلك بالخروج، وأنزل عليه بعد قدومه المدينة الأنفال يذكره نعمه عليه وبلاءه عنده : وَإذْ يَمْكُرُ بك الّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ خَيْرُ واللّهُ المَاكِرِينَ وأنزل في قولهم :«تَرَبّصُوا بِهِ رَيْبَ المَنُونِ » حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء : أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَربّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ وكان يسمى ذلك اليوم :«يوم الزحمة » للذي اجتمعوا عليه من الرأي.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ومقسم، في قوله : وَإذْ يَمْكُرُ بك الّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ قالا : تشاوروا فيه ليلة وهم بمكة، فقال بعضهم : إذا أصبح فأوثقوه بالوثاق وقال بعضهم : بل اقتلوه وقال بعضهم : بل اخرجوه فلما أصبحوا رأوا عليّا رضي الله عنه، فردّ الله مكرهم.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرني أبي، عن عكرمة، قال : لما خرج النبيّ ﷺ وأبو بكر إلى الغار، أمر عليّ بن أبي طالب، فنام في مضجعه، فبات المشركون يحرسونه. فإذا رأوه نائما حسبوا أنه النبيّ ﷺ، فتركوه. فلما أصبحوا ثاروا إليه وهم يحسبون أنه النبيّ ﷺ، فإذا هم بعليّ، فقالوا : أين صاحبك ؟ قال : لا أدري. قال : فركبوا الصعب والذّلول في طلبه.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، قال : أخبرني عثمان الجريري : أن مقسما مولى ابن عباس أخبره عن ابن عباس، في قوله : وَإذْ يَمْكُرُ بك الّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ قال : تشاورت قريش ليلة بمكة، فقال بعضهم : إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق يريدون النبيّ ﷺ. وقال بعضهم : بل اقتلوه وقال بعضهم : بل اخرجوه فأطلع الله نبيه على ذلك، فبات عليّ رضي الله عنه على فراش النبيّ ﷺ تلك الليلة، وخرج النبيّ ﷺ حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون عليّا، يحسبون أنه النبيّ ﷺ. فلما أصبحوا ثاروا إليه، فلما رأوه عليّا رضي الله عنه، ردّ الله مكرهم، فقالوا : أين صاحبك ؟ قال : لا أدري. فاقتصوا أثره فلما بلغوا الجبل ومرّوا بالغار، رأوا على بابه نسج العنكبوت، قالوا : لو دخل ههنا لم يكن نَسْجٌ على بابه فمكث فيه ثلاثا.
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : وَإذْ يَمْكُرُ بك الّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ قال : اجتمعت مشيخة قريش يتشاورون في النبيّ ﷺ بعدما أسلمت الأنصار وفرقوا أن يتعالى أمره إذا وجد ملجأ لجأ إليه. فجاء إبليس في صورة رجل من أهل نجد، فدخل معهم في دار الندوة فلما أنكروه قالوا : من أنت ؟ فوالله ما كلّ قومنا أعلمناهم مجلسنا هذا قال : أنا رجل من أهل نجد أسمع من حديثكم وأشير عليكم. فاستحيوا فخلوا عنه. فقال بعضهم : خذوا محمدا إذا اصطبح على فراشه، فاجعلوه في بيت نتربص به ريب المنون والريب : هو الموت، والمنون : هو الدهر قال إبليس : بئسما قلت، تجعلونه في بيت فيأتي أصحابه فيخرجونه فيكون بينكم قتال قالوا : صدق الشيخ. قال : أخرجوه من قريتكم قال إبليس : بئسما قلت، تخرجونه من قريتكم وقد أفسد سفهاءكم فيأتي قرية أخرى فيفسد سفهاءهم فيأتيكم بالخيل والرجال. قالوا : صدق الشيخ. قال أبو جهل، وكان أولاهم بطاعة إبليس : بل نعمد إلى كلّ بطن من بطون قريش، فنخرج منهم رجلاً فنعطيهم السلاح، فيشدّون على محمد جميعا فيضربونه ضربة رجل واحد، فلا يستطيع بنو عبد المطلب أن يقتلوا قريشا، فليس لهم إلاّ الدية. قال إبليس : صدق، وهذا الفتى هو أجودكم رأيا. فقاموا على ذلك، وأخبر الله رسوله ﷺ، فنام على الفراش، وجعلوا عليه العيون. فلما كان في بعض الليل، انطلق هو وأبو بكر إلى الغار، ونام عليّ بن أبي طالب على الفراش، فذلك حين يقول الله : لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ والإثبات : هو الحبس والوثاق، وهو قوله : وَإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإذَنْ لا يَلْبَثُونَ خَلْفَكَ إلاّ قَلِيلاً يقول : يهلكهم. فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة لقيه عمر، فقال له : ما فعل القوم ؟ وهو يرى أنهم قد أهلكوا حين خرج النبيّ ﷺ من بين أظهرهم، وكذلك كان يصنع بالأمم، فقال النبيّ ﷺ :«أخّرُوا بالقِتالِ ».
