سورة مريم — الآية ١٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق الشعبي- قال: إنِّي لَأَعْلَمُ خَلْقِ اللهِ لِأَيِّ شيء اتخذت النصارى المشرقَ قِبلَةً؛ لقول الله: فـ﴿انتبذت من أهلها مكانا شرقيا﴾، فاتخذوا ميلاد عيسى قبلة
قراءة الأثر في موضعه
سورة مريم — الآية ١٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق قابوس، عن أبيه- قال: إنّ أهل الكتاب كُتِب عليهم الصلاة إلى البيت والحج إليه، وما صرفهم عنه إلا قيل ربك: ﴿إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا﴾. قال: خرجت منهم مكانًا شرقِيًّا، فصلُّوا قبل مطلع الشمس
قراءة الأثر في موضعه
سورة مريم — الآية ١٧
عن عبد الله بن مسعود -من طريق السدي، عن مُرَّة الهمداني-، وعبد الله بن عباس -من طريق السدي، عن أبي مالك- قالا: خرجت مريم إلى جانب المحراب لِحَيض أصابها، فلمّا طهرت إذ هي برَجُلٍ معها، ﴿فتمثل لها بشرا﴾، ففزعت، وقالت: ﴿إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا﴾. فخرجت وعليها جلبابها، فأخذ بكُمِّها، فنفخ في جيب دِرْعِها، وكان مشقوقًا مِن قُدّامِها، فدخلت النفخة صدرها، فحملت، فأتتها أختُها امرأةُ زكريا ليلةً تزورها، فلمّا فتحت لها الباب التزمتها، فقالت امرأة زكريا: يا مريم، أُشْعِرْتُ أنِّي حبلى. قالت مريم: أُشْعِرْتُ أيضًا أنِّي حُبْلى. فقالت امرأة زكريا: فإنِّي وجدتُ ما في بطني يسجد للذي في بطنك. فذاك قوله: ﴿مصدقا بكلمة من الله﴾. فولدت امرأةُ زكريا يحيى، ولَمّا بلغ أن تضع مريمُ خرجت إلى جانب المحراب، ﴿فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت﴾ استحياءً من الناس: ﴿يا ليتني مت قبل هذا﴾ الآية، ﴿فناداها﴾ جبريل ﴿من تحتها أن لا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا * وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا﴾. فهزَّتْهُ، فأجرى لها في المحراب نهرًا -والسَّرِيُّ: النهر-، فتساقطت النخلة رطبًا جنِيًّا، فلما ولدته ذهب الشيطان، فأخبر بني إسرائيل: أنّ مريم ولدت. فلما أرادوها على الكلام أشارت إلى عيسى، فتكلَّم، فقال: ﴿إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا﴾. فلمّا وُلِد لم يبق في الأرض صنمٌ يُعْبَد من دون الله إلا خرَّ -وقع ساجدًا- لوجهه
قراءة الأثر في موضعه
سورة مريم — الآية ١٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق داود بن أبي هند، عن سعيد بن جبير- قال: لَمّا بلغت مريم، فبينما هي في بيتها مُتَفَضِّلة إذ دخل عليها رجلٌ بغير إذن، فخشيت أن يكون دخل عليها لِيَغْتالَها، فقالت: ﴿إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا قال كذلك قال ربك﴾. فجعل جبريل يردد ذلك عليها، وتقول: ﴿أنى يكون لي غلام﴾. وتَغَفَّلَها جبريل، فنفخ في جَيْب دِرْعِها، ونهض عنها، واستمرَّ بها حملُها، فقالت: إن خَرَجْتُ نحو المغرب فالقوم يصلون نحو المغرب، ولكن أخْرُجُ نحو المشرق حيث لا يراني أحد. فخَرَجَتْ نحو المشرق، فبينما هي تمشي إذ فجأها المخاض، فنظرت