قال عبد الله بن عباس: ثم إنّ أُمَّ موسى لَمّا رأت إلحاح فرعون في طلب الولدان خافت على ابنها، فقذف الله في نفسها أن تتَّخِذ له تابوتًا، ثم تقذف التابوت في اليم
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير-: حَمَلَتْ أمُّ موسى بموسى، فوقع في قلبها الهمُّ والحزن مِمّا دخل عليه في بطن أُمِّه مِمّا يُراد به، وأمرها إذا ولدته أن تجعله في تابوت، ثم تلقيه في اليم، فلمّا ولدت فعلتْ ذلك به
قال عبد الله بن عباس: إنّ أُمَّ موسى لَمّا تَقارَبَتْ ولادتها، وكانت قابلة مِن القوابل التي وكلهن فرعون بحبالى بني إسرائيل مُصافية لأم موسى، فلما ضرب بها الطَّلَق أرسلت إليها، فقالت: قد نزل بي ما نزل، فلينفعني حبُّكِ إيّايَ اليوم. قالت: فعالجت قبالتها، فلما أن وقع موسى بالأرض هالها نور بين عيني موسى، فارتعش كل مفصلٍ منها، ودخل حبُّ موسى قلبها، ثم قالت لها: يا هذا، ما جِئتُ إليك حين دعوتني إلا ومِن رأيي قتل مولودك، ولكن وجدتُ لابنِك هذا حبًّا ما وجدتُ حبَّ شيء مثل حبه، فاحفظي ابنَك، فإنِّي أراه هو عدوُّنا. فلمّا خرجت القابلة مِن عندها أبصرها بعضُ العيون، فجاءوا إلى بابها ليدخلوا على أُمِّ موسى، فقالت أخته: يا أُمّاه، هذا الحرسُ بالباب. فلفَّت موسى في خِرقة، فوضعته في التنور وهو مسجور، وطاش عقلُها، فلَم تعقل ما تصنع. قال: فدخلوا فإذا التنور مسجور، ورأوا أمَّ موسى لم يتغير لها لونٌ، ولم يظهر لها لبن، فقالوا لها: ما أدخل عليك القابلة؟ قالت: هي مُصافِيَةٌ لي، فدخلت عَلَيَّ زائرة. فخرجوا من عندها، فرجع إليها عقلُها، فقالت لأخت موسى: فأين الصبي؟ قالت: لا أدري. فسمعت بكاء الصبي مِن التنور، فانطلقت إليه، وقد جعل الله سبحانه وتعالى النارَ عليه بردًا وسلامًا، فاحتملته، قال: ثم إنّ أمَّ موسى لَمّا رأتْ إلحاح فرعون في طلب الولدان خافت على ابنها، فقذف الله في نفسها أن تتخذ له تابوتًا، ثم تقذف التابوت في اليمِّ، وهو النيل، فانطلقت إلى رجل نجّار مِن قوم فرعون، فاشترت منه تابوتًا صغيرًا، فقال لها النجار: ما تصنعين بهذا التابوت؟ قالت: ابنٌ لي أُخَبِّئه في التابوت. وكرِهَت الكذب، قال: ولم تقل: أخشى عليه كيد فرعون. فلمّا اشترت التابوت وحملته وانطلقت به انطلق النجار إلى الذبّاحين ليخبرهم بأمر أُمِّ موسى، فلما همَّ بالكلام أمسك الله لسانه؛ فلم يُطِق الكلام، وجعل يُشير بيده، فلم يَدْرِ الأُمَناءُ ما يقول، فلمّا أعياهم أمرُه قال كبيرُهم: اضربوه. فضربوه، وأخرجوه، فلما انتهى النجار إلى موضعه ردَّ الله عليه لسانه، فتكلم، فانطلق أيضًا يريد الأمناء، فأتاهم ليخبرهم، فأخذ الله لسانه وبصره؛ فلم يطق الكلام، ولم يُبصر شيئًا، فضربوه، وأخرجوه، فوقع في وادٍ يهوى فيه حيران، فجعل لله عليه إن ردَّ لسانه وبصره أن لا يدُلَّ عليه، وأن يكون معه يحفظه حيث ما كان، فعرف الله منه الصدق؛ فردَّ عليه لسانه وبصره؛ فخرَّ لله ساجدًا، فقال: يا ربِّ، دُلَّني على هذا العبد الصالح. فدلَّه الله عليه، فخرج من الوادي، فآمن به، وصدَّقه، وعلم أنّ ذلك مِن الله عز وجل
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير-: فأوحى الله إليها أن: ﴿لا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين﴾. فلمّا ولدت فعلت ذلك به، فلمّا تواري عنها ابنُها أتاها الشيطان، فقالت في نفسها: ما فعلتُ بابني؟! لو ذُبِح عندي فواريتُه وكفَّنتُه لَكان أحبَّ إلَيَّ مِن أن ألقيه بيدي إلى دوابِّ البحر وحيتانه. وانتهى الماءُ به حتى أرقأ به عند فُرْضَة مستقى جواري امرأة فرعون، فلمّا رأينه أخذنه، فهَرَعْن أن يفتحن التابوت، فقال بعضهم: إنّ في هذا مالًا، وإنّا إن فتحناه لم تُصَدِّقنا امرأةُ الملك بما وجدنا فيه. فحملنه كهيئته لم يُحَرِّكْن منه شيئًا حتى رَفَعْنَه إليها، فلمّا فتحته رأتْ فيه غُلامًا، فأُلْقِي عليه منها محبة لم تلق منها على أحد مِن البشر قط
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: فلمّا فَتَحَتِ التابوتَ رأت فيه غلامًا، فألقي عليه منها محبة لم يلق منها على أحد مِن البشر قط، فلمّا سمِع الذبّاحون بأمره أقبلوا بشِفارهم إلى امرأة فرعون ليذبحوه، قالت: أقِرُّوه، فإنّ هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل، حتى آتي فرعون فأستوهبه مِنه، فإن وهبه لي كنتم قد أحسنتم وأجملتم، وإن أمر بذبحه لَمْ ألُمْكُم. فأتت به فرعون، فقالت: ﴿قرة عين لي ولك﴾. قال فرعون: يكون لكِ، فأمّا لي فلا حاجة لي فيه. فقال رسول الله ﷺ: «والذي يُحْلَف به، لو أقرَّ فرعونُ أن يكون له قرة عين كما أقَرَّت لهداه اللهُ به كما هدى به امرأتَه، ولكنَّ الله حَرَمَه ذلك»