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ قال : كفار قريش أرادوا ذلك بمحمد ﷺ قبل أن يخرج من مكة.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه.
حدثني ابن وكيع، قال : حدثنا هانىء بن سعيد، عن حجاج، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه إلاّ أنه قال : فعلوا ذلك بمحمد.
حدثني محمد بن سعد قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وَإذْ يَمْكُرُ بك الّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ. . . الاَية، هو النبيّ ﷺ مكروا به وهو بمكة.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَإذْ يَمْكُرُ بك الّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ. . . إلى آخر الاَية، قال : اجتمعوا فتش
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ مذكره نعمه عليه : واذكر يا محمد، إذ يمكر بك الذين كفروا من مشركي قومك كي يثبتوك.
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : لِيُثْبِتُوكَ فقال بعضهم : معناه : ليقيدوك. ذكر من قال ذلك.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ يعني : ليوثقوك.
قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : لِيُثْبِتُوكَ ليوثقوك.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَإذْ يَمْكُرُ بك الّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ. . . الآية، يقول : ليشدّوك وثاقا، وأرادوا بذلك نبيّ الله النبيّ ﷺ وهو يومئذٍ بمكة.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ومِقْسم، قالا : قالوا : أوثقوه بالوثاق
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : لِيُثْبِتُوكَ قال : الإثبات : هو الحبس والوثاق.
وقال آخرون : بل معناه الحبس. ذكر من قال ذلك.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : سألت عطاء عن قوله : لِيُثْبِتُوكَ قال : يَسجنوك. وقالها عبد الله بن كثير.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، قالوا : اسجنوه
وقال آخرون : بل معناه : ليسحروك. ذكر من قال ذلك.
حدثني محمد بن إسماعيل البصريّ المعروف بالوساوسي، قال : حدثنا عبد المجيد بن أبي روّاد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير عن المطلب بن أبي وداعة، أن أبا طالب قال لرسول الله ﷺ : ما يأتمر به قومك ؟ قال :«يُرِيدُونَ أنْ يَسْحَرُونِي ويَقْتُلُونِي ويُخْرِجُونِي » فقال : من أخبرك بهذا ؟ قال :«ربي » قال : نعم الربّ ربك، فاستوص به خيرا فقال رسول الله ﷺ :«أنا أسْتَوْصِي بِهِ ؟ بَلْ هُوَ يَسْتَوْصِي بِي خَيْرا ». فنزلت : وَإذْ يَمْكُرُ بك الّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ. . . الاَية.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، قال : قال ابن جريج، قال عطاء : سمعت عبيد بن عمير يقول : لما ائتمروا بالنبيّ ﷺ ليقتلوه أو يثبتوه أو يخرجوه، قال له أبو طالب : هل تدري ما ائتمروا لك ؟ قال :«نَعَمْ ». قال : فأخبره. قال : من أخبرك ؟ قال :«رَبّي ». قال : نعم الربّ ربك، استوص به خيرا قال :«أنا أسْتَوْصِي بِهِ، أوْ هُوَ يَسْتَوْصِي بي ؟ ».