هل تجد شيئًا تستر به، فلم ترَ إلا جِذْعَ النخلة، فقالت: أستترُ بهذا الجذع مِن الناس. وكان تحت الجذع نهر يجري، فانضمَّت إلى النخلة، فلمّا وضَعَتْهُ خَرَّ كل شيء يعبد من دون الله في مشارق الأرض ومغاربها ساجدًا لوجهه، وفزع إبليس، فخرج، فصعد، فلم ير شيئًا ينكره، وأتى المشرق فلم ير شيئًا يُنكره، ودخل الأرض فلم ير شيئًا يُنكره، وجعل لا يصبر، فأتى المغرب لينظر، فلم ير شيئًا ينكره، فبينا هو يطوف إذ مَرَّ بالنخلة، فإذا هو بامرأة معها غلام قد ولدته، وإذا بالملائكة قد أحْدَقُوا بها وبابنها وبالنخلة، فقال: ههنا حَدَث الأمر. فمال إليهم، فقال: أيُّ شيء هذا الذي حدث؟ فكلَّمَتْه الملائكة، فقالوا: نبيٌّ وُلِد بغير ذَكَر. قال: نبيٌّ وُلِد بغير ذَكَر! قالوا: نعم. قال: أما -واللهِ- لَأُضِلَّنَّ به أكثر العالمين. أضلَّ اليهود فكفروا به، وأضلَّ النصارى فقالوا: هو ابن الله. قال: وناداها مَلَك مِن تحتها: ﴿قد جعل ربك تحتك سريا﴾. قال إبليس: ما حَمِلَتْ أُنثى إلا بعلمي، ولا وضعته إلا على كَفِّي، ليس هذا الغلام، لم أعلم به حين حَمَلَتْهُ أمه، ولم أعلم به حين وضعته
قراءة الأثر في موضعه
سورة مريم — الآية ١٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق جويبر، عن الضحاك- في قوله: ﴿واذكر في الكتاب مريم﴾ يقول: قُصَّ ذكرَها على اليهود والنصارى ومشركي العرب ﴿إذا انتبذت﴾ يعني: خرجت ﴿من أهلها مكانا شرقيا﴾ قال: كانت خرجت من بيت المقدس مما يلي المشرق، ﴿فاتخذت من دونهم حجابا﴾ وذلك أنّ الله لَمّا أراد أن يبتدئها بالكرامة، ويُبَشِّرها بعيسى، وكانت قد اغتسلت من المحيض، فتَشَرَّفت، وجعلت بينها وبين قومها ﴿حجابا﴾ يعني: جبلًا، فكان الجبل بين مجلسها وبين بيت المقدس، ﴿فأرسلنا إليها روحنا﴾ يعني: جبريل، ﴿فتمثل لها بشرا﴾ في صورة الآدميين، ﴿سويا﴾ يعني: مُعْتَدِلًا، شابًّا، أبيض الوجه، جَعْدًا قَطَطًا، حين اخضرَّ شاربُه، فلما نظرت إليه قائمًا بين يديها ﴿قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا﴾، وذلك أنها شبَّهته بشابٍّ كان يراها ونشأ معها، يُقال له: يوسف، من بني إسرائيل، وكان مِن خَدَمِ بيت المقدس، فخافت أن يكون الشيطان قد استَزَلَّه، فمِن ثَمَّ قالت: ﴿إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا﴾ يعني: إن كنتَ تخاف الله. ﴿قال﴾ جبريلُ وتَبَسَّم: ﴿إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا﴾ يعني: لله مطيعًا، من غير بشر. ﴿قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر﴾ يعني: زوجًا، ﴿ولم أك بغيا﴾ أي: مُومِسَة. ﴿قال﴾ جبريل: ﴿كذلك﴾ يعني: هكذا ﴿قال ربك هو علي هين﴾ يعني: خَلْقُه مِن غير بشر، ﴿ولنجعله آية للناس﴾ يعني: عِبرة، والناس هنا: للمؤمنين خاصة، ﴿ورحمة منا﴾ لِمَن صدَّق بأنه رسول الله، ﴿وكان أمرا مقضيا﴾ يعني: كائنًا أن يكون مِن غير بشر. فَدَنا جبريلُ، فنفخ في جيبها، فدخلت النفخةُ جَوْفَها، فاحتملت كما تحمل النساء في الرَّحِم والمشِيمَة، ووضعته كما تضع النساء، فأصابها