غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿ولا تولوا﴾ بالإدغام : البزي وابن فليح.
الوقوف :﴿تسمعون﴾ ه ج للآية وللعطف ﴿لا يسمعون﴾ ه ﴿لا يعقلون﴾ ه ﴿لأسمعهم﴾ ط ﴿معرضون﴾ ه ﴿لما يحييكم﴾ ج لعطف المتفقتين مع اعتراض الظرف ﴿تحشرون﴾ ه ﴿خاصة﴾ ج لما مر ﴿العقاب﴾ ه ﴿تشكرون﴾ ه ﴿تعلمون﴾ ه ﴿فتنة﴾ لا للعطف ﴿عظيم﴾ ه ﴿ويغفر لكم﴾ ط ﴿العظيم﴾ ه ﴿أو يخرجوك﴾ ط ﴿ويمكر الله﴾ ط ﴿الماكرين﴾ ه.
ثم لما ذكر المؤمنين نعمه عليهم بقولهم ﴿واذكروا إذ أنتم قليل﴾ ذكر رسوله نعمته عليه وذلك دفع كيد المشركين عنه حين كان بمكة ليشكر نعمة الله في نجاته من مكرهم وفيما أتاح له من حسن العاقبة. والمعنى واذكر وقت مكرهم. فإن ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم من المفسرين : ذكروا أن قريشاً اجتمعوا في دار الندوة متشاورين في أمر رسول الله ﷺ فدخل عليهم إبليس في صورة شيخ وقال : أنا شيخ من نجد ما أنا من تهامة دخلت مكة فسمعت باجتماعكم فأردت أن أحضركم ولن تعدموا مني رأياً ونصحاً. فقالوا : هذا من نجد لا بأس عليكم به. فقال أبو البختري من بني عبد الدار : رأيي أن تحبسوه في بيت وتشدوا وثاقه وتسدوا بابه غير كوّة وتلقون إليه طعامه وشرابه منها وتتربصوا به ريب المنون، فقال إبليس : بئس الرأي يأتيكم من يقاتلكم من قومه ويخلصه من أيديكم. فقال هشام بن عمرو : رأيي أن تحملوه على جمل وتخرجوه من بين أظهركم فلا يضركم ما صنع واسترحتم. فقال : بئس الرأي يفسد قوماً غيركم ويقاتلكم بهم. فقال أبو جهل : أنا أرى أن تأخذوا من كل بطن غلاماً وتعطوه سيفاً صارماً فيضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم، فإذا طلبوا العقل عقلناه واسترحنا. فقال الشيخ : صدق هذا الفتى هو أجودكم رأياً. فتفرقوا على رأي أبي جهل مجمعين على قتله، فأخبر جبريل رسول الله ﷺ وأمره أن لا يبيت في مضجعه وأذن الله له في الهجرة فأمر علياً عليه السلام فنام في مضجعه وقال له :«اتشح ببردتي فإنه لن يخلص إليك أمر تكرهه ». وباتوا مترصدين فلما أصبحوا ثاروا إلى مضجعه فأبصروا علياً فبهتوا وخيب الله سعيهم واقتصوا أثره فأبطل مكرهم. ومعنى ﴿ليثبتوك﴾ قال ابن عباس : ليوثقوك ويسجنوك لأنه لا يقدر على الحركة وهو إشارة إلى رأي أبي البختري. وقوله ﴿أو يقتلوك﴾ إشارة إلى رأي أبي جهل. وقوله ﴿أو يخرجوك﴾ أي من مكة إشارة إلى رأي هشام. وأنكر القاضي حديث إبليس في القصة وتصويره نفسه بصورة الإنس. قال : لأن ذلك التغيير إن كان بفعل الله فهو إعانة للكفار على المكر، وإن كان من فعل إبليس فلذلك لا يليق بحكمة الله تعالى لأن إقدار إبليس على تغيير صورة نفسه إعانة له على الإغواء والتلبيس. هذا ما حكى عن القاضي وذهب عليه أن هذا الاعتراض وارد على خلق إبليس نفسه وعلى خلق سائر أسباب الشرور والآثام وقد أجبنا عن أمثال ذلك مراراً، وقد عرفت تفسير المكر في سورة آل عمران. والحاصل أنهم احتالوا في إبطال أمر محمد والله نصره وقواه فضاع فعلهم وظهر صنع الله. فإن قيل : لا خير في مكرهم فكيف قال والله أنه خير الماكرين ؟ وأجيب بأن المراد أقوى الماكرين، أو المراد أنه لو قدر في مكرهم خير لكان الخير في مكره أكثر، أو المراد أنه في نفسه خير.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل : إن شر من دب في الوجود هم ﴿الصم﴾ عن استماع كلام الحق. يسمع القلب والقبول ﴿إليكم﴾ عن كلام الحق والكلام مع الحق. والأصم لا بد أن يكون أبكم فلذلك خصا بالذكر ﴿الذين لا يعقلون﴾ أنهم لماذا خلقوا فلا جرم يؤل حالهم من أن يكونوا خير البرية إلى أن يكونوا شرّ الدواب ﴿استجيبوا لله﴾ إنه تعالى يطلب بالمحجة من العبد الإجابة كما يطلب العبد للحاجة منه الإجابة، فالاستجابة لله إجابة الأرواح للشهود وإجابة القلوب للشواهد، وإجابة الأسرار للمشاهدة، وإجابة الخفي للفناء في الله، والاستجابة للرسول بالمتابعة لما يحييكم يفنيكم عنكم ويبقكيم به ﴿واعلموا أن الله يحول﴾ بسطوات أنوار جماله وجلاله بين مرآة قلبه وظلمة أوصاف قالبه ﴿وإنه إليه تحشرون﴾ بالفناء عنكم والبقاء به ﴿واتقوا﴾ أيها الواصلون فتنة ابتلاء النفوس بحظوظها الدنيوية والأخروية. لا تصيب النفوس الظالمة فقط بل تصيب ظلمتها الأرواح النورانية والقلوب الربانية فتجتذبها من حظائر القدس ورياض الأنس إلى حضائض صفات الإنس ﴿واعلموا أن الله شديد العقاب﴾ يعاقب الواصلين بالانقطاع والاستدراج عن الالتفات إلى ما سواه ﴿واذكروا إذ أنتم﴾ أيها الأرواح والقلوب ﴿قليل﴾ لم ينشأ بعد لكما الصفات الأخلاق الروحانية ﴿مستضعفون﴾ من غلبات صفات النفس لإعواز التربية بألبان آداب الطريقة ولانعدام جريان أحكام الشريعة عليكم إلى أوان البلوغ. ﴿يخافون﴾ أن تسلبكم النفوس وصفاتها والشيطان وأعوانه ﴿فآواكم﴾ إلى حظائر القدس ﴿وأيدكم﴾ بالواردات الربانية ﴿ورزقكم﴾ المواهب الطاهرة من لوث الحدوث. ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ يعني الأرواح والقلوب المنوّرة بنور الإيمان المستسعدة بسعادات العرفان ﴿لا تخونوا الله﴾ فيما آتاكم من المواهب فتجعلوها شبكة لاصطياد الدنيا ولا تخونوا الرسول بترك السنة والقيام بالبدعة ﴿وتخونوا أماناتكم﴾ التي هي محبة الله، وخيانتها تبديلها بمحبة المخلوقات ﴿وأنتم تعلمون﴾ إنكم تبيعون الدين بالدنيا والمولى بالأولى ﴿فتنة﴾ يختبركم الله بها بالتمييز الموافق من المنافق، والصديق من الزنديق. ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ بهذه المقامات والكرامات ﴿أن تتقوا الله﴾ من غير الله ﴿يجعل لكم فرقاناً﴾ يفض عليكم من سجال جماله وجلاله القديم ما تفرقون به بين الحدوث والقدم ﴿ويكفر عنكم﴾ سيئات وجودكم الفاني ﴿ويغفر لكم﴾ يستركم بأنوار جماله وجلاله ﴿والله ذو الفضل العظيم﴾ وهو البقاء بالله بعد الفناء فيه ﴿ليثبتوك﴾ أيها الروح في أسفل سافلين الطبيعة أو يعدموك بانعدام آثارك ﴿أو يخرجوك﴾ من عالم الأرواح ﴿والله خير الماكرين﴾ يصلح حال أهل الصلاح البتة.
التأويل : إن شر من دب في الوجود هم ﴿الصم﴾ عن استماع كلام الحق. يسمع القلب والقبول ﴿إليكم﴾ عن كلام الحق والكلام مع الحق. والأصم لا بد أن يكون أبكم فلذلك خصا بالذكر ﴿الذين لا يعقلون﴾ أنهم لماذا خلقوا فلا جرم يؤل حالهم من أن يكونوا خير البرية إلى أن يكونوا شرّ الدواب ﴿استجيبوا لله﴾ إنه تعالى يطلب بالمحجة من العبد الإجابة كما يطلب العبد للحاجة منه الإجابة، فالاستجابة لله إجابة الأرواح للشهود وإجابة القلوب للشواهد، وإجابة الأسرار للمشاهدة، وإجابة الخفي للفناء في الله، والاستجابة للرسول بالمتابعة لما يحييكم يفنيكم عنكم ويبقكيم به ﴿واعلموا أن الله يحول﴾ بسطوات أنوار جماله وجلاله بين مرآة قلبه وظلمة أوصاف قالبه ﴿وإنه إليه تحشرون﴾ بالفناء عنكم والبقاء به ﴿واتقوا﴾ أيها الواصلون فتنة ابتلاء النفوس بحظوظها الدنيوية والأخروية. لا تصيب النفوس الظالمة فقط بل تصيب ظلمتها الأرواح النورانية والقلوب الربانية فتجتذبها من حظائر القدس ورياض الأنس إلى حضائض صفات الإنس ﴿واعلموا أن الله شديد العقاب﴾ يعاقب الواصلين بالانقطاع والاستدراج عن الالتفات إلى ما سواه ﴿واذكروا إذ أنتم﴾ أيها الأرواح والقلوب ﴿قليل﴾ لم ينشأ بعد لكما الصفات الأخلاق الروحانية ﴿مستضعفون﴾ من غلبات صفات النفس لإعواز التربية بألبان آداب الطريقة ولانعدام جريان أحكام الشريعة عليكم إلى أوان البلوغ. ﴿يخافون﴾ أن تسلبكم النفوس وصفاتها والشيطان وأعوانه ﴿فآواكم﴾ إلى حظائر القدس ﴿وأيدكم﴾ بالواردات الربانية ﴿ورزقكم﴾ المواهب الطاهرة من لوث الحدوث. ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ يعني الأرواح والقلوب المنوّرة بنور الإيمان المستسعدة بسعادات العرفان ﴿لا تخونوا الله﴾ فيما آتاكم من المواهب فتجعلوها شبكة لاصطياد الدنيا ولا تخونوا الرسول بترك السنة والقيام بالبدعة ﴿وتخونوا أماناتكم﴾ التي هي محبة الله، وخيانتها تبديلها بمحبة المخلوقات ﴿وأنتم تعلمون﴾ إنكم تبيعون الدين بالدنيا والمولى بالأولى ﴿فتنة﴾ يختبركم الله بها بالتمييز الموافق من المنافق، والصديق من الزنديق. ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ بهذه المقامات والكرامات ﴿أن تتقوا الله﴾ من غير الله ﴿يجعل لكم فرقاناً﴾ يفض عليكم من سجال جماله وجلاله القديم ما تفرقون به بين الحدوث والقدم ﴿ويكفر عنكم﴾ سيئات وجودكم الفاني ﴿ويغفر لكم﴾ يستركم بأنوار جماله وجلاله ﴿والله ذو الفضل العظيم﴾ وهو البقاء بالله بعد الفناء فيه ﴿ليثبتوك﴾ أيها الروح في أسفل سافلين الطبيعة أو يعدموك بانعدام آثارك ﴿أو يخرجوك﴾ من عالم الأرواح ﴿والله خير الماكرين﴾ يصلح حال أهل الصلاح البتة.
الوقوف :﴿تسمعون﴾ ه ج للآية وللعطف ﴿لا يسمعون﴾ ه ﴿لا يعقلون﴾ ه ﴿لأسمعهم﴾ ط ﴿معرضون﴾ ه ﴿لما يحييكم﴾ ج لعطف المتفقتين مع اعتراض الظرف ﴿تحشرون﴾ ه ﴿خاصة﴾ ج لما مر ﴿العقاب﴾ ه ﴿تشكرون﴾ ه ﴿تعلمون﴾ ه ﴿فتنة﴾ لا للعطف ﴿عظيم﴾ ه ﴿ويغفر لكم﴾ ط ﴿العظيم﴾ ه ﴿أو يخرجوك﴾ ط ﴿ويمكر الله﴾ ط ﴿الماكرين﴾ ه.
ثم لما ذكر المؤمنين نعمه عليهم بقولهم ﴿واذكروا إذ أنتم قليل﴾ ذكر رسوله نعمته عليه وذلك دفع كيد المشركين عنه حين كان بمكة ليشكر نعمة الله في نجاته من مكرهم وفيما أتاح له من حسن العاقبة. والمعنى واذكر وقت مكرهم. فإن ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم من المفسرين : ذكروا أن قريشاً اجتمعوا في دار الندوة متشاورين في أمر رسول الله ﷺ فدخل عليهم إبليس في صورة شيخ وقال : أنا شيخ من نجد ما أنا من تهامة دخلت مكة فسمعت باجتماعكم فأردت أن أحضركم ولن تعدموا مني رأياً ونصحاً. فقالوا : هذا من نجد لا بأس عليكم به. فقال أبو البختري من بني عبد الدار : رأيي أن تحبسوه في بيت وتشدوا وثاقه وتسدوا بابه غير كوّة وتلقون إليه طعامه وشرابه منها وتتربصوا به ريب المنون، فقال إبليس : بئس الرأي يأتيكم من يقاتلكم من قومه ويخلصه من أيديكم. فقال هشام بن عمرو : رأيي أن تحملوه على جمل وتخرجوه من بين أظهركم فلا يضركم ما صنع واسترحتم. فقال : بئس الرأي يفسد قوماً غيركم ويقاتلكم بهم. فقال أبو جهل : أنا أرى أن تأخذوا من كل بطن غلاماً وتعطوه سيفاً صارماً فيضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم، فإذا طلبوا العقل عقلناه واسترحنا. فقال الشيخ : صدق هذا الفتى هو أجودكم رأياً. فتفرقوا على رأي أبي جهل مجمعين على قتله، فأخبر جبريل رسول الله ﷺ وأمره أن لا يبيت في مضجعه وأذن الله له في الهجرة فأمر علياً عليه السلام فنام في مضجعه وقال له :«اتشح ببردتي فإنه لن يخلص إليك أمر تكرهه ». وباتوا مترصدين فلما أصبحوا ثاروا إلى مضجعه فأبصروا علياً فبهتوا وخيب الله سعيهم واقتصوا أثره فأبطل مكرهم. ومعنى ﴿ليثبتوك﴾ قال ابن عباس : ليوثقوك ويسجنوك لأنه لا يقدر على الحركة وهو إشارة إلى رأي أبي البختري. وقوله ﴿أو يقتلوك﴾ إشارة إلى رأي أبي جهل. وقوله ﴿أو يخرجوك﴾ أي من مكة إشارة إلى رأي هشام. وأنكر القاضي حديث إبليس في القصة وتصويره نفسه بصورة الإنس. قال : لأن ذلك التغيير إن كان بفعل الله فهو إعانة للكفار على المكر، وإن كان من فعل إبليس فلذلك لا يليق بحكمة الله تعالى لأن إقدار إبليس على تغيير صورة نفسه إعانة له على الإغواء والتلبيس. هذا ما حكى عن القاضي وذهب عليه أن هذا الاعتراض وارد على خلق إبليس نفسه وعلى خلق سائر أسباب الشرور والآثام وقد أجبنا عن أمثال ذلك مراراً، وقد عرفت تفسير المكر في سورة آل عمران. والحاصل أنهم احتالوا في إبطال أمر محمد والله نصره وقواه فضاع فعلهم وظهر صنع الله. فإن قيل : لا خير في مكرهم فكيف قال والله أنه خير الماكرين ؟ وأجيب بأن المراد أقوى الماكرين، أو المراد أنه لو قدر في مكرهم خير لكان الخير في مكره أكثر، أو المراد أنه في نفسه خير.
التأويل : إن شر من دب في الوجود هم ﴿الصم﴾ عن استماع كلام الحق. يسمع القلب والقبول ﴿إليكم﴾ عن كلام الحق والكلام مع الحق. والأصم لا بد أن يكون أبكم فلذلك خصا بالذكر ﴿الذين لا يعقلون﴾ أنهم لماذا خلقوا فلا جرم يؤل حالهم من أن يكونوا خير البرية إلى أن يكونوا شرّ الدواب ﴿استجيبوا لله﴾ إنه تعالى يطلب بالمحجة من العبد الإجابة كما يطلب العبد للحاجة منه الإجابة، فالاستجابة لله إجابة الأرواح للشهود وإجابة القلوب للشواهد، وإجابة الأسرار للمشاهدة، وإجابة الخفي للفناء في الله، والاستجابة للرسول بالمتابعة لما يحييكم يفنيكم عنكم ويبقكيم به ﴿واعلموا أن الله يحول﴾ بسطوات أنوار جماله وجلاله بين مرآة قلبه وظلمة أوصاف قالبه ﴿وإنه إليه تحشرون﴾ بالفناء عنكم والبقاء به ﴿واتقوا﴾ أيها الواصلون فتنة ابتلاء النفوس بحظوظها الدنيوية والأخروية. لا تصيب النفوس الظالمة فقط بل تصيب ظلمتها الأرواح النورانية والقلوب الربانية فتجتذبها من حظائر القدس ورياض الأنس إلى حضائض صفات الإنس ﴿واعلموا أن الله شديد العقاب﴾ يعاقب الواصلين بالانقطاع والاستدراج عن الالتفات إلى ما سواه ﴿واذكروا إذ أنتم﴾ أيها الأرواح والقلوب ﴿قليل﴾ لم ينشأ بعد لكما الصفات الأخلاق الروحانية ﴿مستضعفون﴾ من غلبات صفات النفس لإعواز التربية بألبان آداب الطريقة ولانعدام جريان أحكام الشريعة عليكم إلى أوان البلوغ. ﴿يخافون﴾ أن تسلبكم النفوس وصفاتها والشيطان وأعوانه ﴿فآواكم﴾ إلى حظائر القدس ﴿وأيدكم﴾ بالواردات الربانية ﴿ورزقكم﴾ المواهب الطاهرة من لوث الحدوث. ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ يعني الأرواح والقلوب المنوّرة بنور الإيمان المستسعدة بسعادات العرفان ﴿لا تخونوا الله﴾ فيما آتاكم من المواهب فتجعلوها شبكة لاصطياد الدنيا ولا تخونوا الرسول بترك السنة والقيام بالبدعة ﴿وتخونوا أماناتكم﴾ التي هي محبة الله، وخيانتها تبديلها بمحبة المخلوقات ﴿وأنتم تعلمون﴾ إنكم تبيعون الدين بالدنيا والمولى بالأولى ﴿فتنة﴾ يختبركم الله بها بالتمييز الموافق من المنافق، والصديق من الزنديق. ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ بهذه المقامات والكرامات ﴿أن تتقوا الله﴾ من غير الله ﴿يجعل لكم فرقاناً﴾ يفض عليكم من سجال جماله وجلاله القديم ما تفرقون به بين الحدوث والقدم ﴿ويكفر عنكم﴾ سيئات وجودكم الفاني ﴿ويغفر لكم﴾ يستركم بأنوار جماله وجلاله ﴿والله ذو الفضل العظيم﴾ وهو البقاء بالله بعد الفناء فيه ﴿ليثبتوك﴾ أيها الروح في أسفل سافلين الطبيعة أو يعدموك بانعدام آثارك ﴿أو يخرجوك﴾ من عالم الأرواح ﴿والله خير الماكرين﴾ يصلح حال أهل الصلاح البتة.