وكان معنى مكر قوم رسول الله ﷺ به ليثبتوه، كما :
حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، قال : ثني أبي، قال : حدثنا محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال : وحدثني الكلبي، عن زاذان مولى أم هانىء، عن ابن عباس : أن نفرا من قريش من أشراف كلّ قبيلة، اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل فلما رأوه قالوا : من أنت ؟ قال : شيخ من نجد، سمعت أنكم اجتمعتم، فأردت أن أحضركم ولن يعدمكم مني رأي ونصح. قالوا : أجل ادخل فدخل معهم، فقال : انظروا في شأن هذا الرجل، والله ليوشِكنّ أن يواثبكم في أموركم بأمره قال : فقال قائل : احبسوه في وثاق، ثم تربصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء، زهير والنابغة، إنما هو كأحدهم قال : فصرخ عدوّ الله الشيخ النجدي، فقال : والله ما هذا لكم رأي، والله ليخرجنه ربه من محبسه إلى أصحابه فليوشكن أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم فيمنعوه منكم، فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم قالوا : فانظروا في غير هذا. قال : فقال قائل : أخرجوه من بين أظهركم تستريحوا منه، فإنه إذا خرج لن يضرّكم ما صنع وأين وقع إذا غاب عنكم أذاه واسترحتم وكان أمره في غيركم فقال الشيخ النجديّ : والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حلاوة قوله وطلاقة لسانه وأخذ القلوب ما تسمع من حديثه ؟ والله لئن فعلتم ثم استعرض العرب، لتجتمعنّ عليكم، ثم ليأتينّ إليكم حتى يخرجكم من بلادكم ويقتل أشرافكم قالوا : صدق والله، فانظروا رأيا غير هذا قال : فقال أبو جهل : والله لأشيرنّ عليكم برأي ما أراكم أبصرتموه بعد ما أرى غيره. قالوا : وما هو ؟ قال : نأخذ من كلّ قبيلة غلاما وسطا شابا نهدا، ثم يعطى كلّ غلام منهم سيفا صارما، ثم يضربونه ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرّق دمه في القبائل كلها، فلا أظنّ هذا الحيّ من بني هاشم يقدرون على حرب قريش كلها، فإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل واسترحنا وقطعنا عنا أذاه. فقال الشيخ النجديّ : هذا والله الرأي القول ما قال الفتى، لا أرى غيره. قال : فتفرّقوا على ذلك وهم مجمعون له. قال : فأتى جبريل النبيّ ﷺ، فأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه تلك الليلة، وأذن الله له عند ذلك بالخروج، وأنزل عليه بعد قدومه المدينة الأنفال يذكره نعمه عليه وبلاءه عنده : وَإذْ يَمْكُرُ بك الّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ خَيْرُ واللّهُ المَاكِرِينَ وأنزل في قولهم :«تَرَبّصُوا بِهِ رَيْبَ المَنُونِ » حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء : أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَربّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ وكان يسمى ذلك اليوم :«يوم الزحمة » للذي اجتمعوا عليه من الرأي.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ومقسم، في قوله : وَإذْ يَمْكُرُ بك الّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ قالا : تشاوروا فيه ليلة وهم بمكة، فقال بعضهم : إذا أصبح فأوثقوه بالوثاق وقال بعضهم : بل اقتلوه وقال بعضهم : بل اخرجوه فلما أصبحوا رأوا عليّا رضي الله عنه، فردّ الله مكرهم.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرني أبي، عن عكرمة، قال : لما خرج النبيّ ﷺ وأبو بكر إلى الغار، أمر عليّ بن أبي طالب، فنام في مضجعه، فبات المشركون يحرسونه. فإذا رأوه نائما حسبوا أنه النبيّ ﷺ، فتركوه. فلما أصبحوا ثاروا إليه وهم يحسبون أنه النبيّ ﷺ، فإذا هم بعليّ، فقالوا : أين صاحبك ؟ قال : لا أدري. قال : فركبوا الصعب والذّلول في طلبه.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، قال : أخبرني عثمان الجريري : أن مقسما مولى ابن عباس أخبره عن ابن عباس، في قوله : وَإذْ يَمْكُرُ بك الّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ قال : تشاورت قريش ليلة بمكة، فقال بعضهم : إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق يريدون النبيّ ﷺ. وقال بعضهم : بل اقتلوه وقال بعضهم : بل اخرجوه فأطلع الله نبيه على ذلك، فبات عليّ رضي الله عنه على فراش النبيّ ﷺ تلك الليلة، وخرج النبيّ ﷺ حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون عليّا، يحسبون أنه النبيّ ﷺ. فلما أصبحوا ثاروا إليه، فلما رأوه عليّا رضي الله عنه، ردّ الله مكرهم، فقالوا : أين صاحبك ؟ قال : لا أدري. فاقتصوا أثره فلما بلغوا الجبل ومرّوا بالغار، رأوا على بابه نسج العنكبوت، قالوا : لو دخل ههنا لم يكن نَسْجٌ على بابه فمكث فيه ثلاثا.