العَطَش، فأجرى الله لها جدولًا من الأردن، فذلك قوله: ﴿قد جعل ربك من تحتك سريا﴾. والسَّرِيُّ: الجدول. وحمل الجذِعُ من ساعته ﴿رطبا جنيا﴾، ﴿فناداها من تحتها﴾ جبريل: ﴿وهزي إليك بجذع النخلة﴾. لم يكن على رأسها سعف، وكانت قد يبست منذ دهر طويل، فأحياها الله لها، وحملت، فذلك قوله: ﴿تساقط عليك رطبا جنيا﴾ يعني: طريًّا بغباره، ﴿فكلي﴾ مِن الرُّطَب، ﴿واشربي﴾ من الجدول، ﴿وقري عينا﴾ بولدك. فقالت: فكيف بي إذا سألوني: من أين هذا؟ قال لها جبريل: ﴿فإما ترين﴾ يعني: فإذا رأيت ﴿من البشر أحدا﴾ فأَعْنَتَكِ في أمرك؛ ﴿فقولي إني نذرت للرحمن صوما﴾ يعني: صمتًا في أمر عيسى، ﴿فلن أكلم اليوم إنسيا﴾ في أمره، حتى يكون هو الذي يُعَبِّر عنِّي وعن نفسه. قال: ففقدوا مريم مِن محرابها، فسألوا يوسف، فقال: لا عِلْمَ لي بها، وإنّ مفتاح محرابها مع زكريا. فطلبوا زكريا، وفتحوا الباب وليست فيه، فاتهموه، فأخذوه، ووَبَّخوه، فقال رجل: إنِّي رأيتها في موضع كذا. فخرجوا في طلبها، فسمعوا صوت عقعق في رأس الجذع الذي مريم مِن تحته، فانطلقوا إليه، فذلك قول الله: ﴿فأتت به قومها تحمله﴾. قال ابن عباس: لَمّا رأت بأنّ قومها قد أقبلوا إليها احتملت الولد إليهم حتى تلقتهم به، فذلك قوله: ﴿فأتت به قومها تحمله﴾ أي: لا تخاف رِيبة ولا تُهمة، فلما نظروا إليها شقَّ أبوها مدرعته، وجعل التراب على رأسه، وإخوتها، وآل زكريا، فـ﴿قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا﴾ يعني: عظيمًا، ﴿يا أخت هرون﴾ كانت من آل هارون، ﴿ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا﴾ يعني: زانية، فأنّى أتيتِ هذا الأمر مع هذا الأخ الصالح، والأب الصالح، والأم الصالحة؟! ﴿فأشارت إليه﴾ تقول لهم: أن كلِّموه، فإنه سيخبركم، فـ﴿إني نذرت للرحمن صوما﴾ أن لا أكلمكم في أمره، فإنّه سيُعَبِّر عَنِّي، ويكون لكم آية وعبرة. ﴿قالوا﴾: يا عجبنا، ﴿كيف نكلم من كان في المهد صبيا﴾؟! يعني: مَن هو في الخِرَقِ طفلًا لا ينطق! إذ أنطقه الله، فعبَّر عن أُمِّه، وكان عبرة لهم، فقال: ﴿إني عبد الله﴾. فلما أن قالها ابتدأ يحيى، وهو ابن ثلاث سنين، فكان أولَ مَن صدق به، فقال: إنِّي أشهد أنك عبد الله ورسوله. لتصديق قول الله: ﴿مصدقا بكلمة من الله﴾ [آل عمران:٣٩]. فقال عيسى: ﴿آتاني الكتاب وجعلني نبيا﴾ إليكم، ﴿وجعلني مباركا أينما كنت﴾. قال ابن عباس: قال رسول الله ﷺ: «البركة التي جعلها الله لعيسى أنّه كان مُعَلِّمًا مُؤَدِّبًا حيثما توجه». ﴿وأوصاني بالصلاة والزكاة﴾ يعني: وأمرني، ﴿وبرا بوالدتي﴾ فلا أعُقُّها. قال ابن عباس: حين قال: ﴿وبرا بوالدتي﴾ قال زكريا: الله أكبر. فأخذه، فضَمَّه إلى صدره، فعلموا أنّه خُلِق مِن غير بشر، ﴿ولم يجعلني جبارا شقيا﴾ يعني: مُتَعَظِّمًا سفّاكًا للدم، ﴿والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا﴾. يقول الله: ﴿ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون﴾ يعني: يَشُكُّون. يقوله لليهود، ثم أمسك عيسى عن الكلام حتى بلغ مبلغ الناس
قراءة الأثر في موضعه