قال مقاتل بن سليمان: ثم عَظّم الرّبّ تعالى نفسه، ودلّ على صُنعه، فقال: ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأَرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ يعني: الشمس، والقمر، والنُّجوم، والسحاب، والرياح، قال: هو ‹الرَّحْمَنُ› الرحيم، وهم ﴿لا يَمْلِكُونَ مِنهُ خِطابًا﴾ يعني: المناجاة، إذا استوى للحساب
قال مقاتل بن سليمان: ثم أخبرهم متى يكونُ ذلك؟ فقال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ وهو المَلَك الذي قال الله عز وجل عنه: ﴿ويَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء:٨٥]، وجهه وجه آدم عليه السلام، ونصفه من نار، ونصفه من ثلج، فيُسبّح بحمد ربه، ويقول: ربِّ، كما ألَّفتَ بين هذه النار وهذا الثلج؛ تُذيب هذه النار هذا الثلج، ولا يُطفئ هذا الثلج هذه النار، فكذلك ألِّف بين عبادك المؤمنين، فاختصّه الله تعالى مِن بين الخَلْق من عِظَمه. فقال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾
قال مقاتل بن سليمان: ثم انقطع الكلام، فقال: ﴿والمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ﴾ مِن الخوف أربعين عامًا، ﴿إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ﴾ بالكلام، ﴿وقالَ صَوابًا﴾ يعني: شهادة ألا إله إلا الله، فذلك الصواب
قال مقاتل بن سليمان: ثم خوّفهم أيضًا العذاب في الدنيا، فقال: ﴿إنّا أنْذَرْناكُمْ عَذابًا قَرِيبًا﴾، يعني: في الدنيا القتل ببدر، وهلاك الأمم الخالية، وإنما قال: ﴿قريبًا﴾ لأنها أقرب من الآخرة
قال مقاتل بن سليمان: ثم رجع إلى القول الأول حين قال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾، فقال: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ يعني: الإنسان الخاطئ يرى عمله أسود مثل الجبل
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويَقُولُ الكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾ وذلك أنّ الله عز وجل يَجمع الوحوش والسِّباع يوم القيامة، فيقْتَصّ لبعضهم من بعض حقوقهم، حتى ليأخذ [للجماء] مِن القَرْناء بحقها، ثم يقول لهم: كونوا ترابًا. فيتمنى الكافر لو كان خنزيرًا في الدنيا ثم صار ترابًا، كما كانت الوحوش والسباع ثم صارت ترابًا
قال مقاتل بن سليمان: ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ فهو مَلَك الموت وحده، يَنزع روح الكافر حتى إذا بلَغ ترقوته غرقه في حَلْقه، فيعذّبه في حياته قبل أن يُميته، ثم يَنشطها مِن حَلْقه كما يُنشط السَّفُّود الكثير الشعث من الصوف، فينشط روح الكافر مِن قدمه إلى حَلْقه مثل الصوف المبلول، فذلك قوله: ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