تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا﴾ آية ٣٠
حدثنا علي بن الحسين ثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري ثنا يحيى بن سعيد الأموي عن محمد بن إسحاق عن ابن أبي ليلى عن مجاهد عن ابن عباس : أن نفرا من قريش ومن أشراف كل قبيلة، اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة واعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رأوه قالوا : من أنت ؟ قال : شيخ من أهل نجد، سمعت بما اجتمعتم له فأدرت أن أحضركم ولن يعدمكم مني رأي ونصح قالوا : اجل فأدخل فدخل معهم قال : انظروا في شأن هذا الرجل فوالله ليوشكن أن يواثبكم في أمركم بأمره فقال قائل : احبسوه في وثاق ثم تربصوا به المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء زهير ونابغة، فإنما هو كأحدهم، فقال عدو الله - الشيخ النجدي : لا والله، ما هذا لكم برأي والله ليخرجن رأيه من محبسه إلى أصحابه فليوشكن أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم، ثم يمنعوه منكم فما امن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم، فانظروا في غير هذا الرأي، فقال قائل : فأخرجوه من بين أظهركم فاستريحوا منه فإنه إذا خرج لم يضركم ما صنع وأين وقع وإذا غاب عنكم أذاه استرحتم منه وكان أمره في غيركم فقال الشيخ النجدي : والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حلاوة قوله وطلاقة لسانه وأخذه للقلوب بما يستمع من حديثه ؟ والله لئن فعلتم ثم استعرض العرب ليجتمعن عليه ثم ليسيرين إليكم حتى يخرجكم من بلادكم ويقتل أشرافكم، قالوا : صدق والله، فانظروا رأيا غير هذا، فقال أبو جهل : والله لأشيرن عليكم برأي ما أرى أبصرتموه بعد ما أرى غيره، قالوا : وما هذا ؟ قال : نأخذ من كل قبيلة غلاما سبطا نهدا، ثم نعطي كل غلام منهم سيفا صارما، ثم يضربونه يعني : ضربة رجل واحد، فإذا قتلتموه تفرق دمه في القبائل كلها فلا أظن هذا الحي من بني هاشم يقوون على حرب قريش كلهم، وأنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل واسترحنا وقطعنا عنا أذاه، فقال الشيخ النجدي : هذا والله هو الرأي القول، ما قال الفتى لا رأي غيره فتفرعوا على ذلك وهم مجمعون له، قال : فأتى جبريل رسول الله ﷺ فأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت، واخبره بمكر القوم فلم يبت رسول الله ﷺ. في بيته لك الليلة وأذن الله له عند ذلك في الخروج، وأنزل عليه بعد قدومه المدينة في الأنفال يذكر نعمته عليه وبلاء عنده ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾
قوله تعالى :﴿ليثبتوك﴾ حدثنا أبي ثنا أبو صالح كاتب الليث ثنا معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله :﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك﴾ يعني : ليوثقوك. وروى عن قتادة نحو ذلك.
والوجه الثاني : ذكره الحسن بن محمد بن الصباح ثنا حجاج عن ابن جريج قال : وأنبأ عطاء وابن كثير ﴿ليثبتوك﴾ إنها : ليسجنوك. وروى عن السدى أنه قال : يحبسوك ويوثقوك.
قوله تعالى :﴿أو يقتلوك﴾ حدثنا حجاج بن حمزة ثنا شبابة ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك﴾ كفار قريش حين أرادوا ذلك بمحمد ﷺ قبل أن يخرج من مكة.
قوله تعالى :﴿أو يخرجوك﴾ حدثنا أبي ثنا إبراهيم بن موسى أنبأ هشام بن يوسف عن ابن جريج اخبرني عطاء عن عبيد بن عمير أن أبا طالب قال للنبي ﷺ هل تدري ما ائتمر فيك قومك ؟ قال : نعم، ائتمروا أن يسجنوني أو يقتلوني أو يخرجوني قال : من أخبرك هذا ؟ قال : ربي، قال : نعم الرب ربك فاستوص به خيرا، قال : أنا استوصي به أو هو يستوصي بي ؟.
قوله تعالى :﴿ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾ حدثنا محمد بن العباس مولى بني هاشم ثنا محمد بن عمرو زنيج حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق حدثنا محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير ﴿ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾ أي فمكرت بهم بكيدي المتين حتى خلصتك منهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى