سورة الكهف — الآية ٦٠
عن سعيد بن جبير، قال: إنّا لعند عبد الله بن عباس في بيته إذ قال: سلوني. قلت: أيْ أبا عباس، جعلني الله فداءك، بالكوفة رجل قاصٌّ يقال له: نوف، يزعم أنّه ليس بموسى بني إسرائيل. قال: كذب عدوُّ الله، حدثني أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ موسى عليه السلام ذكر الناس يومًا، حتى إذا فاضت العيون، ورقَّت القلوب؛ ولّى، فأدركه رجل، فقال: أي رسول الله، هل في الأرض أحد أعلم منك؟ قال: لا. فعتب الله عليه؛ إذ لم يرد العلم إلى الله. قيل: بلى. قال: أيْ ربِّ، فأين؟! قال: بمجمع البحرين. قال: أيْ ربِّ، اجعل لي عَلَمًا أعلم به ذلك. قال: خذ حوتًا ميِّتًا، حيث ينفخ فيه الروح. فأخذ حوتًا، فجعله في مكتل، فقال لفتاه: لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت. قال: ما كلفت كثيرًا. قال: فبينما هو في ظل صخرة في مكان ثَرْيانَ، إذ اضطرب الحوتُ وموسى نائم، فقال فتاه: لا أُوقِظه. حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره، واضطرب الحوتُ حتى دخل البحر، فأمسك اللهُ عنه جرية البحر حتى كان أثره في حجر. قال موسى: ﴿لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا﴾. قال: قد قطع الله عنك النَّصَب. فرجعا، فوجدا خَضِرًا على طُنفُسَةٍ خضراء على كبد البحر، مُسَجًّى بثوبه، قد جعل طرفه تحت رجليه وطرفه تحت رأسه، فسلَّم عليه موسى، فكشف عن وجهه، وقال: هل بأرض مِن سلام؟! مَن أنت؟ قال: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. قال: فما شأنك؟ قال: جئت لتعلمني مما علمت رشدًا. قال: أما يكفيك أنّ التوراة بيديك، وأن الوحي يأتيك؟! يا موسى، إنّ لي علمًا لا ينبغي أن تعلمه، وإنّ لك علمًا لا ينبغي لي أن أعلمه. فأخذ طائرٌ بمنقاره من البحر، فقال: واللهِ، ما علمي وعلمُك في جنب علم الله إلا كما أخذ الطير منقاره من البحر. حتى إذا ركبا في السفينة وجدا معابر صغارًا تحمل أهل الساحل إلى أهل هذا الساحل الآخر، فعرفوه، فقالوا: عبد الله الصالح، لا نحمله بأجر. فخرقها، ووتد فيها وتدًا، قال موسى: ﴿أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا﴾. كانت الأولى نسيانًا، والوسطى شرطًا، والثالثة عمدًا، قال: ﴿لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله﴾، ووجد غلمانًا يلعبون، فأخذ غلامًا كافرًا ظريفًا، فأضجعه، ثم ذبحه بالسكين، فقال: ﴿أقتلت نفسا زكية﴾ لم تعمل الحنث». قال ابنُ عباس: قرأها ﴿زكية﴾: ‹زاكِيَةً›: مُسْلِمَة، كقولك: غلامًا زكيًّا. فانطلقا فوجدا جدارًا يريد أن ينقض فأقامه- قال سعيد بيده هكذا، ورفع يده- فاستقام، ﴿لو شئت لتخذت عليه أجرا﴾. قال سعيد: أجر نأكله. ﴿وكان وراءهم ملك﴾». قرأها ابن عباس: (وكانَ أمامَهُم مَّلِكٌ). «يزعمون أنّه هدد بن بدد، والغلام المقتول اسمه -يزعمون-: جيسور، ﴿ملك يأخذ كل سفينة غصبا﴾ فأردت إذا هي مرت به أن يدعها لعيبها، فإذا جاوزوا أصلحوها فانتفعوا بها، ومنهم من يقول: سدُّوها بالقارورة. ومنهم من يقول: بالقار. ﴿فكان أبواه مؤمنين﴾ وكان كافرًا، ﴿فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا﴾: أن يحملهما حبُّه على أن يتابعاه على دينه، ﴿فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما﴾ هما به أرحم منهما بالأول الذي قتله الخضر. وزعم غير سعيد أنهما أُبدِلا جارية
قراءة الأثر في موضعه
سورة الكهف — الآية ٦٠
عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عباس وكنا عنده، فقال القوم: إنّ نوفًا الشامي يزعم: أن الذي ذهب يطلب العلم ليس بموسى بني إسرائيل. فكان ابن عباس مُتَّكئًا فاستوى جالسًا، فقال: كذب نوف، حدثني أُبَيّ بن كعب أنه سمع النبي ﷺ يقول: «رحمة الله علينا وعلى موسى، لولا أنه عجل واستحيا وأخذته ذِمامَةٌ من صاحبه، فقال له: ﴿إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني﴾؛ لَرأى من صاحبه عجبًا». قال: وكان النبي ﷺ إذا ذكر نبيًّا من الأنبياء بدأ بنفسه، فقال: «رحمة الله علينا وعلى صالح، ورحمة الله علينا وعلى أخي عاد». ثم قال: «إنّ موسى بينا هو يخطب قومَه ذات يوم إذ قال لهم: ما في الأرض أحدٌ أعلم مني. فأوحى الله إليه: أن في الأرض مَن هو أعلم منك، وآية ذلك أن تزود حوتًا مالحًا، فإذا فقدته فهو حيت تفقده. فتَزَوَّد حوتًا مالحًا، فانطلق هو وفتاه، حتى إذا بلغا المكان الذي أمروا به، فلما انتهوا إلى الصخرة انطلق موسى يطلب، ووضع فتاه الحوت على الصخرة، فاضطرب، ﴿فاتخذ سبيله في البحر سربا﴾. قال فتاه: إذا جاء نبيُّ الله حدَّثته. فأنساه الشيطان، فانطلقا، فأصابهما ما يصيب المسافر مِن النصب والكلال، ولم يكن يصيبه ما يصيب المسافر من النصب والكلال حتى جاوز ما أمر به، فقال موسى لفتاه: ﴿ءاتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا﴾. قال له فتاه: يا نبيَّ الله، ﴿أرءيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت﴾ أن أُحَدِّثك، ﴿وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا﴾. قال: ﴿ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا﴾ يقصان الأثر حتى انتهيا إلى الصخرة، فأطاف بها، فإذا هو برجل مسجًّى بثوب، فسَلَّم، فرفع رأسه، فقال له: مَن أنت؟ قال: موسى. قال: مَن موسى؟ قال: موسى بني إسرائيل. قال: فما لك؟ قال: أُخبِرْتُ أنّ عندك علمًا؛ فأردتُ أن أصحبك. ﴿قال إنك لن تستطيع معي صبرًا﴾. ﴿قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا﴾. قال: ﴿كيف تصبر على ما لم تحط به خبرا﴾. قال: قد أمرت أن أفعله، ﴿ستجدني إن شاء الله صابرا﴾. ﴿قال: فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا، فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة﴾، فخرج مَن كان فيها، وتخلَّف ليخرقها، فقال له موسى: تخرقها ﴿لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا. قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا. فانطلقا حتى﴾ إذا أتوا على غلمان يلعبون على ساحل البحر، وفيهم غلام، ليس في الغلمان أحسن ولا ألطف منه، فأخذه، فقتله، فنفر موسى عند ذلك، وقال: ﴿أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا. قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا﴾. قال: فأخذته ذمامة مِن صاحبه، واستحيا، فقال: ﴿إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية﴾ وقد أصاب موسى جهد شديد، ﴿فلم يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال﴾ له موسى مما نزل به من الجهد: ﴿لو شئت لاتخذت عليه أجرا قال: هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا﴾. فأخذ موسى بطرف ثوبه، فقال: حدِّثني. فقال: ﴿أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا﴾. فإذا مرَّ عليها فرآها منخرِقة تركها، ورقعها أهلها بقطعة من خشب، فانتفعوا بها. وأما الغلام فإنه كان طبع يوم طبع كافرًا، وكان قد ألقي عليه محبة من أبويه، ولو عصياه شيئًا لأرهقهما طغيانًا وكفرًا، فأراد ربك أن يبدلهما خيرًا منه زكاة وأقرب رحمًا، فوقع أبوه على أمه فعلقت ﴿خيرا منه زكاة وأقرب رحما، وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين﴾ إلى آخر الآية»
