عن عبد الله بن عباس -من طريق عطاء بن السائب، عن مجاهد-: ﴿هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر﴾ إذ أتاني به قبل أن يرتد إلَيَّ طرفي، ﴿أم أكفر﴾ إذ جعل مَن هو تحت يدي أقدر على المجيء مني
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- في قوله: ﴿قال نكروا لها عرشها﴾: فنزع عنه فصوصه، ومرافقه، وما كان عليه من شيء، فقيل لها: ﴿أهكذا عرشك قالت كأنه هو﴾
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير-: أمر سليمانُ الشياطين، فجعلوا لها صرحًا مُمَرَّدًا مِن قوارير، وجعل فيها تماثيل السمك، فقيل لها: ﴿ادخلي الصرح﴾. فكشفت عن ساقيها، فإذا فيها الشعر، فعند ذلك أمر بصنعة النُّورة، فصُنِعَت، فقيل لها: ﴿إنه صرح ممرد من قوارير﴾. قالت: ﴿رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين﴾
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطاء بن السائب، عن مجاهد- قال: كان سليمان بن داود عليه السلام إذا أراد سفرًا قَعَد على سريره، ووُضِعت الكراسي يمينًا وشمالًا، فيُؤذَن للإنس عليه، ثم أذن للجن عليه بعد الإنس، ثم أذن للشياطين بعد الجن، ثم أرسل إلى الطير فتُظِلّهم، ثم أمر الريح فحملتهم وهو على سريره، والناس على الكراسي، والطير تظلهم، والريح تسير بهم، غدوها شهر ورواحها شهر، رخاء حيث أراد، ليس بالعاصف ولا باللين، وسطًا بين ذلك. وكان سليمان يختار مِن كل طير طيرًا، فيجعله رأسَ تلك الطير، فإذا أراد أن يُسائل تلك الطير عن شيء سأل رأسها. فبينما سليمان يسير إذ نزل مفازة، فسأل: كم بُعْد الماء ههنا؟ فسأل الإنس، فقالوا: لا ندري. فسأل الشياطين، فقالوا: لا ندري. فغضب سليمان، وقال: لا أبرح حتى أعلم كم بعد مسافة الماء ههنا؟ فقالت له الشياطين: يا رسول الله، لا تغضب، فإن يكُ شيءٌ يعلم فالهدهد يعلمه. فقال سليمان: عليَّ بالهدهد. فلم يوجد، فغضب سليمان، فقال: ﴿لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين﴾. يقول: بعذر مبين، غاب عن مسيري هذا! قال: ومرَّ الهدهد على قصر بلقيس، فرأى لها بستانًا خلف قصرها، فمال إلى الخضرة، فوقع فيه، فإذا هو بهدهد في البستان، فقال له هدهد سليمان: أين أنت عن سليمان؟ وما تصنع ههنا؟ فقال له هدهد بلقيس: ومَن سليمان؟ فقال: بعث الله رجلًا يُقال له: سليمان، رسولًا، وسخر له الجن والإنس والريح والطير. فقال له هدهد بلقيس: أي شيء تقول؟! قال: أقول لك ما تسمع. قال: إنّ هذا لَعجب! وأعجب من ذلك أنّ كثرة هؤلاء القوم تملكهم امرأة، وأوتيت مِن كل شيء، ولها عرش عظيم، جعلوا الشكر لله أن يسجدوا للشمس مِن دون الله. قال: وذكر لهدهد سليمان، فنهض عنه، فلما انتهى إلى العسكر تلقته الطير، فقالوا: توعدك رسولُ الله. وأخبروه بما قال، وكان عذاب سليمان للطير أن ينتفه، ثم يشمسه، فلا يطير أبدًا، ويصير مع هوام الأرض، أو يذبحه فلا يكون له نسلٌ أبدًا، قال الهدهد: وما استثنى نبيُّ الله؟ قالوا: بلى؛ قال: أو ليأتيني بعذر مبين. فلما أتى سليمان قال: وما غيبتك عن مسيري هذا؟ فاعتلَّ له بشيء، وأخبره عن بلقيس وقومها ما أخبره الهدهد، فقال سليمان: بل اعتللت، ﴿سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم﴾. وكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، إلى بلقيس، ألا تعلوا علَيَّ، وأتوني مسلمين. فلما ألقى الهدهدُ الكتاب إليها ألقي في رُوعها أنّه كتاب كريم، وأنه من سليمان، وألا تعلوا عليَّ، وأتوني مسلمين. قالوا: نحن أولو قوة. قالت: إنّ الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها، وإني مرسلة إليهم بهدية. فلما جاءت الهدية سليمان قال: أتمدونني بمال؟! ارجع إليهم. فلما رجع إليها رسلها خرجت فزعة، فأقبل معها ألف قَيْل، مع كل قَيْل مائة ألف. قال: وكان سليمان رجلًا مَهيبًا، لا يُبْتَدَأُ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه، فخرج يومئذ، فجلس على سريره، فرأى رَهَجًا قريبًا منه، قال: ما هذا؟ قالوا: بلقيس، يا رسول الله. قال: وقد نزلت مِنّا بهذا المكان؟ قال ابن عباس: وكان بين سليمان وبين ملكة سبأ ومَن معها حين نظر إلى الغبار كما بين الكوفة والحيرة. قال: فأقبل على جنوده، فقال: ﴿أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين﴾؟ -قال: وبين سليمان وبين عرشها حين نظر إلى الغبار مسيرة شهرين- قال عفريت من الجن: ﴿أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك﴾. قال: وكان لسليمان مجلس يجلس فيه للناس كما تجلس الأمراء ثم يقوم، قال سليمان: أريد أعجلَ مِن ذلك. قال الذي عنده علم من الكتاب: أنا أنظر في كتاب ربي، ثم آتيك به ﴿قبل أن يرتد إليك طرفك﴾. فنظر إليه سليمان، فلما قطع كلامه ردَّ سليمان بصره، فنبع عرشها من تحت قدم سليمان من تحت كرسيٍّ كان يضع عليه رجله ثم يصعد إلى السرير، فلما رأى سليمان عرشها مستقرًّا عنده قال: ﴿هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر﴾ إذ أتاني به قبل أن يرتد إليَّ طرفي، ﴿أم أكفر﴾ إذ جعل مَن هو تحت يدي أقدر على المجيء مني. ثم ﴿قال نكروا لها عرشها﴾. ﴿فلما جاءت﴾ تقدمت إلى سليمان، قيل لها: ﴿أهكذا عرشك﴾؟ قالت: ﴿كأنه هو﴾. ثم قالت: لقد تركته في حصوني، وتركت الجنود محيطين به، فكيف جيء بهذا؟! ثم قالت: يا سليمان، إني أريد أن أسألك عن شيء، فأخبرني به. قال: سلي. قالت: أخبِرني عن ماء رواء لا مِن الأرض ولا مِن السماء. قال: وكان إذا جاء سليمان شيء لا يعلمه يسأل الإنس عنه، فإن كان عند الإنس منه علم وإلا سأل الجن، فإن لم يكن عند الجن علم سأل الشياطين، فقالت له الشياطين: ما أهون هذا، يا رسول الله، مُر بالخيل فتجري، ثم لتملأ الآنيةَ مِن عرقها. فقال لها سليمان: عرق الخيل. قالت: صدقت. قالت: فأخبِرني عن لون الرب. قال ابن عباس: فوثب سليمان عن سريره، فخرَّ ساجدًا، فقامت عنه، وتفرقت عنه جنوده، وجاءه الرسول، فقال: يا سليمان، يقول لك ربُّك: ما شأنك؟ قال: يا رب، أنت أعلم بما قالت. قال: فإنّ الله يأمرك أن تعود إلى سريرك، فتقعد عليه، وترسل إليها وإلى مَن حضرها مِن جنودها، وترسل إلى جميع جنودك الذين حضروك فيدخلوا عليك، فتسألها وتسألهم عما سألَتْك عنه. قال: ففعل سليمانُ ذلك، فلما دخلوا عليه جميعًا قال لها: عمَّ سألتيني؟ قالت: سألتك عن ماء رواء لا من الأرض ولا من السماء. قال: قلت لك: عرق الخيل. قالت: صدقت. قال: وعن أي شيء سألتيني؟ قالت: ما سألتك عن شيء إلا عن هذا. قال لها سليمان: فلأيِّ شيء خررتُ عن سريري؟ قالت: كان ذلك لشيء لا أدري ما هو. فسأل جنودها، فقالوا مثل قولها، فسأل جنوده من الإنس والجن والطير وكل شيء كان حضره من جنوده، فقالوا: ما سألتْكَ -يا رسول الله- عن شيءٍ إلا عن ماء رواء. قال: وقد كان. قال له الرسول: يقول الله لك: ارجع، عد إلى مكانك، فإني قد كفيتكم. فقال سليمان للشياطين: ابنوا لي صرحًا تدخل عليَّ فيه بلقيس. فرجع الشياطين بعضهم إلى بعض، فقالوا: سليمان رسول الله، قد سخر الله [له] ما سخر، وبلقيس ملكة سبأ ينكحها فتلد له غلامًا، فلا ننفكُّ له من العبودية أبدًا. قال: وكانت امرأة شعراء الساقين، فقالت الشياطين: ابنوا له بنيانًا يرى ذلك منها فلا يتزوجها. فبنوا له صرحًا مِن قوارير، فجعلوا له طَوابِيق من قوارير كأنه الماء، وجعلوا من باطن الطَّوابِيق كل شيء يكون مِن الدواب في البحر، من السمك وغيره، ثم أطبقوه، ثم قالوا لسليمان: ادخل الصرح. فألقي كرسيٌّ في أقصى الصرح، فلما دخله أتى الكرسي، فصعد عليه، ثم قال: أدخِلوا عَلَيَّ بلقيس. فقيل لها: ﴿ادخلي الصرح﴾. فلما ذهبت تدخله، فرأت صورة السمك، وما يكون في الماء من الدواب؛ ﴿حسبته لجة وكشفت عن ساقيها﴾ لتدخل، وكان شعر ساقها ملتويًا على ساقيها، فلما رآه سليمانُ ناداها، وصرف وجهه عنها: ﴿إنه صرح ممرد من قوارير﴾. فألقت ثوبها، وقالت: ﴿رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين﴾. فدعا سليمانُ الإنس، فقال: ما أقبح هذا؟! ما يُذْهِب هذا؟ قالوا: يا رسول الله، المواسي. فقال: الموسى تقطع ساقي المرأة. ثم دعا الشياطين، فقال مثل ذلك، فتلكؤوا عليه، ثم جعلوا له النورة. قال ابن عباس: فإنّه لأول يوم رُؤِيَت فيه النورة. قال: واستنكحها سليمان عليه السلام