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : وَإذْ يَمْكُرُ بك الّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ قال : اجتمعت مشيخة قريش يتشاورون في النبيّ ﷺ بعدما أسلمت الأنصار وفرقوا أن يتعالى أمره إذا وجد ملجأ لجأ إليه. فجاء إبليس في صورة رجل من أهل نجد، فدخل معهم في دار الندوة فلما أنكروه قالوا : من أنت ؟ فوالله ما كلّ قومنا أعلمناهم مجلسنا هذا قال : أنا رجل من أهل نجد أسمع من حديثكم وأشير عليكم. فاستحيوا فخلوا عنه. فقال بعضهم : خذوا محمدا إذا اصطبح على فراشه، فاجعلوه في بيت نتربص به ريب المنون والريب : هو الموت، والمنون : هو الدهر قال إبليس : بئسما قلت، تجعلونه في بيت فيأتي أصحابه فيخرجونه فيكون بينكم قتال قالوا : صدق الشيخ. قال : أخرجوه من قريتكم قال إبليس : بئسما قلت، تخرجونه من قريتكم وقد أفسد سفهاءكم فيأتي قرية أخرى فيفسد سفهاءهم فيأتيكم بالخيل والرجال. قالوا : صدق الشيخ. قال أبو جهل، وكان أولاهم بطاعة إبليس : بل نعمد إلى كلّ بطن من بطون قريش، فنخرج منهم رجلاً فنعطيهم السلاح، فيشدّون على محمد جميعا فيضربونه ضربة رجل واحد، فلا يستطيع بنو عبد المطلب أن يقتلوا قريشا، فليس لهم إلاّ الدية. قال إبليس : صدق، وهذا الفتى هو أجودكم رأيا. فقاموا على ذلك، وأخبر الله رسوله ﷺ، فنام على الفراش، وجعلوا عليه العيون. فلما كان في بعض الليل، انطلق هو وأبو بكر إلى الغار، ونام عليّ بن أبي طالب على الفراش، فذلك حين يقول الله : لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ والإثبات : هو الحبس والوثاق، وهو قوله : وَإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإذَنْ لا يَلْبَثُونَ خَلْفَكَ إلاّ قَلِيلاً يقول : يهلكهم. فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة لقيه عمر، فقال له : ما فعل القوم ؟ وهو يرى أنهم قد أهلكوا حين خرج النبيّ ﷺ من بين أظهرهم، وكذلك كان يصنع بالأمم، فقال النبيّ ﷺ :«أخّرُوا بالقِتالِ ».
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ قال : كفار قريش أرادوا ذلك بمحمد ﷺ قبل أن يخرج من مكة.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه.
حدثني ابن وكيع، قال : حدثنا هانىء بن سعيد، عن حجاج، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه إلاّ أنه قال : فعلوا ذلك بمحمد.
حدثني محمد بن سعد قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وَإذْ يَمْكُرُ بك الّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ. . . الاَية، هو النبيّ ﷺ مكروا به وهو بمكة.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَإذْ يَمْكُرُ بك الّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ. . . إلى آخر الاَية، قال : اجتمعوا فتش