قراءة الأثر في موضعه
سورة الكهف — الآية ٦٠
عن سعيد بن جبير، قال: جلستُ عند عبد الله بن عباس، وعنده نفرٌ مِن أهل الكتاب، فقال بعضهم: إنّ نوفًا يزعم عن كعب: أنّ موسى النبيَّ الذي طلب العلم إنما هو موسى بن ميشا. فقال ابن عباس: كذب نَوْفٌ، حدثني أبي بن كعب، عن رسول الله ﷺ: «أنّ موسى بني إسرائيل سأل ربَّه، فقال: أي رب، إن كان في عبادك أحدٌ هو أعلم مِنِّي فدُلَّني عليه. فقال له: نعم، في عبادي مَن هو أعلم منك. ثم نعت له مكانه، وأذِن له في لقيه، فخرج موسى ومعه فتاه، ومعه حوت مليح، قد قيل له: إذا حِيي هذا الحوتُ في مكان فصاحبك هنالك، وقد أدركت حاجتك. فخرج موسى ومعه فتاه، ومعه ذلك الحوت يحملانه، فسار حتى جهده السير، وانتهى إلى الصخرة، وأنّ ذلك الماء ماء الحياة، مَن شرب منه خلد، ولا يقاربه شيء ميت إلا حيي، فلما نزلا ومسَّ الحوتُ الماءَ حيي، ﴿فاتخذ سبيله في البحر سربا﴾، فانطلقا، فلما جاوزا قال موسى لفتاه: ﴿ءاتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا﴾. قال الفتى وذكر: ﴿أرءيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا﴾. قال ابن عباس: فظهر موسى على الصخرة حتى انتهى إليها، فإذا رجل مُلْتَفٌّ في كِساء له، فسلم موسى عليه، فرد عليه، ثم قال له: ما جاء بك؟ إن كان لك في قومك لَشغل. قال له موسى: جئتك لتعلمني مما علمت رشدًا. قال: ﴿إنك لن تستطيع معي صبرا﴾. وكان رجلًا يعلم علم الغيب قد علم ذلك، فقال موسى: بلى. قال: ﴿وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا﴾. أي: أنما تعرف ظاهرًا ما ترى من العدل، ولم تحط من علم الغيب بما أعلم. قال: ستجدني إن شاء الله صابرًا، ولا أعصي لك أمرًا، وإن رأيتُ ما يخالفني. ﴿قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا فانطلقا﴾ يمشيان على ساحل البحر، يتعرَّضان الناس، يلتمسان من يحملهما، حتى مرت بهما سفينة جديدة وثيقة، لم يمرَّ بهما من السفن شيءٌ أحسن منها ولا أجمل ولا أوثق منها، فسألا أهلها أن يحملوهما، فحملوهما، فلمّا اطمأنا فيها، ولجَّجَتْ بهما مع أهلها؛ أخرج منقارًا له ومطرقة، ثم عمد إلى ناحية منها، فضرب فيها بالمنقار حتى خرقها، ثم أخذ لوحًا فطبقه عليها، ثم جلس عليها يرقعها. فقال له موسى -ورأى أمرًا فظِع به-: ﴿أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا﴾، حملونا وآوونا إلى سفينتهم، وليس في البحر سفينة مثلها، فلم خرقتها؟! ﴿لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا. قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا. قال لا تؤاخذني بما نسيت﴾. أي: بما تركت مِن عهدك، ﴿ولا ترهقني من أمري عسرا﴾. ثم خرجا من السفينة، ﴿فانطلقا حتى﴾ أتيا قرية، فإذا غلمان يلعبون، فيهم غلام ليس في الغلمان غلام أظرف منه ولا أوضأ منه، فأخذ بيده، وأخذ حجرًا، فضرب به رأسه حتى دمغه فقتله، فرأى موسى أمرًا فظيعًا لا صبر عليه، صبي صغير قتله لا ذنب له، ﴿قال أقتلت نفسا زكية﴾ أي: صغيرة ﴿بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا. قال: ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا. قال: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا﴾ أي: قد عذرت في شأني، ﴿فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض﴾، فهدمه، ثم قعد يبنيه، فضجر موسى مما يراه يصنع من التكليف لما ليس عليه صبر، فقال: ﴿لو شئت لاتخذت عليه أجرا﴾. أي: قد استطعمناهم فلم يطعمونا، وضِفْناهم فلم يُضَيِّفُونا، ثم قعدت تعمل في غير صنيعة؟ ولو شئت لأعطيت عليه أجرًا في عملك! ﴿قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا﴾». في قراءة أبي بن كعب: (كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ). «وإنما عِبْتُها لأرُدَّهُ عنها، فسلمت منه حين رأى العيب الذي صنعت بها، ﴿وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري﴾. أي: ما فعلته عن نفسي، ﴿ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا﴾». فكان ابن عباس يقول: ما كان الكنزُ إلا عِلمًا
قراءة الأثر في موضعه
سورة الكهف — الآية ٦٠
عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عباس، قال: قام موسى خطيبًا لنبي إسرائيل، فأبلغ في الخطبة، وعَرَض في نفسه أنّ أحدًا لم يؤتَ مِن العلم ما أوتي، وعلِم الله الذي حدَّث نفسه من ذلك، فقال له: يا موسى، إنّ مِن عبادي مَن قد آتيتُه مِن العلم ما لم أُوتِك. قال: فادللني عليه حتى أتعلَّم منه. قال: يدلُّك عليه بعضُ زادِك. فقال لفتاه يوشع: ﴿لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا﴾. فكان في ما تزوَّداه حوتًا مُمَلَّحًا، وكانا يصيبان مِنه عند العشاء والغداء، فلما انتهيا إلى الصخرة على ساحل البحر وضع فتاه المكتل على ساحل البحر، فأصاب الحوتُ ندى الماء، فتحرك في المكتل، فقلب المكتل، وأسرب في البحر، فلما جاوز أحضر الغداء، فقال: ﴿ءاتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا﴾. ذكر الفتى، قال: ﴿أرءيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا﴾. فذكر موسى ما كان عُهِد إليه: إنّه يدلُّك عليه بعضُ زادك. قال: ﴿ذلك ما كنا نبغ﴾. أي: هذه حاجتنا، ﴿فارتدا على آثارهما قصصا﴾ يَقُصّان آثارهما، حتى انتهيا إلى الصخرة التي فعل فيها الحوت ما فعل، وأبصر موسى أثر الحوت، فأخذا أثر الحوت يمشيان على الماء حتى انتهيا إلى جزيرة من جزائر البحر، ﴿فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما قال له موسى: هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا﴾. فأقرَّ له بالعلم، قال: ﴿إنك لن تستطيع معي صبرا وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا. قال: ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا. قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا﴾. يقول: حتى أكون أنا أُحْدِث ذلك لك. ﴿فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها﴾ إلى قوله: ﴿فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما﴾ على ساحل البحر في غِلمان يلعبون، فعمد إلى أجودهم وأصبحهم، فقتله، قال: ﴿أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا. قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا﴾. قال ابن عباس: فقال رسول الله ﷺ: «فاستحيا نبيُّ الله موسى عند ذلك». فقال: ﴿إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا. فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها﴾ إلى قوله: ﴿سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا. أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا﴾. قال: وهي في قراءة أبي بن كعب: (يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ غَصْبًا). ﴿فأردت أن أعيبها﴾ حتى لا يأخذها الملك، فإذا جاوزوا الملك رَقَعُوها، فانتفعوا بها، وبقيت لهم، ﴿وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين﴾ إلى قوله: ﴿وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة﴾ إلى قوله: ﴿ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا﴾. قال: فجاء طائر هذه الحُمَّرَة فيَلَغُ، فجعل يَغْمِسُ مِنقاره في البحر، فقال له: يا موسى، ما يقول هذا الطائر؟ قال: لا أدري. قال: هذا يقول: ما عِلمُكما الذي تَعْلَمان في علم الله إلا كما أنقُص به بمنقاري من جميع ما في هذا البحر
قراءة الأثر في موضعه
سورة الكهف — الآية ٦٠
عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عباس، قال: بينما موسى عليه السلام يُذَكِّر بني إسرائيل إذ حدَّث نفسَه أنّه ليس أحدٌ مِن الناس أعلم منه، فأوحى الله إليه: أنِّي قد علمتُ ما حدثتَ به نفسَك، فإنّ مِن عبادي رجلًا أعلم منك، يكون على ساحل البحر، فأْتِه فتَعَلَّم منه، واعلم أنه الدال لك على مكانه زادُك الذي تزودته، فأينما فقدته فهناك مكانه. ثم خرج موسى وفتاه قد حملا جميعًا حوتًا مالحًا في مكتل، وخرجا يمشيان، لا يجدان لُغُوبًا ولا عَنَتًا، حتى انتهيا إلى العين التي كان يشرب منها الخضِر، فمضى موسى، وجلس فتاه يشرب منها، فوثب الحوت مِن المكتل حتى وقع في الطين، ثم جرى حتى وقع في البحر، فذلك قوله تعالى: ﴿فاتخذ سبيله في البحر سربا﴾. فانطلق حتى لحق موسى، فلما لحقه أدركه العياء، فجلس، وقال لفتاه: ﴿ءاتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا﴾. قال: ففقد الحوت، فقال: ﴿فإني نسيت الحوت﴾ الآية. يعني: فتى موسى، اتخذ سبيل الحوت في البحر عجبا، ﴿قال ذلك ما كنا نبغ﴾ إلى: ﴿قصصا﴾. فانتهيا إلى الصخرة، فأطاف بها موسى، فلم ير شيئًا، ثم صعد، فإذا على ظهرها رجل مُتَلَفِّف بكسائه نائم، فسلَّم عليه موسى، فرفع رأسه، فقال: أنّى السلام بهذا المكان؟! مَن أنت؟ قال: موسى بني إسرائيل. قال: فما كان لك في قومك شُغُل عني؟ قال: إنِّي أُمِرْتُ بك. فقال الخضر: ﴿إنك لن تستطيع معي صبرا قال ستجدني إن شاء الله صابرا﴾ الآية. قال: ﴿فإن اتبعتني﴾ الآية. فخرجا يمشيان حتى انتهيا إلى ساحل البحر، فإذا قومٌ قد ركِبوا في سفينة يريدون أن يقطعوا البحر؛ رَكِبوا معهم، فلما كانوا في ناحية البحر أخذ الخضِر حديدةً كانت معه، فخرق بها السفينة، قال: ﴿أخرقتها لتغرق أهلها﴾ الآية. قال: ﴿ألم أقل﴾ الآية. قال: ﴿لا تؤاخذني﴾ الآية. فانطلقا، حتى إذا أتيا أهل قرية، فوجدا صبيانًا يلعبون يريدون القرية، فأخذ الخضر غلامًا منهم، وهو أحسنهم وأنظفهم، فقتله، قال له موسى: ﴿أقتلت نفسا زكية﴾ الآية. قال: ﴿ألم أقل لك﴾ الآية. قال: ﴿إن سألتك﴾ الآية. فانطلقا، حتى انتهيا إلى قرية لِئام وبهما جهد، فاستطعموهم، فلم يطعموهم، فرأى الجدار مائلًا، فمسحه الخضِر بيده، فاستوى، فقال: ﴿لو شئت لاتخذت عليه أجرا﴾. قال له موسى: قد ترى جهدنا وحاجتنا، لو سألتهم عليه أجرًا أعطوك فنتعشى به. قال: ﴿هذا فراق بيني وبينك﴾. قال: فأخذ موسى بثوبه، فقال: أنشدك الصحبة لَما أخبرتني عن تأويل ما رأيت. قال: ﴿أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر﴾ الآية، خرقتها لأعيبها؛ فلم تُؤخَذ، فأصلحها أهلها، فانتفعوا بها، وأما الغلام فإنّ الله جبله كافرًا، وكان أبواه مؤمنين، فلو عاش لأرهقهما ﴿طغيانا وكفرا، فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما. وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة﴾ الآية
قراءة الأثر في موضعه